مفهوم «المجتمع المدني» من أكثر المفاهيم التي تحظى باهتمام الباحثين والكتّاب والمفكرين، لكن لا يوجد اتفاق حولها. ووصل الأمر ببعض الكتّاب حدا إلى اعتباره مفهوماً يحيط به «الغموض» و«الضبابية» بل وإلى وصفه بأنه مفهوم «زئبقي».
نناقش هذه القضية مع الدكتور برهان غليون أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس وفيما يلي الحوار التالي نصه: هناك جدل فكري كبير حول مفهوم المجتمع المدني، برأيك لماذا كل هذه الفوضى حول تفسيره؟ببساطة لأن مفهوم المجتمع المدني مخلوق تاريخي، يظهر ويتطور ويغتني بالمعاني والمضامين ويتحول ويموت أيضاً. وهو لا ينفصل في استعماله عن السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية التي ترافق استخدامه من قبل هؤلاء وأولئك.
وهذا هو وضع جميع المفاهيم المرتبطة بالعلوم الاجتماعية بشكل خاص. وقد استخدم فلاسفة القرن التاسع عشر وعلى رأسهم هيغل مفهوم المجتمع المدني بمعنى مختلف عما استخدمه غرامشي في مطلع القرن العشرين، وعما سيستخدم به في أواخر القرن العشرين، ثم عن استخدامه اليوم في عصر العولمة. وما نعطي للمفهوم من معنى يرتبط بالحاجات الاجتماعية التي استدعت استحضاره في هذا المجتمع أو ذاك وفي هذا السياق أو ذاك، كما يرتبط بطبيعة الفاعل المجتمعي الذي يتداوله ويوظفه في بناء رؤيته أو تحديد غاياته.
لا ينبغي إذن أن نستغرب اختلاف الناس في تعريف المفهوم نفسه أو تحديد مضمونه، هذا تعبير عن حياتها وكثرة استدعاءاتها من قبل الفاعلين الاجتماعيين واختلاف مطالب هؤلاء ومصالحهم. باختصار، إن اختلاف التعريفات وأحيانا تضاربها هو انعكاس للنزاع حول استملاك المفهوم من قبل الفاعلين المختلفين، سواء أكان ذلك بسبب تنوع مشاربهم واختلاف منظومات قيمهم وثقافتهم، أو بسبب تباين المصالح والغايات، مما لا يخلو منه أي مجتمع إنساني.
برأيك هل يوجد فرق بين مكونات «المجتمع» عن مكونات «المجتمع المدني»، وما الفرق بينهما في هذه الحالة؟
أنا انتقدت بالفعل في بعض كتاباتي القديمة أولئك الذين يسعون، من خلال التركيز على الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، إلى إقصاء بعض التنظيمات الاجتماعية الفاعلة في الحياة المدنية وحرمانها من الشرعية بحجة أنها لا تحترم القيم والمبادئ الحديثة التي يستند إليها نشوء المجتمع المدني.
وكان هدفي أن لا يتحول هذا المصطلح إلى إحدى أدوات الصراع الأيديولوجي بين التحديثيين والتراثيين الإسلاميين. ينبغي وضع هذه التشكيلات، في وضعها الراهن، ضمن دائرة المجتمع المدني. لأنها ليست هي نفسها التي كانت في الماضي، وهي إعادة تشكيل للعشيرة والقبيلة والعائلة على أسس جديدة، ولغايات مختلفة عن السابق في نظام عمومي يسمح بنشوء مجتمع مدني مواز للدولة ومستقل نسبياً عنها. في الماضي العشيرة إما خارج السيطرة أو جزء من السلطة والدولة، لكن بما أنك تطرحين السؤال، أعتقد أن هناك حاجة للتفكير الجدي بهذا الموضوع.
لكنني أعتقد أن من الضروري التمييز بين هذه الروابط كما كانت قائمة في الماضي، وبين الدور الذي كانت تلعبه، وبين ما تمثله وما تقوم به من دور في مجتمعاتنا الراهنة. فهي لم تعد اليوم جزءاً من نظام مجتمعي عام، تحدد فيه وظائفه وبنياته، وإنما أصبحت تندرج في نظام مجتمعي أو نظام دولة حديثة عموماً، مما غير كثيراً من بنيتها وطبيعة عملها ووظائفها. بل يمكن القول إن ما نشهده الآن في هذا السياق هو إعادة تشكيل هذه الروابط وأنماط التنظيم الأهلي القديمة على ضوء الحداثة الزاحفة تكيفا أو رفضا.
وفي الحالتين فهي تلعب أدواراً لا علاقة لها بالأدوار القديمة التي كانت تلعبها في النظام الاجتماعي. ويقوم الفاعلون الاجتماعيون الحديثون، من نخب متنافسة حديثة وفئات اجتماعية وجماعات قومية أيضاً بتوظيفها لتأدية خدمات تدخل في نطاق الصراعات الاجتماعية والقومية والثقافية التي تميز نشوء الدولة الحديثة وترافق توطينها في البلدان الناشئة.
وعندما نقول إنها ليست استمراراً بسيطاً أو امتداداً للماضي في الزمن الحديث ولكن إعادة بناء وتشكيل، استفاد من هذا الفصل، النسبي هنا، بين مجال العام والخاص، وأصبح يشكل جزءاً من حقيقة مجال الخاص أو غير الرسمي في مجتمعاتنا. لقد أصبحت تعبر عن الشكل الانتقالي الذي اتخذه تشكل المجتمع المدني في إطار حداثة متعثرة، لا تزال هي نفسها في مرحلة انتقالية، بل في أزمة تخبط عميقة لأسباب ليس هنا مجال ذكرها.
كيف تنظر إلى الجدل القائم حول اشتراط وجود العلمانية للمجتمع المدني؟
بمعنى ما، نعم، العلمانية، أي التجرد عن العصبية الطائفية والقبلية، هي شرط لبناء مجتمعات مدنية سليمة وصحية، أي منسجمة مع الدولة الحديثة المواطنية ومتكاملة معها. هذا هو الوضع المثالي الذي ينبغي أن ننزع إليه ونتجه لإقامته. لكن ماذا نفعل إذا جاءت الوقائع التاريخية بمجتمعات مدنية مشوهة أو نصف مشوهة، نصف علمانية ونصف طائفية؟ هل نعدمها أم نسعى إلى إصلاحها والحد أكثر ما يمكن من أثارها السلبية؟
هل نغلق مثلاً الجمعيات الخيرية المرتبطة بالطوائف الدينية المسيحية والإسلامية، لأنها لا تقوم على رؤية مواطنية إنسانية، ونحرم الناس من فوائدها، أم نأخذ ذلك بالاعتبار ونشجعها على الانفتاح وتجاوز عصبياتها الضيقة، ونسعى في الوقت نفسه إلى ملء الفراغ ببناء جمعيات خيرية تخترق الطوائف والقبائل والعائلات، أو على الأقل نضع السلطات العمومية أمام مسؤولياتها لبناء المستشفيات الضرورية للسكان؟ ثم ألا ينبغي علينا أن نتساءل لماذا لم تنشأ جمعيات خيرية ولا منظمات سياسية قوية إلا على أسس القرابة الدينية أو الإثنية أو العائلية؟
يتعلق الأمر إذن بسيرورة تاريخية لا يصلح معها التهديد ولا الوعيد ولا الشجب، وإنما لا بد من كشف أولوياتها وفهمها وتحليلها حتى تمكن السيطرة عليها. لا نستطيع أن نلغي التاريخ وإنتاجه، لأسباب خارجة أحياناً عن إرادة كل واحد منا، لكن ما نستطيع وينبغي أن نفعله هو تفهم الأخطاء التي جعلتنا نغيب عن هذا التاريخ أو أضعفت قدرتنا على التدخل فيه والمساهمة في توجيهه الوجهة التي نريد، وبالمناسبة القيام بما هو ضروري كي لا يعيد إنتاج نفسه، أي كي لا نعيد نحن أيضاً الأخطاء التي سمحت بتعثر المسار السابق.
وإذا أردنا بالفعل أن ينسجم مسار التاريخ مع تطلعاتنا كمجتمعات، ينبغي علينا قبل أي شيء آخر أن نفكر في هذه التطلعات ونرى في ما إذا كانت هي نفسها متفقة مع المعطيات التاريخية، متسقة وقابلة للتحقيق، وأن نعد شروط تحقيقها ونمهد لها.
ولذلك أخشى أن تكون النتيجة في مثل هذه الحال هو تحويل العلمانية إلى غيتو تنعزل فيه نخبة مثقفة مثالية، وتعزل المثقفين في الوقت نفسه عن مهامهم التاريخية في قيادة مجتمعاتهم وإخراجها هي أيضاً من الغيتوات التي تصنعها لنفسها وتلتجئ إليها هرباً من العدوانيات الخارجية، الأجنبية والمحلية. ولا يمكنها أن تفعل ذلك إذا ربطت نفسها بهذه العدوانيات أو تبنت موقفا محايدا منها وبالأحرى إذا ساهمت فيها وصارت جزءاً منها.
روبرت بوتنام فتح جدلاً فكرياً منذ ربطه بين مفهوم رأس المال الاجتماعي وبين المجتمع المدني كيف تنظر لهذه العلاقة، ولماذا برأيك لا يوجد مثل هذا الجدل في المجتمعات العربية حول العلاقة بين المفهومين كما هي في المجتمعات غير العربية؟
لا أعتقد أن هناك تطابقاً بين المفهومين. المجتمع المدني يستثمر الرأسمال الاجتماعي لكنه لا يغيب فيه، حتى لو كان من الممكن على سبيل المجاز الحديث عن المجتمع المدني بوصفه رأسمالاً اجتماعياً كونه منتجاً هو نفسه أيضاً لمثل هذا الرأسمال. فعلى سبيل المثال، لا يمكن إقامة رابطة مدنية فاعلة، مهما كانت أهدافها، إذا انعدمت الثقة بين الأفراد. فالثقة هي رأسمال أساسي لبناء الجمعيات والشركات والأحزاب والتجمعات.
وربما كان رأسمال الثقة هذا هو أكثر ما ينقص مجتمعاتنا العربية بالفعل. لكن الرابطة بقدر نجاحها تولد مزيداً من الثقة الاجتماعية. إن نجاح الجمعية الخيرية ونجاح الشركة الاقتصادية المساهمة ونجاح الحزب أو التنظيم السياسي يخلق عند الأفراد المنتمين إليها شعوراً أقوى بالثقة بالآخر، كما يخلق نجاح هذه المؤسسات شعوراً أقوى بالثقة بالنفس، وبالقدرة على التقدم والإنجاز لدى المجتمع كله الذي تعمل فيه هذه المؤسسات.
بعد اتفاق أوسلو ظهر على الساحة الفلسطينية لأول مرة جدل فكري حول إمكانية وجود مجتمع مدني، ما رأيك بهذا الجدل؟
هذا مثال آخر على الأوضاع الاستثنائية أو الشاذة الحدية التي تحتاج إلى مرونة فكرية كبيرة لفهمها. هناك بالتأكيد مجتمع مدني فلسطيني لا يختلف عن المجتمع المدني في العالم العربي كثيراً، إلا أنه يعيش في ظروف مختلفة، هي ظروف الاحتلال. فمن جهة تظهر السلطة أقل قدرة من شقيقاتها العربيات على تقديم وسائل التقدم والاندراج في مسار الحداثة الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو العلمية.
ومن جهة ثانية أنتج هذا الاحتلال والصراعات الإقليمية المحيطة به حالة استثنائية جعلت المجتمع الفلسطيني مجتمعاً مدولاً بالمعنى الحقيقي للكلمة. فهو لا يعتمد في وجوده على المساعدات الاقتصادية الخارجية فحسب، ولكن سلطته العمومية أو الوطنية هي نفسها محصلة توازنات وتسويات إقليمية ودولية إلى حد كبير. وربما كان المجتمع المدني الفلسطيني هو المسرح الرئيسي والأول لتجسيد هذا التدويل. وهذا ينقلنا إلى وجه آخر لموضوع المجتمع المدني في العصر الراهن، هو وجه العولمة الذي يجعل المجتمعات المدنية تستقل بشكل أكبر عن الدول الوطنية، وتحظى بهامش أكبر، في إطار إعادة توزيع الموارد المادية والمعنوية التي تستفيد منها المجتمعات المدنية.
برأيك هل هناك إمكانية لوجود مجتمع مدني عالمي وما هو الفرق بين المجتمع المدني العالمي والعابر؟
نعم يمكن وجود مجتمع مدني عابر للدول من دون وجود دولة عالمية. وهذا هو الجديد في الواقع. وهو ما يعيدنا إلى الاستطراد على السؤال الأول المتعلق بتعريف العلمانية. فشرط الاستخدام السليم للمفهوم هو أن ننظر إليه كمفهوم تاريخي، متحول ومتطور، لا أن نحصره في الاستخدامات والمعاني السابقة ونشأته. فالواقع يتطور وهو أغنى من المفهوم دائما. ولا يستمر مفهوم في الحياة إلا بقدر ما يظهر قدرته على الانفتاح على حقائق الواقع الجديدة، والخروج بالتالي من جلده لملاقاة استخدامات ومعاني مختلفة عما سبق وعرفه من قبل.
الدور الايجابي
إن المنظمات الدولية غير الحكومية تقوم بدور كبير في تمويل المجتمع المدني الفلسطيني وإبقائه على قيد الحياة، إلا أن هذا الدور الايجابي يمكن أن يشكل أيضاً عامل إعاقة حاسم لنشوء دولة وطنية بالمعنى الحقيقي للكلمة. وخير دليل على ذلك الأزمة الوطنية العميقة التي تفجرت عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة وأدت إلى الفصل السياسي بين غزة والضفة الغربية على قاعدة القطيعة الحاصلة بين فتح المعولمة وحماس المؤهلنة.
المجتمع المدني
لعل أبسط تعريف ممكن للمجتمع المدني يكمن في نظري في اعتباره يشتمل (أي ينطبق أو ينبغي أن ينطبق على) كل الروابط والتنظيمات التي تتوسط العلاقة بين الفرد والدولة والتي تقوم على اختيارات طوعية، وتعمل على تعزيز الاتساق والتناغم بينهما، وداخل المجتمع الكلي، سواء أجاء ذلك عن طريق تحسين معادلة توازن السلطات (منظمات المجتمع المدني السياسية والقانونية والحقوقية)، أو حل مشكلات وتناقضات (طائفية، اجتماعية، سياسية)، أو ملء فراغ (خدمات عامة، مساعدات، تضامنات)، أو تحقيق مصالح (نقابية، مهنية، فئوية)، أو تنفيذ مهام (ثقافية، إعلامية، تواصلية) لا يستقيم نظام المجتمع من دونها.
ماهر إبراهيم ونادية أبو زاهر
