تأخذ هذه الرواية الأولى التي أبدعها الكاتب الهندي أرافند أديجا تحت عنوان «النمر الأبيض» شكل سلسلة من الرسائل الموجهة إلى رئيس الوزراء الصيني وين جياباو من بالرام هالواي، وهو رجل أعمال من بنغالور، هو نفسه «النمر الأبيض» المشار إليه في عنوان الرواية.

ومن المعروف أن بنغالور هي وادي سليكون شبه القارة الهندية، وعشية زيارة جياباو له فإن هالواي يرغب في أن يكشف جوانب من الهند الجديدة لرئيس الوزراء الصيني، وذلك حسبما يقول في إحدى رسائله احتراماً لحب الحرية الذي يبديه الشعب الصيني، وإيمانا بأن مستقبل العالم هو عند الرجل الأصفر والرجل البني. ودرس هالواي عن الهند الجديدة مستمد من قصة حياته التي شكلت انتقالاً من الفقر المدقع إلى الثراء المدهش، حيث ينتمي هالواي، وهو ابن رجل ريفي يعمل في جر عربة الريكشو، إلى الظلام، وهو ما يوضحه لرئيس الوزراء الصيني في إحدى رسائله بقوله: »أرجو أن تتفهم فخامتكم أن الهند بلدان في بلد واحد، ضد النور وضد الظلام، والمحيط يجلب النور إلى بلادي، وكل مكان على خريطة الهند يقع قرب المحيط هو في خير حال ولكن النهر يجلب الظلام الى الهند، النهر المظلم .

ولأول وهله تبدو الرواية كما لو كانت قصة الارتفاع من الفقر إلى الثروة، ولكنها سرعان ما تنفتح على آفاق أرحب كثيراً، حيث نكتشف أن درس هالواي هو أن الفقر يخلق هولات رهيبة، وهو نفسه هولة منها. والحديث عن «الدروس» لا ينبغي أن يفهم على إنه يشير إلى أن «النمر الأبيض» هي ممارسة تعليمية في قضايا بعينها مثل عمود في صحيفة، ذلك أن أديجا يتكشف عن كاتب حقيقي، عن كاتب يطرح صوتاً ورؤية يتميزان بالأصالة، فهناك صوت هالواي المدهش وهناك التصوير الذي من خلاله يضع المؤلف موضوعاته في بؤرة الكتاب.

يصل هالواي من قلب الريف الهندي الذي لا يزال سبعون في المئة من الهنود يعيشون فيه في أجواء من الحرمان تثير الشعور بالصدمة، وهو الريف الذي رأينا أن المؤلف يختصره بكلمة «الظلام» يصل إلى المدينة بلا تعليم ولا ثقافة متعرضاً للحرمان والسخرية والاستهزاء ليبدأ حياته، مستعيناً بترسانة أسلحته الخاصة، وهي ترسانة تضم الذكاء والبراعة، وينطلق بدافع من الرغبة في الهرب إلى الهند الجديدة، إلى الأضواء البراقة المتألقة في المدينة الكبيرة التي تحفل بكل ما حرم منه.

وهو يحقق النجاح، ولكنه أيضاً يدفع الثمن، وهو ثمن نكتشف مع توالي صفحات الرواية أنه ثمن رهيب، وهو على امتداد سبع ليال وفي مكتب شركته المترف في بنغالور يروي لنا الحكاية، حكاية حياته. وهو يروي لنا هذه الحكاية من خلال رسائله المكتوبة إلى رئيس الوزراء الصيني الذي يوشك على زيارة بنغالور، زيارة الهند الجديدة، وهو يحكي له عن الهند التي لن يراها أبداً، هند الظلام.

على امتداد الرسائل سنرى نثر أديجا المفعم بالحيوية وهو يقدم لنا المعركة الدائرة بين فقراء الهند وأثريائها، فيما بالرام نفسه يلقى أسوأ المعاملة على يد من يسميهم بسادته. وهو لا يتردد في النهاية في قتل رجل الأعمال الذي يشغله سائقاً لديه ويسرق ثروته ليستهل مشواره ثرائه وتحوله بدوره إلى رجل أعمال.

نحن هنا أمام موضوع على جانب كبير من الثراء، لكنه في الوقت نفسه ليس بالموضوع الجديد، ولكن أديجا يحلق به إلى آفاق عالية من خلال التوظيف الفائق لإمكانيات الكوميديا السوداء الكامنة فيه، فالصيغة التي يتحدث بها الراوية هالواي تجمع بين الحكمة والفكاهة والسخرية من النفس، وهي تخلو تمام الخلو من الأوهام، فلا يملك القارئ إلا الانطلاق معها وبها حتى الصفحة الأخيرة.

ولكن إلى جوار المزايا العديدة التي يتمتع بها هذا العمل، فإنه شأن أي عمل إبداعي أول لا يخلو من عيوب لا يستهان بها. وربما كان العيب الأبرز في هذا الصدد أن إيقاع الرواية الذي يتم التحكم فيه ببراعة فائقة عند استهلال العمل وفي منتصفه سرعان ما نجده يميل إلى التداعي قرابة نهاية الرواية.

ورسالة أديجا ليست بالجديدة ولا المراوغة، وقد كان هو نفسه الذي قال إن كتابه هو حكاية تحذيرية من خطورة استمرار استدامة النظام القديم في الهندي الذي يضحي بالكثيرين على مذبح نزوات القلة، ولكن الصيغة الساخرة الجذابة التي وضعت فيها أطروحات الراوية تجعل القارئ حريصاً على المتابعة حتى النهاية.

وليس من قبيل الصدفة أن تحظي رواية «النمر الأبيض» بإعجاب الكثيرين، فها هوذا محسن حميد مؤلف رواية الأصولي المتردد يبادر إلى الإعراب عن الإعجاب برواية أديجا قائلاً: النمر الأبيض رواية جذابة وغاضبة وساخرة وهي رحلة غير متوقعة إلى الهند الجديدة ومؤلفها موهبة ينبغي أن نتابع مسيرتها .

وبالحماس نفسه تكتب سمية بهاتا تشاريا في «الاندبندنت» اللندنية مشيرة إلى أن أديجا يسبر في هذه الرواية غور الهند القديمة والهند الجديدة علي السواء، مشيرة إلى أنه يملك شجاعة اقتحام موضوع معقد يفرض نفسه على الجميع بقوة. ويكتب آدم لا يفلي في صحيفة «صنداي تايمز» مشيراً إلى أن «النمر الأبيض» تأتي اليوم لتوقظ الهند والعالم بأجمعه على واقع مرعب ومروع يوشك على الانفجار، تماماً كما فعلت رواية ريتشارد رايت «ابن الساكن الأصلي» في أميركا في الأربعينات.

وتشير صحيفة «يو.إس.توداي» في عرض مطول للرواية إلى أنها «إحدى أقوى الروايات التي صدرت منذ عقود. وهي توقظ القارئ إلى حد الصدمة كأنها ركلة في الرأس تماما مثل (ابن الساكن الأصلي) لريتشارد رايت و(الرجل الخفي) لرالف إليسون».

وتقول نيكول كريشنا في مقال لها عن الرواية في مجلة «نيوستيتسمان» إنه قد يكون من الصواب وصف نبض الرواية بأنه نوع من الواقعية الاجتماعية حيث إن الهند تقدم تلك النوعية من التناقضات التي يزدهر بها هذا اللون من الكتابة. كما أن المؤلف أكثر براعة وحذقاً من أن يقع في وهدة الأوهام الرومانسية حول الفقراء في الهند.

ويلفت موقع «بارنز أند نوبل» الثقافي المتخصص نظرنا أيضاً إلى أن نجاح هذه الرواية دفع إلى بيعها وتداولها في ست عشرة دولة دفعة واحدة فور صدورها في ضوء الطابع الطموح والجريء للعمل الذي استقطب انتباه الكثيرين، ويدفعهم ـ منذ الآن ـ إلى انتظار روايته الثانية التي يعكف على انجازها حالياً.

وأخيراً، نتوقف عند تناول مجلة «نيويوركر» للرواية، حث تشيد بصفة خاصة بقالب الكوميديا السوداء الذي صيغت فيه وبتركيز الروائي على الهند الأخرى، التي يربطها بموضوعة الظلام، التي تعبر عن تلك المناطق الريفية في الهند، حيث تتنافس الكهرباء مع التعليم في الندرة.

وعلى الرغم من أن الروايات الأولى لا تحظى بحماس النقاد والقراء كثيراً، لتعدد العيوب الإبداعية فيها، إلا أن من الواضح أن «النمر الأبيض» تقدم استثناء من هذه القاعدة، بكل ما تحفل به من براعة في تقديم الصور ورسم الشخصيات وإتقان الحبكة، الأمر الذي يزيد من تطلع القراء بلهفة إلى رواية أديجا المقبلة.

الحقيقة عن بنغالور

ثلاث أمم فحسب لم تترك نفسها للأجانب ليحكموها، وهي الصين وأفغانستان وأثيوبيا، وهذه هي الأمم الثلاث الوحيدة التي أعجب بها. احتراماً لحب الحرية الذي يبديه الشعب الصيني وإيماناً بأن مستقبل العالم هو عند الرجل الأصفر والرجل البني، الآن وقد بدد من كان سيداً لنا في وقت من الأوقات ـ أي الرجل الأبيض ـ نفسه من خلال الفحشاء واستخدام الهاتف النقال وتعاطي المخدرات، فإنني أعرض أن أبلغك، بلا مقابل الحقيقة عن بنغالور.

مقطع من رواية «النمر الأبيض»

الكتاب: النمر الأبيض

تأليف: أرافندا أديجا

الناشر: تانتو ميديا نيويورك 2008

الصفحات : 336 صفحة

القطع: المتوسط

The White Tiger

Aravinda Adiga

Tanto Media,N.Y. 2008

P.336