للخط العربي جمالية خاصة، يستطيع الإنسان أن يتذوقها بعيدا عن المعنى الحقيقي للعبارات، ويبقى عدد الخطاطين المحترفين، الذين استطاعوا تقديم تجربة مميزة قلائل على مستوى الوطن العربي، ومنهم الفنان الإماراتي محمد مندي الذي حصل أخيرا على إجازة في الخط العربي من تركيا، بعد أن كرس تجربته الفنية بين الناس، فهو من خط جواز سفر الإمارات والكويت والبحرين، وقطر، وعمان. كما كتب على عملات دولة الإمارات وسوريا وغيرها.
ويأتي الحديث عن تجربته وخصوصيتها، حقيقيا، لا يحتمل التفسيرات لأن مندي هو الأقدر على إيضاح علاقته مع الخط العربي، التي بدأت تطور بشكل بعد تخرجه من معهد الخط في القاهرة عام 1977. لتنتهي بحصوله على إجازة في الخط العربي، وخلال هذه السنوات استطاع مندي أن يترك بصمته الخاصة على الخط العربي، بكل ما يحمله من فن وجمال. حصل محمد مندي على إجازة في الخط العربي في خطي الثلث والنسخ من اسطنبول عن هذا قال: «درست عامين في اسطنبول، من أجل الحصول على إجازة في الخط العربي. وبدأت مسيرتي هناك بخط عبارة ربي يسر ولا تعسر ربي تمم بالخير، وبعدها أكتب كل الحروف الأبجدية، ومن ثم يتم تعليق كل حرفين مع بعض.
وعند الانتهاء من كل هذا، يأذن لي أستاذي بكتابة الحلية الشريفة، التي قالها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، التي تكتب تحت جزء من آية كريمة وهي(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). وعلى الجهات الأربع تكتب أسماء الصحابة رضي الله عنهم. واستخدمت في كتابة الحلية كما هو متعارف عليه «ورق آهر» وهو ورق مصنوع يدويا مائل إلى اللون الأصفر الخفيف، ليأتي من بعدها دور التذهيب الذي نفذته الفنانة التركية «أمل تركمن» مستخدمة ماء الذهب من أجل الحفاظ على اللون واستمرارية بريقه، أما التذهيب فهو عبارة عن زخارف إسلامية».
وبعد اجتياز المراحل تأتي مرحلة أخرى كما قال مندي: «وهي إجازة الحلية التي كانت من خلال أستاذي الشيخ الخطاط حسن جلبي، الذي أذن لي بالكتابة، بعد خط عباراته بسم الله الرحمن الرحيم الذي خلق اللوح والقلم، وعلم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على محمد سيد العرب والعجم، أما بعد فأجزت هذه لراقم هذه الحلية الشريفة محمد مندي، أن يكتب اسمه تحت خطوطه، وأنا معلمه الفقير حسن جلبي من تلاميذ حامد الآمدي، كما أجاز الحلية بعد أن كتبوا نفس العبارات التي كتبها جلبي، الخطاط محمد فؤاد من تلاميذ حامد الآمدي، والخطاط داوود بكداش من تلاميذ حسن جلبين، والخطاط فرهاد اليساري، من تلاميذ حسن جلبي».
ووضح مندي: «الآن باستطاعتي أن أجيز الخط، وهنا في المرسم الحر أعلم الطلاب طريقتين في الخط الطريقة الكلاسيكية، من بداية التعامل مع خامات الخط العربي، إلى قواعد الكتابة الصحيحة، إلى جانب تعليمهم اللوحات الحروفية». وعن المسؤولية التي شعر بها مندي بعد حصوله على الإجازة قال: «شعرت بأن مسؤوليتي ازدادت، فبعد الدراسة الكلاسيكية، يتحول الخط بالنسبة لي من حداثة ولون إلى الكلاسيكية التي تفرض على قواعد الكتابة الصحيحة، التي كنت قد درستها من قبل، عند حصولي على دبلوم الخط العربي من مصر، ومن ثم اشتغلت على بصمة مندي في مزج الخط العربي مع الرسم. أما الآن فأتابع معتمدا على وصايا أستاذي وهي (الدراسة، وحب الخط، والاستمرار والصبر) وأعلم تلاميذي هذه المبادئ».
الغرب يتذوق الخط العربي
لمندي مشاركات في معارض كثيرة آخرها مهرجان الفن الفرنسي، الذي أقيم أخيرا في دبي، أبوظبي. عن هذه المشاركة قال: (شاركت بسبع لوحات عربية منها الكلاسيك، والحروفيات، والكتابة الكلاسيكية). ولم تقتصر مشاركات مندي على الدول العربية إنما تعدتها إلى دول أوروبية مثل ألمانيا، فرنسا، ومن فترة قريبة اليابان: عن هذا أوضح محمد مندي: (تحمل مشاركتي هذه قيمة جمالية مختلفة، وأجد تقدير الخط العربي في غير الدول العربية، فالخط العربي يحمل رسالة للشعوب الأخرى غير الناطقة بالعربية، وشعرت بتفاعل الناس مع الخط العربي في الورش التي أقمتها في اليابان، مع أهم فنان خط هناك وهو «يوشو كوا» وكان هاجس من التحق بالورشة، أن يتعلم الكثير، وبناء على الصدى الذي لاقيته هناك، سأقيم معرضا في اليابان في ديسمبر القادم).
كما هو معلوم أن الخط العربي قد تطور في الدول غير العربية مثل تركيا، وإيران أكثر مما وصل في الدول العربية وعند سؤال مندي عن السبب بحسب رأيه قال: (أبدع غير العرب في الخط العربي بسبب إخلاصهم لعملهم، واعتبارهم الخط العربي بمثابة كنز حقيقي، فلهذا أبدعوا فيه، واستطاعوا أن يمنحوا الإجازة في الخط العربي، لمن يستحقها، بينما لم يتواجد هذا الشيء في الدول العربية، وأرجو مع الأيام أن يعود ازدهار الخط العربي إلى بلاده).
ورأى مندي (أن ما يساهم في انتشار قواعد الخط العربي، وتذوقه من قبل الناس، هو تدريسه في المدارس، مثل مادة الرسم أو الرياضة، إلى أن نصل إلى مرحلة تشيد فيها معاهد للخط العربي في الدولة، وفي الدول العربية التي لم تؤسس إلى الآن معاهد للخط العرب)
محمد مندي في سطور
* حاصل على إجازة في الخط العربي على يد الشيخ الخطاط حسن جلبي.
* دبلوم الأوائل الأول على مستوى مصر، في الخط العربي تتلمذ حينها على يد الخطاط الشهير سيد إبراهيم.
* يعمل في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث خطاط خبير.
* أقام العديد من المعارض الشخصية، وشارك في معارض جماعية بدءا من مهرجان دبي للتسوق 1999
* حصل على رسالة من جاك شيراك الرئيس الفرنسي السابق.
* خط عملة الإمارات ومملكة البحرين، من جميع الفئات، والعملة السورية من فئتي الألف والمئتي ليرة.
* خط جواز دولة الإمارات والبحرين، والكويت وقطر، وعمان.
* قام بتصميم المنتدى الإسلامي «بينسبرغ» ألمانيا.
إبداعات في ألمانيا
وقع الاختيار على الفنان محمد مندي ليخط عباراته على مبنى المنتدى الإسلامي في «بينسبرغ» في ألمانيا، عنها قال:
وضعت بالخط الديواني تصميما للمئذنة التي نفذت بالحديد، كما كتبت أسماء الله بذات الخط لسقف المسجد، والمحراب، بينما اعتمدت على خط الطغراء عند كتابة بسم الله الرحمن الرحيم، ولا إله إلا الله على أحد الجدران، وتقابله على الجدار الأخر عبارة ومحمد رسول الله، كما صممت شعار المنتدى الإسلامي معتمدا على الخط الكوفي الهندسي.
وعرض مندي 15 لوحة خط أهداها إلى المنتدى باعتبار أنها تحتوي على عدد كبير من الكتب المترجمة إلى اللغة الألمانية بجانب العديد من فصول الدارسين، فالمنتدى كما فسر مندي مفتوح لكل الأديان، ولهذا استقطب يوم افتتاحه أكثر من أربعة آلاف شخص.
عبير يونس


