يتناول كتاب «الصحافة والإصلاح السياسي في مصر» الدور المنشود والمنوط بالصحافة لتدعيم التحول الديمقراطي في مصر، وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسية: أولها، طبيعة البيئة السياسية الراهنة في مصر والدور الذي يمكن أن تقوم به الصحافة.

وثانيها، واقع الصحافة المصرية، ومدى جاهزيتها للقيام بهذا الدور، وذلك في ضوء التطور الملموس الذي شهدته الصحافة في الفترة الأخيرة. وثالثها، علاقة الصحافة بالديمقراطية، وكيفية تدعيم دور الصحافة المصرية لعملية التحول الديمقراطي.ويركز الكتاب على مشكلتين رئيسيتين أحاطتا بالصحافة المصرية منذ نشأتها في فترة الحملة الفرنسية في الفترة (1800 ـ 1803)، ثم بصدور جريدة الوقائع المصرية عام 1828 في عهد والي مصر محمد علي (1805 ـ 1842).

ثم تعمق طرح تلك الإشكالية مع قيام ثورة يوليو عام 1952 وطوال عقدي الخمسينات والستينات، واعتبار تلك القضية الشائكة أحد أهم الأسباب وراء تدهور الصحافة المصرية وخروجها من حلبة المنافسة المهنية. المشكلة الأولى: علاقة الصحافة بالسياسة وتأثير النظام السياسي القائم على مجمل الأوضاع الصحافية، وكيف يمكن أن يؤثر وجود نظام ديمقراطي على الصحافة في ظل رؤية مقارنة بين أوضاع الصحافة في النظم الديمقراطية ومصر.

والثانية: تتعلق بالأوضاع المهنية داخل الصحافة المصرية والتي يصعب فصلها عن مجمل الأوضاع السياسية العامة، خاصة تلك المتعلقة بالقواعد والمفاهيم المهنية التي استقرت في ربع القرن الأخير في أكثر من مؤسسة صحافية، وصارت من معوقات بناء صحافة مصرية عصرية قادرة على المنافسة.

لقد مثل الخلط بين الدفاع عن ثوابت النظام، والدفاع عن شخوص النظام، حالة من الخلل في أحوال الصحافة القومية المصرية. ففي ظل النظم الديمقراطية يجري الفصل بين المؤسسات العامة والسلطة التنفيذية، وفي مصر تتحكم تلك الأخيرة في حركة المؤسسات العامة، ومن بينها الصحف، وتهيمن عليها.

يتناول الكتاب البدايات الأولى للصحافة ومدى خضوعها لسلطة الدولة في مصر، ثم تطور الجرائد الخاصة، ثم تلك الحزبية وذلك في إطار مدى زمني يمتد إلى حوالي قرنين، تراوحت فيهما مساحة الحرية الممنوحة للصحافة ما بين الاتساع والانحسار، وهو ما لم يحدث بسبب اختفاء القيود، بل ربما كان بسبب رغبات ذاتية للحكام، أو تغييرات طارئة في الظروف السياسية، أو ربما بسبب اختلاف طبيعة القيود في أحيان أخرى.

وعموماً فقد سارت الأوضاع القانونية للصحافة المصرية في عدة مسارات. المسار الدستوري الذي يجسد القيم والمبادئ العامة في عبارات واضحة، وغامضة، وفضفاضة في نفس الوقت. والمسار القانوني الجنائي الذي أثقل كاهل الصحافة بتبعات ضخمة جعلت دورها، في أغلب الأحيان، عملاً يقع تحت طائلة الاتهام والتجريم.

والمسار التشريعي الخاص بالصحافة والمطبوعات والنشر والذي زاد على أثقال الاتهام في القانون الجنائي العام وأضاف إليه مجموعة من قيود التراخيص والموافقات وغيرها من قيود الإدارة والتمويل والتصريح. ثم المسار القضائي بشقيه الجنائي باعتبار الصحافي في قفص الاتهام، والإداري الذي سعت فيه الصحافة لتخفيف التعسف الإداري نحوها.

وفي حديثه عن دور الصحافة القومية والإصلاح السياسي يعود الكتاب لمناقشة قضية علاقة الصحافة بالسلطة السياسية العامة، والحاكم بصفة خاصة، حيث يتطلع الحكام، على اختلاف طبيعة حكمهم وتوجهاتهم، إلى السيطرة على ذلك السلاح السحري التأثير والتحكم به وتوجيهه لخدمة أغراضهم، وذلك بمجموعة من القيود، مثل: الجمع بين ملكية الصحف وإدارتها. والحق في منح التصاريح القانونية ومنعها.

ثم يتناول الكتاب موضوع الصحافة الحزبية وعملية الإصلاح السياسي وذلك من خلال استعراض نشأة وتطور الصحافة الحزبية في مصر في فترات ما قبل دستور 1923، وما بعده، وفترة ما بعد ثورة يوليو 1952. ثم يقدم قراءة تحليلية لخريطة الصحافة الحزبية المصرية من خلال استعراضه لأهم الصحف الحزبية والتي تصدر عن بعض الأحزاب ذات الوجود النسبي في الشارع المصري وهي الصحف التابعة لحزب الوفد والعمل والأحرار والتجمع والناصري، وهي على التوالي جرائد الوفد، والشعب، والأحرار، والأهالي، والعربي.

ويستعرض الكتاب أزمة الصحافة الحزبية من خلال تناوله لبعض المشكلات ذات الإطار القانوني والعلاقة مع السلطة، وبعض المشكلات النابعة من طبيعة الصحافة الحزبية ذاتها وهي مشكلات سياسية حزبية، ومشكلات مهنية، ومشكلات مادية. كما يقدم مقترحات لعلاج تلك الأزمات بالحديث عن علاجات للمشكلات الذاتية للصحف الحزبية، وضرورة إصلاح الحياة السياسية باعتبارها الإطار العام أو المناخ الذي تعمل فيه الصحافة الحزبية، بما يجعلها عنصراً فاعلاً في مشروع سياسي حقيقي جاد للتحول الديمقراطي، وذلك من خلال ثلاثة مستويات: الإطار القانوني والدستوري، الإطار المؤسسي، مستوى نشر القيم الديمقراطية وفتح أبواب التحول الديمقراطي.

كما يشير الكتاب إلى الصحافة الخاصة والتي لعبت، وعلى الرغم من مشكلاتها المالية والإدارية، دوراً كبيراً في تقديم أشكال تحريرية وإخراجية جديدة حركت ركود الساحة الصحافية المصرية، وأوجدت أشكالا بديلة بعيدا عن احتكار الدولة والأحزاب المعارضة للصحافة المطبوعة. وكان لها دور مهم في توسيع المجال العام من خلال متابعة الأحداث السياسية وتقديم أخبار ومعلومات ذات مصداقية عالية لدى القارئ. كما فتحت تلك الصحف أبوابها للتيارات والمدارس الفكرية والسياسية المتنوعة للتعبير عن مواقفهم من عملية الإصلاح السياسي.

الصحافة الحرة

الصحافة الحرة لا تمارس عملها إلا في مجتمع حر ديمقراطي يتمتع مواطنوه بالحريات العامة. وللصحافة أدوارها المتعددة وبالغة الخطورة في هموم المجتمع وقضاياه وتحدياته الداخلية ومعاركه الخارجية في السياق الإقليمي والعمق الجغرافي. وبالتالي فإن الصحافة جزء أصيل من دعوات الإصلاح السياسي وليست مجرد انعكاس لتجلياته وتداعياته وتطوراته.

المؤلفون في سطور

مجموعة من الخبراء والباحثين بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، وجامعة عين شمس بالقاهرة. لهم إسهامات متعددة في شأن التحولات الديمقراطية في مصر والوطن العربي. ومن أهم أعمالهم: التحول الديمقراطي في دول المغرب العربي، والبحرين من الإمارة إلى المملكة، انتخابات مجلس الشورى الإسلامي السابع في إيران، إسلاميون وديمقراطيون، الأحزاب السياسية في مصر، وإدارة الصحافة المصرية، وأزمة المشاركة من خلال الأحزاب السياسية المصرية، أزمة النقابات المهنية، والخليج والمسألة العراقية، ومستقبل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، واستراتيجيات إقامة الدولة الفلسطينية.

محمد جمعة

الكتاب: الصحافة والإصلاح السياسي في مصر

تأليف : مجموعة مؤلفين

الناشر: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية - القاهرة 2008

الصفحات: 265 صفحة

القطع : الكبير