هل يصح القول ان المسرح في الإمارات لايزال بعيدا عن الوصول إلى الجماهير العريضة بحيث يتسنى له التعاطي والتأثير والتأثر ويصبح كما هو المسرح في حقيقته، تلك المنصة التي يتجمهر أمامها المئات من الناس في مقابل ما يجري من أحداث تعكس حياتهم وتصرفاتهم وسلوكياتهم في صورها التراجيدية المأساوية وفي وجهها الآخر الضاحك الباكي؟
هل نمتلك الحق أن نقول إن أغلب شعوب العالم اعتبرته لغتها وفكرها ومكانها المعلن الذي تمارس فيه مشاهدة ذاتها وحياتها وتتيح لنفسها جزءا من الوقت لكي تعيد تأمل الواقع الذي هي فيه، واننا وحدنا هنا، وحتى الآن لم نشعر بتأثير ما يحاول مسرحيونا استفزازنا به من فن وأداء وأطروحات فكرية؟ هل يستطيع الذين كتبوا كثيرا وطويلا عن التجربة المسرحية في الإمارات نقدا جادا وآخر انطباعيا وكلاما كثيرا منوعا، متجاورا ومتقابلا مضادا ان يجزموا ان المسرح عندنا استطاع وعبر مسيرة طويلة من الزمن تكاد تصل إلى الخمسين عاما قد ترسخ تجربته وكونت حالتها الفنية والفكرية بدليل هذا الكم الكبير المنتج من المسرحيات كعروض وكنصوص أدبية، وبفضل إعداد المسرحيين، والتماع شخصيات بعضهم بين الناس وآراء ايجابية من مسرحيين أجانب وعرب سنحت لهم الفرص الكثيرة الاطلاع على التجربة المسرحية الإماراتية؟
الواقع يشي بأزمة صعبة، ومن الممكن لأي فرد في المجتمع أن يقول بالحرف الواحد «أنا لا أذهب إلى المسرح؟ أنا لا أعرف شيئا عن المسرح في الإمارات»، أو يقابلك رأي يقول لا أجد له تأثيراً ولا آبه به؟ وهذان الرأيان لم يذهبا إلى حد التطرف، وإنما يحملان صدقا كبيرا.. فالمسرح في الإمارات لم يصل إلى هذه اللحظة، أن يصبح حاجة عند الناس. فالمسرحيون ما زالوا يحلمون باليوم الذي يجدون فيه أبواب الصالات المسرحية مفتوحة على مصاريعها أمام جمهور يزدحم أمامها. فهذا الأمر لم يتحقق بعد.. لم يحدث أن مسرحية محلية استطاعت ان تخطف عقول الناس ومشاعرهم وبلغت في تأثيرها حد العشق والتدفق إليها بالآلاف والاحتفاء بها على جميع المستويات في المجتمع.
إن ما يفرزه الواقع يقول إن المسرح بعيد عن احتياج الناس، تظهر فيه بين الحين والآخر حالات نادرة من الومضات الإبداعية لكنها لا تعمر طويلا ولا تصل إلى أسماعهم وأحاديثهم إلا متأخرة.. إذ لا يتفاعل مع هذه المواهب إلا نفر قليل هم من أقرباء وأصدقاء المسرحيين أنفسهم وجمهور يأتي أو لا يأتي بالصدفة ولا يشكل ظاهرة.
في المقابل هذا يتصادم مع واقع مقابل في الحالة المسرحية الإماراتية من وجهة صانيعها، فالمسرحيون مجتهدون، تحقق أعمالهم جوائز عديدة، فقد استطاعت مسرحيات إماراتية ان تصل إلى صالات عرض في أماكن متفرقة من العالم.. ولها حضور قوي ومؤثر في المشهد المسرحي العربي، تلقى دعما رسميا متناميا واهتماما تحسد عليه، هناك إنتاج غزير للعروض المسرحية من قبل أكثر من 16 فرقة مسرحية تتوزع بين مدن وقرى الدولة..
فيما توجد بنية تحتية متكاملة حيث تتوزع عشرات المسارح في الدولة ومنها ما يضاهي اكبر القاعات المسرحية في العالم.. المدارس والجامعات والأندية في كل واحدة منها يوجد مسرح أو مسرحان وجميعها تتمتع بأحدث التقنيات. وتوجد هيئات ومراكز ودوائر ومؤسسات ترتكز بشكل كبير في أنشطتها على النشاط المسرحي.
بين التحقق على خشبة المسرح وبين اللا تحقق في التأثير الجماهيري، تبقى الأسئلة المتعلقة بالواقع المسرحي في الإمارات معلقة ومغلفة بالتكهنات المتضادة خصوصا حينما يبرز سؤال المستقبل. فالمسرح هوية، كما هو لغة تعبير ينتجها المجتمع عبر أفراد مبدعين، وهو حالة ثقافية ومنتج فكري يحمل أسئلته الوجودية المشروعة، وهو حالة فرجة تثير الفضول في أي مستوى من مستوياتها.
هذا العام قدمت اغلب الفرق المسرحية عروضا جديدة خلال مهرجان أيام الشارقة المسرحية في شهر مارس المنصرم، هذا المهرجان السنوي الذي خلق حالة من الالتقاء الموسمي للمسرحيين المحليين والعرب والأجانب، أغلبهم مسرحيون متخصصون، ممثلون، مخرجون، كتاب، ونقاد ودارسون. أعمال مسرحية متنوعة في مواضيعها وأساليبها، بين الواقعي والعبثي، بين الملهاة والمأساة. ومن بين عروض المهرجان تم اختيار ستة أعمال مسرحية رأتها لجنة الاختيار التي تشكل سنويا بدعوة من جمعية المسرحيين لاختيار عروض الصيف، إنها الأفضل والأقرب إلى الجمهور..
هذه العروض الستة طافت مسارح الدولة في 36 عرضا وسط جمهور ضئيل. وظاهرة تثير التساؤل أيضا، حيث حظيت هذه العروض بحضور جماهيري جيد في المدن البعيدة والقرى وبجمهور ضئيل في المدن الرئيسية ذات الكثافة السكانية الكبيرة..
هل يمكن إرجاع سبب جماهيرية التجربة المسرحية المحلية في الإمارات إلى واقع التركيبة السكانية، والفسيفساء التي يتكون منها مجتمع صار فريدا في خليطه ومزيجه الثقافي المتعدد؟ هل هو مسرح نسبة قليلة من السكان في واقع التعداد السكاني المتكون من جنسيات مختلفة. السواد الأعظم فيها غير ناطق بالعربية؟؟ فنسبة الإماراتيين في التركيبة السكانية ضئيلة في مقابل النسب الكبرى من الآسيويين والأجانب والعرب.. والمسرح المحلي مازال يقدم نفسه في خصوصيته وثقافته.
مسرح التركيبة السكانية
هل يحتاج واقع التركيبة إلى مسرح مغاير كي يحقق جماهيريته الطبيعية؟ مثل هذا السؤال يشي بالخطر، لأنه يقع في خانة المنطق الذي يقول ان المسرح، مسرح الناس والحياة، مسرح الرصيف والشارع مثلما هو مسرح الخفايا والدهاليز، فالشعوب التي أنتجت مسرحها صاغته من تفاصيل حياتها اليومية، لكننا هنا نعيش حياة انفصال وخليط كبير من الفئات والأوساط الجماهيرية.
كل وسط له منتجه من ردات الفعل والتفاعل، وخليط من اللهجات واللغات والثقافات والأيديولوجيات تلتقي جميعها في معسكر عمل، في ظل هذا الواقع يصبح من الضروري العودة إلى الأسئلة الأولى، هل بالإمكان الحكم على تجربة مسرحية، مثلما هو الحال عليه في الإمارات، نجاحها وإخفاقها، تحققها من عدمه في ظل اشتراط رئيسي في مبدأ الفرجة.. وجود المؤدي وجود المتلقي؟
مرعي الحليان

