يلج الكاتب الفلسطيني محمد السمهوري عبر صفحات مجموعته القصصية الجديدة «رقص بالتفاهم» إلى عوالم دفينة مغايرة ويختلط فيها العام بالخاص والوجودي بالواقعي والسياسي بالاجتماعي والوطني بالإنساني والفرح بالوجع في لوحة غنية تبهر العين وتدعو صاحبها إلى التحليق فوق تفاصيل الحياة اليومية بصورة دؤوبة وصولاً إلى التقاط صورة أشمل عن الواقع الإنساني المعيش مرة بين أزقة مخيم للاجئين الفلسطينيين وأخرى على قارعة المنافي البعيدة، منافٍ فرضت على شخوص هذه المجموعة ومناف صنعوها بأيديهم جراء ضبابية الرؤية وفقدان البوصلة.
على الرغم من أن هذه الضبابية لا تحجب الرؤية تماما حين يقول بطل إحدى القصص: مشهد لا أنساه أبداً في حياتي: من بولندا، إيطاليا، أميركا، بريطانيا، من كل مكان في العالم، بما في ذلك العالم العربي، تهطل علينا شخوص يقال انها أصحاب هذه الأرض وبناة الهيكل، على الرغم من أننا نسكن في مخيم هو عبارة عن هيكل غير مكتمل. هل من الممكن أن يبنوا هيكلهم في المخيم طالما أنه امتداد خطين أزرقين؟ لا خطوط الطول ولا خطوط العرض حمتنا. ماذا نفعل؟
يمكن اعتبار هذه المغادرة النسبية من عتمة المخيم وقسوة اللجوء الفلسطيني بمثابة ولوج إلى صلب نوع من الكتابة التي ربما تؤسس لتيار أدبي مغاير قدمت ملامح منه مجموعة «رقص بالتفاهم»، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
لكن الخروج من المخيم هو أمر نسبي بالنسبة للسمهوري، بما في ذلك الرجوع إلى موطنه في يافا بمعناها المكاني المجرد، وعلى الرغم من أن قصصه ال17 لم تتناول الشأن الفلسطيني بشتى تنوعاته الثقافية والاجتماعية، إلا أنه آثر التعريج على ظلال ألواح «الزينكو»، التي يعرفها جيداً ملايين الفلسطينيين، من خلال قصة «غرفة انتظار» التي اقتبسنا منها المقطع السابق. ويختتمها بمقولة تؤكد تشبثه بالقيم الكونية لمأساة الإنسان بالقول: إذا كبُرنا سنصل إلى نتيجة واحدة هي أن الشيب أبيض، وهو الشيء المشترك بين سكان كل القارات . عمد السمهوري، الذي استقى حرفة السرد من الثقافة المحكية للنساء اللاتي ينتمين لجيل ولادته التي عايشت زرقة المتوسط قُبيل التهجير، إلى اختلاس هوامش مليئة بالمآزق في حياتنا.
يتجلى في رقص بالتفاهم انشغال الكاتب بتقنية قصصية خاصة به، فهو يميل إلى الرتابة في التركيب اللغوي يقابله صخب في طرح الفكرة، ولم يتخلَ في عمله الأدبي عن جرأته وإصراره على تناول الأشياء كما هي، رغم خبرته التراكمية فيما يخص الرقابة التي لم تنل منه لتودعه في خندق الرقابة الذاتية. يجول السمهوري في موضوعاته بشغف وحميمية رغم قبح وقسوة ومرارة المطروح إلا أنه مازال مشدوها بفكرة الاكتشاف لكل ما هو إنساني، بارعاً في قنص الجزئيات المهمشة وخلق موضوعه منها.
الكتاب: رقص بالتفاهم
تأليف: محمد السمهوري
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت2008
الصفحات: 122 صفحة
القطع: المتوس
