مسيرة العمل الصحافي في دبي لا تختلف كثيرا عن نظيراتها في عواصم ومدن العالم العربي الأخرى إن لم تكن تحاكيها من ناحية تحديد ملامح البدايات، التي تندرج تحت عنوانين رئيسيين مرتبطين بمرحلتين أساسيتين في تاريخ الصحافة العربية، الأولى تعود إلى عصر ما قبل صناعة الطباعة الحديثة والثانية إلى المرحلة التي تلت ذلك حيث انتشرت في المرحلة الأولى المعلقات والكتب المخطوطة باليد والرسوم الجلدية أو الورقية أو الجدارية، التي يمكن اعتبارها بواكير وسائل الإعلام العربية.

لكن الفارق الوحيد الذي تتميز به تجربة العمل الصحافي في دولة الإمارات عموما وإمارة دبي على وجه الخصوص يكمن في خصوصية تطور تجربتهما الاقتصادية، التي يشكل ظهور النفط علامة مفصلية فيهما وفي تاريخ المنطقة برمتها. الأمر الذي انعكس تلقائيا على سائر ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك الحياة الإعلامية، التي تلقت بدورها زخما كبيرا مكنها من وضع قدمها على بداية الطريق العصرية في ميدان العمل الصحافي. يقول بلال البدور، المدير التنفيذي لشؤون الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب، إن الفترة التي سبقت قيام الاتحاد لم تشهد صحافة حقيقية بكل ما للكلمة من معنى.

حتى ان بعض الأدباء والكتاب كانوا مضطرين لإرسال مقالاتهم للنشر في مطبوعات خارج البلاد، مثل مجلة البحرين وصوت البحرين ومجلات وصحف لبنانية، ويرى البدور أن تلك المرحلة هي المرحلة التأسيسية للكتابة الصحافية في إمارة دبي. كما يؤكد أنه «من الممكن تقسيم العمل الإعلامي في دبي إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل ظهور النفط ومرحلة ما بعد ظهور النفط، الأمر الذي انعكس بقوة على إمكانيات دولة الإمارات عموما وعلى العمل الصحافي على وجه الخصوص». تجلت المحاولات الصحافية الأولى في المجتمع الإماراتي في إصدار مجلات حائط ونشرات مكتوبة بخط اليد، على غرار نشرة «نخي» التي كانت توزع في مدينة العين، التي يقول البدور بصددها إنها «كانت أشبه بصحيفة إعلانية شاء صاحبها تنظيم دعاية لوجبة الحمص التي كان يبيعها».

ويمكن القول إن إرهاصات العمل الصحافي تتجلى في صحيفة عمان لإبراهيم المدفع، التي ظهرت عام 1930 وكان الناشر ينقل على صفحاتها الأخبار والمعلومات التي تنشرها المجلات والصحف، التي كانت تصل من خارج البلاد، أي أنه كان يعيد كتابة بعض الأخبار الواردة في تلك الصحف ويوزعها بشكل محدود بين أوساط المهتمين. ويضيف البدور: «ربما جاء تغيير الوضع الاقتصادي إثر ظهور النفط في ستيات القرن الماضي ليشكل الانطلاقة الحقيقية للعمل الصحافي في دبي والإمارات عموما». أما بداية التجربة الصحافية الحقيقية في دبي، فكانت في 16 يناير 1965 مع صدور العدد الأول من نشرة «أخبار دبي» وهي نشرة إخبارية ثقافية كانت تصدرها، في البداية، المكتبة العامة بدبي صباح كل سبت.

لكن هذه الصورة لم تبق ثابتة طوال سنوات عمر هذه المطبوعة الرائدة، التي امتدت حتى عام 1980 فلقد تأرجحت مواعيد صدورها بين الأسبوعي ونصف الشهري، كما تولت إدارتها عدة جهات أهمها مكتب الإعلام في بلدية دبي. أما عن هويتها، فيمكن قراءاته مما كتبه أمين صقر في افتتاحية العدد الأول التي جاء فيها: «الغرض من إصدار هذه النشرة هو الإسهام بقدر من الجهد المتواضع والإمكانيات المحدودة في نشر الثقافة وكل ما هو نافع لهذا البلد الطيب والسادة المواطنين».

صحيح أن «أخبار دبي» كانت تغطي، في المقام الأول، أخبار حاكم دبي وبلدية دبي، التي كانت تعمل كوزارة حكم محلي، وأهل دبي وتركز على القضايا المحلية والتنموية والتربوية والاجتماعية، مثلما كانت تواكب بحرارة المسيرة المظفرة لوحدة الإمارات وتشكيل الاتحاد، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى مجلة جامعة شاملة يعاد فيها نشر قصائد كثير من الشعراء العرب التي كانت تظهر في الصحف العربية إلى أن بدأ هؤلاء يرسلون أعمالهم بصورة مباشرة إلى «أخبار دبي».

وهذا يعني أنها كانت تهتم وإلى حد كبير بأخبار الوطن الأم ممثلا بالعالم العربي، فكانت تعكس على صفحاتها أكثر الملفات سخونة في المنطقة وتغطي جميع الأخبار المتعلقة بالقضايا العربية عموما وفي القلب منها القضية الفلسطينية وكانت تتوقف دائما عند المحطات الرئيسية في تاريخ العرب على غرار حرب أكتوبر 1973 وتتناول بالتفصيل مجريات الأحداث على جبهات القتال مع العدو الصهيوني وشاركت في تعبئة الشارع العربي بالدعوة إلى التبرع بالمال والدم، وكانت مناصرا قويا لقضية الوحدة العربية، حيث أبرزت في العدد رقم 17 من أخبار دبي، على سبيل المثال، صورة كبيرة للرؤساء الراحل حافظ الأسد والراحل أنور السادات والعقيد معمر القذافي لحظة الإعلان عن وحدة البلدان الثلاثة في بنغازي عام 1971.

لكن اهتمام المطبوعة الأول في دبي لم يقتصر على القضايا المحلية والعربية فحسب، بل إنه تعدى ذلك ليلامس الاهتمامات الإنسانية عموما، بحيث ليس مستغربا أن تحمل افتتاحية العدد رقم 23 من «أخبار دبي» الصادر في 19 يونيو 1972 عنوان «البيئة والإنسان». ولقد استمرت «أخبار دبي» بالصدور حتى عام 1980، عندما حلت محلها جريدة «البيان»، التي لا تزال تواصل، إلى جانب العديد من وسائل الإعلام الأخرى التي أصبحت منتشرة على نطاق واسع في دبي، رسالتها ومسيرتها الإعلاميتين حتى يومنا هذا.

معظم مثقفي دبي ساهموا في الكتابة في المطبوعات الأولى التي ظهرت في مطلع ستينات القرن الماضي عموما وفي «أخبار دبي» على وجه الخصوص، التي تولت رئاسة تحريرها أسماء كبيرة على غرار ربحي حلوم، عمر الديسي، مأمون عطية الذي عمل مخرجا فنيا فيها وكان في الوقت نفسه يقوم بمهام رئيس التحرير، والشيخ حشر آل مكتوم وكتب فيها، أيضا، كثيرون منهم: عبد الغفار حسين، بلال البدور،عبد الخلق عبد الله،أحمد أمين المدني، عبد الحميد أحمد، حميد الغيث، شعبان إسماعيل وعلي عبيد، الذي كان من أبرز كتاب دبي الشباب وكان لا يزال على مقاعد الدراسة وينشر موضوعين أو ثلاثة في العدد الواحد من «أخبار دبي» تحت مسميات مختلفة لضرورات تتعلق بأصول النشر.

وكانت صحافة دبي الأولى تنطلق من بعد تقدمي ومنظور حضاري في موقفها من المرأة، إذ يسجل لها أنها رحبت بكتابات المرأة ونشرت للكثير بالأسماء الصريحة، بينما كانت المرأة في بقاع أخرى من الوطن العربي مضطرة إلى الكتابة بأسماء مستعارة لأسباب اجتماعية في المقام الأول. كما كان للعديد من المثقفين والمثقفات والمدرسين العرب مساهمات بارزة على صفحات «أخبار دبي»، حيث يبرز اسم الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان. فضلا عن أن تلك الصفحات كانت تشهد في بعض الأحيان سجالات أدبية مفيدة ومؤثرة، وكان بطل أحد السجالات الأدبية الجميلة د.أحمد أمين المدني وحامد عاشور حول كتاب المدني «حصاد السنين».

»أخبار دبي» كانت تطبع في مطبعة دبي وكانت توزع على نطاق واسع مقارنة بعدد السكان، وكانت أعدادها تنفذ بالكامل من السوق، إلى درجة يصعب معها اليوم جمع نسختين أو ثلاث من عدد واحد، فضلا عن أنها كانت مبوبة على نحو جيد، في حين كانت أقسامها تشمل، بالإضافة إلى الشؤون المحلية طبعا، السياسة والاقتصاد والأدب والرياضة وأخبار المجتمع، كما أولت اهتماما خاصا بالدعاية والإعلان وخصصت لهما برنامجا قائما بحد ذاته يعكس المسار التنموي السريع للازدهار الاقتصادي- الاجتماعي في البلاد.

من المطبوعات المهمة الأخرى تبرز الجريدة الرسمية لحكومة دبي وهي تسجل أخبار الحكومة مثل المراسيم والقرارات التي يصدرها الحاكم وقرارات الشراء والبيع في دائرة الأراضي، وهناك مطبوعات الأندية المتخصصة مثل مجلة الأهلي التي ظهرت في السبعينات والنصر والزمالك ومجلة آفاق ثقافية، التي كانت تصدر عن مجلس دبي الثقافي، كما تبرز مجلة «ميد» الاقتصادية، التي أصدرتها والدة رئيس تحريرها الحالي سين بريرلي التي كانت مقيمة في الدولة.

الإعلام المكتوب

الإعلام أو الصحافة المكتوبة أو الجريدة كما يحلو للبعض تسميتها هي عبارة عن حزمة من الورق المطبوع، الذي يصل إلينا مع بزوغ شمس كل صباح إلى الشارع أو البيت ويظهر أمام أعيننا شريط مجريات الأحداث في العالم الذي يحيط بنا في اللحظة التي نتحرك فيه نحن أيضا دون دراية منا أحيانا.

بدايات التأسيس

الصحافة العربية الحقيقية استهلت مسيرتها مع حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798 عندما صدرت في القاهرة صحيفتان باللغة الفرنسية ومن ثم أصدر محمد علي باشا في عام 1828 صحيفة رسمية اسمها جريدة الوقائع المصرية، التي شكلت بداية مرحلة تاريخية بارزة في العمل الصحافي في العالم العربي، إذ تبعها صدور العديد من الصحف والمجلات الأدبية والفنية والثقافية سواء في القاهرة أم في بقية مدن وعواصم البلدان العربية الأخرى.

تطور وتوسع

المشهد الإعلامي الحالي في إمارة دبي، فلقد تطور واتسع كما ونوعا على نطاق واسع منقطع النظير، بعد أصبح يضم من اليوميات أربع هي «البيان»، «الإمارات اليوم»، «24/7» و«غولف نيوز»، ومن المجلات الكثيرة نذكر بعضها على سبيل المثال وليس الحصر، «الصدى»، «دبي الثقافية» «تايمز آوت»، «واتس أون»، «العالم»، حروف عربية»، «جواهر» «تحت العشرين»، «أرابيان تايمز» و«طيران الإمارات»، فضلا عن انتشار كثيف لوسائل الإعلام الأخرى لا سيما المرئية والمسموعة منها.

ثمرة المطبعة

أن أقدم وسيلة إعلامية هي الصحيفة، التي جاءت ثمرة لاختراع المطبعة ذات الحروف المتحركة على يد يوهان غوتمبيرغ في عام 1838، فلقد أحدثت هذه الواقعة العلمية ثورة حقيقية في دنيا الاتصالات حول العالم. والصحيفة المطبوعة الأولى في تاريخ الإنسان هي «ويكلي نيوز أوف لندن»، التي كانت أول جريدة إنجليزية صادرة عام 1622.

مقاربة الأحداث

إذا أردنا إلقاء نظرة على تعريف الإعلام أو الصحافة المكتوبة، فيمكن القول إنه نظام مفتوح على الاتصال الإنساني بوسائل تكنولوجية متطورة يعالج مجريات أحداث وأفكار ومشاعر تتحدر من مصدر واحد أو عدة مصادر بغية نقلها إلى وجهة معينة بواسطة قناة تسمى الجريدة. لكن وظيفة هذه المطبوعة ليست إخبارية فحسب، ذلك أنها تقارب وتقارن الأحداث بعضها بعضا وتبرهن وتستنتج وتطرح حلولا وبالتالي فإنها تؤثر على جمهور قارئ، الأمر الذي يطلق عليه التوجيه الثقافي والأيديولوجي.

أما الصحيفة فإنها مؤسسة ذات طابع عام تبحث عن الخبر وتجمعه وتحللحه وتنقله. إنها إصدار يومي مكون من عدد متنوع من الصفحات يأخذ فيه بعين الاعتبار آنية المعلومات في جميع وجوهها وعلى المستوى المحلي والوطني والدولي أو أي إصدار آخر يطبع بصورة دورية، سواء كان ذلك أسبوعيا أم شهريا أم فصليا.

وسيلة للتواصل

ولدت وسائل الإعلام مع اكتشاف أميركا تقريبا وهي حاضرة في يومنا هذا بقوة في سائر أنحاء العالم تقريبا مجسدة على صفحاتها تاريخ الإنسانية على مدار الساعة ومشكلة جسرا للتواصل بين الناس إلى درجة أنها أصبحت اليوم وسيلة التواصل الاجتماعية الأكثر شعبية حول العالم.

باسل أبو حمدة