«عذابات التاريخ» للكاتبين اوموت اوزكيرملي وسبيرو سوفوس هو عمل ثنائي من خلال «صوتين» ينتميان إلى بلدين بينهما تاريخ فيه الكثير من «الجروح الغائرة». وهما يبحثان في ظاهرة بروز النزعة القومية في كل من اليونان وتركيا، كما يدل بوضوح العنوان الفرعي للكتاب، وذلك خلال فترة معينة يتم تحديدها منذ البداية بقرنين سابقين. أما المادة التي يعتمدان عليها فهي تتمثل في المعطيات التاريخية والأعمال الأدبية التي شهدها البلدان خلال الفترة المدروسة.
ويدرس المؤلفان أيضا الآليات المعقّدة التي جرى انتهاجها على الجانبين التركي واليوناني من أجل فرض الهيمنة في إطار مشاريع لـ «مد النفوذ» ، وأيضاً الآليات التي أدّت إلى «تهميش» مجموعات من دائرة الفعل السياسي أو الثقافي. وأحيانا عبر اللجوء إلى استخدام العنف «المادي أو الرمزي»، وحيث كان الهدف واحدا في جميع الحالات وهو تعزيز النزعات القومية لمن كانوا وراء مثل ذلك العنف. يكرّس المؤلفان العديد من التعريفات والمعلومات العامة عن المصادر التاريخية والسياسية للنزعة القومية منذ جذورها القديمة، وذلك تحت عنوان عريض هو المخيلة القومية . ثم يبحث الكتاب في مسائل الحداثة حسب المفاهيم الغربية التي جرى تبنّيها في كل من اليونان وتركيا وقضية التعايش السلمي والانفصال وقضية البحث عن اكتشاف الهوية .
يهتم المؤلفان بمسائل الهوية والثقافة والاختلاف والماضي والذاكرة والتاريخ و الأقليات وسياسات الهيمنة و مخاطر التنوع: ما بين التمثّل والاستبعاد والنبذ و الممالك غير المكتملة والإمبراطورية المستحيلة والعديد من المواضيع الأخرى التي قد يحتاج كل منها إلى كتاب منفرد.
تجدر الإشارة إلى أن صدور هذا الكتاب تزامن قبل عدة أسابيع فقط تقريبا من زيارة رئيس وزراء اليونان إلى تركيا، وكانت الأولى بعد 49 سنة من سابقتها. وكانت هذه الزيارة قد تأجّلت مرتين كون أن الظروف لم تكن ناضجة . ومؤلف هذا الكتاب التركي اوموت اوزكيرملي ، علق عليها بالقول أنه لا ينبغي تعليق الآمال عليها دون تحفظ .
وهذا بالتحديد ما كان قد جرى شرحه في الكتاب بناءً على ما عرفته النزعة القومية في البلدين من تطور خلال ال200 سنة المنصرمة. وتؤكد التحليلات المقدّمة فيه أن النزعة القومية تشكل عاملا مهما جدا في العلاقات اليونانية ـ التركية ذلك أنها تلقي بظلّها على أغلبية المشاكل القائمة بين البلدين، وحتى تلك التي تمكن معالجتها بسهولة نسبيا.
وذلك على خلفية المخاوف الموجودة على الجانبين والتي قد تكون »متخيّلة« أكثر مما هي واقعية ، ولكنها نتاج شرعي للتاريخ الممتد على مدى قرنين من الزمن. ومن الأفكار الأساسية التي تتردد في متن الكتاب أن النزعة القومية تتغذّى من الخوف وهي بنفس الوقت تعيد إنتاجه . ويتم إلقاء المسؤولية بالنسبة للحالة المدروسة (تركيا واليونان) على المسؤولين السياسيين.
ولكن ليس عليهم فقط ذلك لأن الجيش يلعب دورا كبيرا في تنامي المشاعر القومية في تركيا بينما تلعب الكنيسة الارثوذكسية نفس الدور في اليونان. وفي الحالتين أيضا تلعب وسائل الإعلام دوراً قوميا. ويتم التأكيد على أن المسألة القبرصية، أي انقسام الجزيرة إلى شطرين: يوناني وتركي، تشكل أحد جبهات المواجهة بين النزعتين القوميتين اليونانية والتركية. هذا إلى جانب التأكيد أيضا أن تنامي مثل هذه النزعات ليس مقتصرا على النخب وإنما أصبح ذا طابع شعبي .
ووصل تنامي مثل هذه النزعة إلى درجة تفكير البعض على الطرف اليوناني إلى التفكير بإمكانية تفكك تركيا مثلما كانت قد تفككت الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الثانية. وينتهي الكتاب بنوع من التفاؤل المحسوب حيال المستقبل، وذلك بوجود العديد من المبادرات المشتركة، ذات الطابع الثقافي والفكري بالدرجة الأولى، وحيث ان هذا العمل نفسه هو نتاج ملموس لها بمؤلفيه اليوناني والتركي وأهميته قد تأتي من حيث أنه يعتمد على دراسة الماضي وإنما في واقع الأمر من أجل التأكيد على المنظور المستقبلي. وهو بهذا المعنى يريد التوجه إلى الأجيال القادمة ، كما تقول الرسالة التي وجهها مؤلفا الكتاب بقدر كبير من الصراحة والوضوح.
العلاقات الصعبة
يعترف الكتاب بوجود علاقات صعبة «تاريخيا» بين النزعتين القوميتين اليونانية والتركية، وذلك بفعل الخلاف في مجالات أساسية تتمحور حولها أصلا النزعة القومية، وفي مقدمتها اللغة والمعتقد الديني والذاكرة التاريخية ومفاهيم الانتماء الوطني وحدوده. ويقدم الكتاب تحليلا لمجمل هذه المسائل في سياق مسيرتها التطورية.
المؤلفان في سطور
المؤلفان هما تركي ويوناني، اوموت اوزكيرملي هو أستاذ للعلوم السياسية ومدير لمركز الدراسات التركية-اليونانية في جامعة بيلجي باسطنبول. سبق له وقدّم كتابين حول المسألة القومية تحت عنوان: «نظريات القومية: مقدمة نقدية»و«نقاشات معاصرة حول القومية: التزام نقدي».
وسبيرو سوفوس هو باحث رئيسي في ميدان الدراسات الدولية في المركز الأوروبي للأبحاث التابع لجامعة كينغستون بلندن. وهو أحد المؤلفين المساهمين في كتاب: «الأمة والهوية في أوروبا المعاصرة» وفي كتاب «الإسلام في أوروبا: مجالات عامة ومجموعة من الشبكاتش.
الكتاب: عذابات التاريخ النزعة القومية في اليونان وتركيا
تأليف: اوموت اوكيريملي، سبيرو سوفوس
الناشر: جامعة كولومبيا 2008
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
Tormented by history, nationalism in Greece and Turkey
Umut Ozkirimli, Spyro Sofos
Columbia University Press 2008
P.320

