دفعت الأصداء المدوية التي أثارتها رواية «النمر الأبيض» في موقع «بوك براوز» الالكتروني المتخصص في عروض الكتب إلى إجراء هذه المقابلة مع مؤلفها الكاتب الهندي أرافندا أديجا، الذي بادر إلى إلقاء الضوء على المصادر التي استلهم منها عمله، وفي مقدمتها الترحال طويلاً في مختلف أرجاء الهند ومد جسور الحوار مع أبناء الطبقات الدنيا في مختلف مناحي الحياة وفيما يلي نص الحوار:

من هم الكتاب الذين شكلوا تأثيراً أدبياً عميقاً بالنسبة لك؟ وهل تقدم نفسك باعتبارك كاتبا هنديا على وجه خاص؟ ربما يكون مما له مغزاه بشكل أكبر الحديث عن المؤثرات بالنسبة لهذا الكتاب وليس بالنسبة لي. والمؤثرات بالنسبة لـ «النمر الأبيض» تتمثل في ثلاثة كتاب أميركيين سود ينتمون إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهم على التوالي رالف إليسون، جيمس بالدوين وريتشارد رايت.

والشيء الغريب هو أنني لم أقرأ أعمالهم منذ سنوات وسنوات. وقد قرأت رواية «الرجل الخفي» لإليسون في عام 1995 أو 1996، ولم أعد إليها قط، ولكنني الآن وبعد أن أنجزت روايتي أدرك إلى أي حد كبير هي مدينة لهم. وباعتباري كاتباً فإنني لا أشعر بأنني مقيد إلى أي هوية، وأنا سعيد بأن استمد المؤثرات من أي مصدر جاءت.

هل بمقدورك وصف تطورك باعتبارك كاتبا؟ هل كان الانتقال من العمل الصحافي إلى الكتابة الإبداعية صعباً؟

لقد تمت كتابة مسودة أولى من «النمر الأبيض» في عام 2005 ثم وضعتها جانبا. وكنت قد تخليت عن الكتاب لأسباب لم أفهمها تماماً أنا نفسي. وفي ديسمبر 2006، عندما عدت إلى الهند بعد وقت طويل أمضيته في الخارج، فتحت المسودة، وبدأت في عملية إعادة كتابتها بالكامل. وعكفت على الكتابة طوال اليوم على امتداد الشهر التالي وفي أوائل يناير 2007 كان بمقدوري أن أرى أن بين يدي رواية مكتملة.

من أين استلهمت شخصية بالرام هالواي بطل روايتك؟ كيف أفلحت في اقتناص الصيغة التي يتحدث بها؟

بالرام هالواي هو تكوين مركب من العديد من الرجال الذين قابلتهم في غمار ترحالي في مختلف أرجاء الهند، وقد أمضيت الكثير من وقتي متجولاً في أرجاء محطات القطار ومواقف الباصات وأحياء الخدم ومناطقهم العشوائية واستمعت وحادثت الكثيرين ممن كانوا حولي. وهناك غمغمة أو دمدمة مستمرة تحت حياة الطبقة الوسطى في الهند، وهذه الضجة لا يتم تسجيلها أبداً. وبالرام هو ما ستسمعه إذا بدأت البالوعات في دارك يوما في الحديث.

تتميز هذه الرواية بالثراء في التفاصيل، من أعمال قوة الشرطة الفاسدة غالباً إلى النظام السياسي، من طبقات الخدم في دلهي إلى رجال الأعمال في بنغالور. ما هي نوعية البحث الذي أجريته للتمهيد للرواية؟

هذا الكتاب هو رواية، هو عمل إبداعي، وما من شيء في فصوله حدث بالفعل، وما من أحد تقابله في صفحاته هو شخصية حقيقية. ولكنه مبني على طبقات من الواقع الهندي. وها هو ذو مثال محدد، فوالد بالرام في الرواية يموت مصاباً بالسل. وهذا موت وهمي لشخصية وهمية، ولكنه في أعماقه جزء من واقع مرعب، والحقيقة القائلة إن ألف هندي، معظمهم من الفقراء، يموتون يوميا من جراء السل هي واقع لا سبيل إلى إنكاره.

وهكذا فإنه إذا كانت شخصية مثل والد بالرام لها وجود، وإذا كان يعمل في جر عربة ريكشو، فإن احتمال موته بالسل وارد إلى حد كبير. وقد حاولت جاهداً التأكد من أن أي شيء في الرواية له صلة بالواقع الهندي. والمستشفيات الحكومية، ومحال بيع الخمور ودور البغاء الواردة في الرواية مبنية كلها على أساس أماكن واقعية في الهند رأيتها بعيني خلال جولاتي.

تكتب في الرواية عن الطبيعة المزدوجة للثقافة الهندية،النور والظلام وكيف أن نظام الطبقات قد وصل إلى »الرجال ذوو الكروش الكبيرة والرجال خمص البطون«.. لماذا تعتقد أن الهند قد وصلت إلى الانقسام في ضوء هذه الفئات؟

من المهم أن تدرك أن هذه التصنيفات هي تصنيفات بالرام وليست تصنيفاتي. وأنا لا أقصد على امتداد الرواية أن يتوحد القارئ مع بالرام، فالبعض لا يرغبون في التوحد معه على الإطلاق.

وقد شهدت السنوات الخمسون الماضية تغيرات هائلة في المجتمع الهندي، وهذه التغيرات ـ العديد منها تغيرات للأفضل ـ قلبت الهياكل التراتبية التقليدية وعناصر التأمين القديمة للحياة. وترك الكثير من الهنود الأكثر فقراً في مواجهة الحيرة والاضطراب بفعل ما يرونه في الهند الجديدة التي تتشكل من حولهم.

على الرغم من أن شخصية أشوك لها سماتها المحررة والمخلصة إلا أن تصويرك له ولعائلته وللأعضاء الآخرين في الطبقة العليا في الهند هو تصوير حاد. فهل الفساد منتشر على نحو ما يبدو وهل ستتغير طبيعة الطبقة العليا أم سيتم الحفاظ عليها من خلال التغيرات الاقتصادية في الهند؟

ما عليك إلا أن تسأل أي هندي، غنيا كان أم فقيراً، عن الفساد في الهند. إنه شيء سيئ، وهو لا يفصح عن أي مؤشر إلى أنه سيختفي أو يتبدد. أما فيما يتعلق بما يكمن في مستقبل الهند فإنه يطرح أحد أكثر الأسئلة صعوبة في الإجابة عنه في العالم كله.

تصور روايتك الهند التي لا نراها غالباً، هل كان من المهم بالنسبة لك أن تقدم وجهة نظر بديلة؟ لماذا يحتاج الجمهور الغربي إلى هذه الصورة البديلة؟

إن السبب الرئيسي الذي يجعل أي أحد يريد قراءة هذا الكتاب، أو هكذا آمل، هو أنه مسل بالنسبة له ويجتذبه حتى الصفحة الأخيرة. وأنا لا أقرأ أي شيء لأنني مضطر لذلك، وإنما أقرأ ما أستمتع بقراءته، وآمل أن يجد القراء الكتاب طريفا أيضاً. إنني أكتب عن الهند التي أعرفها، عن الهند التي أعيش فيها. إنها ليست هذا بديلة بالنسبة لي، وإنما هي هند التيار الرئيسي إلى أبعد حد.

كيف شكلت خلفيتك كصحافي يغطي مجال المال والأعمال مصدر إثراء لروايتك التي يبرز بطلها كرجل أعمال صنع ثروته بنفسه؟ مع كل التغيرات التي تشهدها الهند هل هي توجد تغييراً في صفوف سكانها أم أن التحديات وتكاليف النجاح هائلة على نحو ما كانت بالنسبة لبالرام؟

جعلتني خلفيتي كصحافي يعمل في مجال الأعمال أدرك أن معظم ما يكتب عنه في مجلدات المال والأعمال هو هراء، وأنا لا آخذ أدبيات الأعمال والشركات بجدية على الإطلاق. والهند يتم إغراقها بكتب من نوعية »كيف تصبح رجل أعمال عن طريق الانترنت ، وهي كلها كتب فظيعة وتعد بأن تحولك إلى رجل أعمال بارز في غضون أسبوع.

ومن المؤكد أن هناك الكثيرين من المليونيرات الذين صنعوا ثرواتهم بأيديهم في الهند الآن والكثير من رجال الأعمال الناجحين، ولكن تذكر أن هناك مليار شخص يعيشون في الهند اليوم، وبالنسبة للغالبية الكاسحة منهم، هم الذين يتعرضون للحرمان من الرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل، فإن الصعود إلى القمة سيقتضي القيام بشيء مشابه لما قام به بالرام.

المؤلف في سطور

* ولد الكاتب والروائي الهندي أرافندا أديجا في الهند عام 1974، ونشأ في استراليا، ودرس في جامعتي كولومبيا وأكسفورد، وعمل مراسلاً لمجلة »تايم« الأميركية، وتخصص في صحافة المال والأعمال، ونشرت له مقالات وتقارير عدة في صحيفة »فاينانشال تايمز« ومجلة »موني« المتخصصة.

* يقيم حالياً في مومباي بالهند، وأدرج اسمه في عام 2003 في قائمة الصحافيين الثلاثين الأكثر بروزاً في الهند تحت سن الثلاثين.

* صدرت له مؤخراً روايته الأولى »النمر الأبيض« ويعكف على كتابة روايته الثانية، التي لم يكشف بعد عن موضوعها.

* على الرغم من أنه يشير إلى تأثره بالكتابة الأميركية السوداء في منتصف القرن العشرين، إلا أن العديد من النقاد يشيرون إلى تأثره الأكثر عمقاً بأديبات الواقعية الاجتماعية، خاصة في التقاليد الإبداعية الروسية.

منى مدكور