ما من أحد يزور دمشق، إلاّ وكان سوق الحميدية على قائمة الأماكن السياحية التي يبدأ بها ، فهو واحد من أهم الأسواق الدمشقية الأثرية في بلاد الشام، يمتاز بجمالياته المعمارية وروعة الفنون المحفورة على جدرانه.
وما من عروس إلاّ واصطحبتها أسرتها مع الجيران والصديقات لشراء لوازمها من سوق الحميدية الذي يشتهر بأروع أنواع الأقمشة الحريرية الراقية التي تحاكي في كثير من الأحيان ألوان قوس قزح، فضلاً عن الأقمشة القطنية (المخمل) الدمشقي الشهير المطرز يدوياً، والمفارش السورية التي تتخللها خيوط من الذهب والفضة التي تداعب عيون كل عروس. وأثناء التجوال في سوق الحميدية يقع في سمع الزوار أصوات الباعة المتجولين ينادون على بضائعهم بأنغام جميلة ولهجة سورية رائعة، وبدهاء الباعة الدمشقيين، لابد وأن يشتري «الزبون» أشياء وأشياء لا تقاوم في نضارتها وجمالها؛ ولا يسلم الباعة من مساومات السيدات اللاتي لهن باع طويل في عملية الشراء والتردد الدائم على السوق، ولكن منطق الكسب هو الأقوى دائماً.
للسوق طرائف كثيرة، فمن غير المستحب أن تسير السيدات بمفردهن داخل أروقته، وإنما كان يسبقهن ويتبعهن رجال من الأسرة كالإخوة والأقارب، وما زال هذا المشهد موجوداً نسبياً، ولكن واضح في الأعمال الفنية السورية الرائعة. لا أنسى عندما سافر والدي إلى دمشق في مهمة عمل، وبعد عودته حكى لنا الكثير عن سوق الحميدية، ولكن بالنسبة لنا كصغار كان الأهم تلك العلبة المربعة والمقلمة بالأزرق والأبيض. وفي داخلها قطع صغيرة من البقلاوة والكنافة والمعمول والنمورة «البسبوسة»، التقينا حولها مع أكواب الشاي بالنعناع، نستمع لوالدي عن رحلته الدمشقية، ولكن رحلتنا مع قطع الحلوى كانت «أحلى». ولا أعلم لماذا قفزت في ذاكرتي أغنية «عبدالمطلب» الشهيرة «يا رايحين الغورية.. هاتو للحبيب هدية»، ومن يومها أبحث عن أحد يجلب لي هدية «حلوى» من سوق الحميدية.
كتب التاريخ: وتعكس كتب التاريخ وسجلات الآثار أن سوق الحميدية قد بني بديلاً لسوق الروم فوق الخندق الجنوبي بقلعة دمشق من الغرب إلى الشرق بين باب النصر إلى باب البربر، ويثبت إنه قد تم بناؤه على مرحلتين، المرحلة الأولى من البناء تمت في عصر محمد باشا ؟، وعهد السلطان عبدالحميد الأول، وذلك في العام 1780م، وعُرف وقتذاك باسم السوق الجديد. وفي العام 1884 كانت المرحلة الثانية، حيث تم تجديد السوق الممتد بين باب الجامع الأموي إلى الدرويشية، وكان وقتذاك سعف من الخشب المزخرف، وإنما بُدّل بسعف مصنع من الحديد ذو ثقوب بطريقة فنية تتسلل أشعة الشمس منها لتداعب زوار المكان، ولحماية السوق من أي حرائق.
أصل التسمية
وتأتي تسمية السوق «بالحميدية» نسبة للسلطانين عبدالحميد الأول وعبدالحميد الثاني. وسوق الحميدية هو سوق مركزي، تحيط به أسواق أخرى مثل سوق الخريفة وزقاق المارستان والسليمانية وهي تحيطه من الغرب إلى الشرق. أما من الشمال يوجد سوق العصرونية والنصرى وحردم بك وسوق وكالة العشار وسوق المسكية، نسبة لصناعة المسك وبعض أنواع العطور.
وفي نهاية سوق الحميدية يقع الجامع الأموي الذي يعتبر من أبرز وأجمل معالم دمشق القديمة الذي أنشأه الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك في العام 617 وهو العصر الذهبي لدمشق حين كانت عاصمة للدولة العربية الإسلامية وقتذاك. أما قصر العظم الذي يعتبر نموذجاً للبيت الدمشقي يجئ إلى جنوب الجامع الأموي، وقد بني هذا القصر منتصف القرن الثامن عشر كمقر لوالي دمشق وقتذاك.
والقصر تحفة معمارية فنية شامية، تكثر فيه النوافير وأحجار الفسيفساء والرخام المرمر، وقد تحول القصر بعد ترميمه في الخمسينيات من القرن الماضي إلى متحف رائع للتقاليد الشعبية والمهن اليدوية الراقية.
في رمضان: يتحول سوق الحميدية في شهر رمضان إلى تظاهرة رائعة فكل محلات «الياميش» المكسرات تخرج بضائعها أمام المحلات، ولفائف قمر الدين، ومحلات الكنافة والقطائف وراحة الحلقوم، يتحول السوق إلى مهرجان يعكس جماليات شهر الشهور، يزداد تألقه بعد الإفطار حيث تتحول المحلات إلى مقاه «تقليدية» تقدم فيها السحلب والقرفة بالمكسرات والبوظة الدمشقية الشهيرة التي لا يعرف أسرار صنعها سوى الدمشقيين.
ومن أشهر محلات سوق الحميدية ـ العريق لبيع البوظة الدمشقية والتي يسميها السوريون «الأقماع» محل «بكراسن» وكان يتردد عليه القوم، المحل كان مخصصاً للسيدات حيث يدخلن إليه بخمارهن، لتناول البوظة الدمشقية التي لها مسميات عدة منها «دندورما» وهي رائعة المذاق ناعمة الملمس، وورد اسم «الدندورما» الشهيرة في الأغاني المصرية التراثية منها «ذوق الدندورما من إيدين عم توفيق» تتميز موسيقى الأغنية بالمرح.
وفي الخلفية يصفق الأطفال «لعم توفيق بائع الدندورما» وما زال حتى اليوم في المنطقة «باب النصر» بالقاهرة محلاً شهيراً يصنع الدندورما السورية على أيدي سوريين وكانت تلف بأوراق «سولوفان» أبيض مزركش وينثر عليها الفستق المجروش. وارتبطت بأيام الامتحانات الجامعية، حيث كانت خير مذاق وأفضل مهدئ طبيعي للتوتر وقتذاك.
ولا تقل صناعة البوظة الدمشقية عراقة عن كل الفنون التراثية الجميلة الشاهدة على زمن لم يعرف سوى كل ما هو رائع وأصيل، ويستحق منا أن يشكل الجزء الأكبر في ساحة ذكرياتنا، التي نجترها، وكأنها مخزون يرطب زمن تنضب فيه الذكريات، ويتوارى الجمال في مكان ليس بالبعيد حتى يقفز مرة أخرى ويحتل مساحة أثيرة في النفوس.
ويتوج سوق الحميدية وغيره من الأماكن السورية الرائعة بأحداث كثيرة في الدراما السورية التي مازالت تقدم بنجاح، وتعكس مفرداته وحكاياته، فنحن نحتاجه بحق لأنه إنساني وصادق ويدخل القلب بلا استئذان، بعيداً عن معارك الفرسان وصخب السيوف وغبار الصحارى.
بضائع الحوانيت المعلقة
لا تغيب محلات بيع التحف الفضية والنحاسية والمصوغات الشرقية عن «حوانيت» سوق الحميدية، وكلمة «الحوانيت» تعكس دلالة المحلات الصغيرة المكتظة بالبضائع الفاخرة، ولا توجد مساحة مكانية فيما بينها، فهي عناق جميل يجذب زوار السوق.
والطريف في هذه «الحوانيت» أن العديد من بضائعها معلق في سقف المحل وكأنه يداعب الزوار في نداء خفي بان في الأعلى أشياء لم تكتشف بعد، وغالباً ما تكون مؤلفة من اكسسوارات المنزل، كالفوانيس التي تعلق في الردهات، أو كالتحف النحاسية التي تداعب ضوء «اباجورة» فوق منضدة في ركن هادئ في المنزل، وغيرها الكثير.
بائع العرقسوس
بائع العرقسوس واحد من معالم سوق الحميدية لا يستطيع أي زائر للسوق أن يتجنب كرمه، فهو شخصية يرتدي قفطاناً دمشقياً مزركشاً بخيوط ملونة تظهر من وراء «المريلة» ناصعة البياض، ولغة التخاطب والتواصل بينه وبين زوار السوق هي «بقرقعة» الأطباق النحاسية لجذب الانتباه إليه، وإلى عصائره ومرطباته العذبة خصوصاً في فصل الصيف، بأكواب ملتفة حول خاصرته.
معظم بائعي العرقسوس هم من الأجيال القديمة، لهم لحية بيضاء تزيدهم وقاراً، يلتف حولهم الصغار لالتقاط الصور التذكارية. بائع العرقسوس يستدرج زبائنه بلطفه وكرمه حيث يقدم لهم أكواباً مجانية عبارة عن هدية منه، بعد ذلك تكثر الأقداح ويكبر الحساب لأن طعم عصير العرقسوس في الصيف لا يمكن مقاومته أو رده.
منى مدكور



