الذاكرة والهوية الثقافية ظاهرتان لا تعرفان الهزيمة مهما ساءت الظروف والأحوال. في هذا السياق تندرج الحالة التي يتحدث عنها عمر خان مسعودي مدير المتحف الوطني في كابول الذي وجهت له دعوة استثنائية للمشاركة في فعاليات المهرجان العالمي للفنون الذي أقيم، مؤخرا، في مدينة ماستريخت الهولندية.

يعود الفضل إلي عمرخان مسعودي مدير المتحف الوطني في كابول في إنقاذ قطع أساسية من التراث الأفغاني من بين أيدي مقاتلي حركة طالبان، ودفاعه الغيور عن ضرورة توفير الحماية الدولية لهذا التراث الفني ترك أثرا عميقا بين أبرز نخبة من تجار القطع الأثرية وهواة جمعها في العالم، وفقا لما أوردته صحيفة « الباييس» الإسبانية. ما كان للتضاد أن يكون أكبر من ذلك. فلقد برز مسعودي، الذي بدا محتشما إلى درجة التواضع، وربما لهذين السببين معا، في لقاء سنوي مكرس لعرض وبيع القطع الأثرية الفريدة والجميلة في جو مترف وهادئ. ولقد طغت صفة الهدوء تحديدا على هذا اللقاء لأن العمل الذي قام به هذا المجاز في الجغرافيا والتاريخ والمدرس السابق ما كان من الممكن أن يكون مؤثرا أكثر مما شهدته أوساط المعرض الهولندي.

ويردد مسعودي، مدعوما بقائمة طويلة من التأريخات التي تركت بصماتها في المتحف، والسخط والمرارة يعتصران قلبه- يردد أن ثلاثة عقود من الصراعات هي أكثر من كافية حتى تتعرف الأجيال الجديدة على ماضيها. ذلك أن « الكثير من كبار السن اضطروا للهرب، بينما يجهل الشبان تاريخهم تقريبا ومن الضرورة بمكان حفظ هذا التاريخ لإعطائهم مستقبلا».

منذ التدخل السوفييتي عام 1979 والذي دام عشر سنوات وخلف مليوني قتيل ومن ثم سقوط الشيوعيين عام 1992 والحرب الأهلية اللاحقة ودخول حركة طالبان إلى كابول عام 1996 وسقوطها عام 2001، كل شيء كان خطيرا على المجموعة الفنية للمتحف الوطني. لا بل إن بعض الأضرار التي لحقت بتلك المجموعة لا يمكن تجاوزها على غرار عمليات تدمير الصور على يد مجموعة خاصة تابعة لنظام طالبان على اعتبار أنها كافرة، مثلما حصل للتماثيل البوذية الشهيرة في وادي باميان والمدرجة من قبل منظمة اليونيسكو ضمن قائمة التراث الانساني.

ويقول مسعودي: «كانت فترة سوداء. كنا خارجين من حروب داخلية كثيرة. وعلى الرغم من أننا وقفنا ضد انتهاك ممتلكاتنا، إلا أننا لم نتمكن من الحيلولة دون فقدان 2500 قطعة اثرية» . ومن دون ذكر المخاطر الواضحة التي تعرض لها مع عدة متعاونين، يبين مدير المتحف الأفغاني أنه تم إخفاء كنوز الكثير من المواقع الأثرية لسنوات طويلة ، ففي عام 1988» لم يكن أي شيء آمن في أفغانستان. وبحسب حكومة الرئيس نجيب الله التي كانت تحكم البلاد آنذاك، فلقد نقلنا أعمالا اساسية من التراث الأفغاني إلى مستودعين في وسط المدينة، ومن بين تلك الأعمال يبرز ما يسمى كنز باكتريا» .

المملكة القديمة المذكورة والواقعة بين جمهورتي أوزباكستان وطاجيكستان الحاليتين كانت تشكل جزءا من الامبراطورية الفارسية وغزاها الإسكندر الأكبر وتأثرت بالحضارات الإغريقية والصينية والفارسية والهندوسية. ويتذكر مدير المتحف تاريخ كنز باكتريا ويقول :« أبقينا سر المخبأ طي الكتمان طوال سنوات. وصمتنا حتى عندما قيل إن الكنز قد رحل إلى روسيا إثر الغزو السوفييتي.

ولم يعرف أحد عن وجوده إلا بعد مضي سنوات عندما أعلن عن ذلك الرئيس الحالي قرضاي عام 2004» . وحينها أعربت بلدان عدة عن رغبتها في عرض القطع الأثرية وكابول تحدثت مع متحف « جيميه» الباريسي، الذي ينقب عن الفنون الأفغانية ويعرضها منذ عقود خلت وتم الاتفاق على التنازل عن حوالي 250 قطعة فنية لعرضها في معرض جوال».

صيانة الهوية

أكد عمر خان مسعودي أن حوالي 70% من محتويات المتحف الأفغاني قد تعرضت للنهب والسلب، بعدما كان يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية في عام 1970، واعتبر أن « القيام بجردة يعتبر اليوم عملاً يستحق العناء ولا غنى عنه من أجل صون هويتنا».

باسل أبو حمدة