أعجبت كثيراً بالشاعر الراحل إبراهيم العريض، الذي اعتبره رائداً للشعر في البحرين. لم يلد أهم شاعر في البحرين في بلاده، بل في بومبي عام 1908، ورحل ودفن في البحرين عام 2002. لم يتكلم لغته الأم ولم يتعلمها حتى تخرجه في الثانوية العامة.

حياة مملوءة بالمواقف الغريبة، التي اعتقد أنها صقلت موهبته، وعمقت تجربته، ومنحته التميز. لأن والده تاجر لؤلؤ، ولد في بومبي، ولحكمة من الله ماتت والدته بحمى النفاس، وهو رضيع لم يكمل شهره الأول، عطفت عليه صديقة أمه من الجنسية الهندية واحتضنته بأمومة، ثم أصبحت سيدة هندية أخرى مسؤولة عن تربيته، وعاش في الهند، وتعلم بها، وأحبها وأتقن لغتها.

تميز في فن الرسم على كل زملائه، على مستوى شبه القارة الهندية كان شغوفاً بالقراءة، والرياضيات معاً. إبراهيم العريض من أب بحريني، وأم من كربلاء، كل هذا الخليط العجيب، يجتمع عند هذا الإنسان الذي زاده اليتم، غربة عن وطنه وأهله وذويه، وجهل في لغته الأم التي لم يتعرف عليها إلا بعد أن بلغ الرابعة عشرة، وزار البحرين لأول مرة في حياته وبدأ يعيش معاناة جديدة تفاقمت عليه حينما عاد عام 1926 إلى بلاده ليعيش فيها، وهو لا يعرف لغة أهله وعشيرته، ولا يتكلمها.

ميزة أخرى لإبراهيم العريض في قراره التاريخي، بتعلم اللغة العربية وإتقانها، وفعل ذلك وأصبح تلميذاً لدى السيد عبد المحسن التاجر الذي استطاع أن يعلمه اللغة العربية بإجادة كاملة، استطاع العريض أن يتحول بها إلى شاعر متميز، ويحتل الصدارة والريادة بين شعراء البحرين.

إن وعي العريض دفعه إلى اكتشاف حاجة البحرين إلى تعليم نظامي بأساليب حديثة، ولم يتأخر في قراره، إنما سارع في تأسيس مدرسته، ولم يكن سهلاً يومها لنجاح مثل هذا المشروع أمام محدودية الدعم المادي وغياب المدرسين، وتفشي الأمية، وترسيخ مفهوم الكتاتيب الدينية في مجتمعات قبلية مغلقة.

ولعل من تميز العريض أيضا دوره في المسرح البحريني، وتربية جيل من الفنانين الذين ساعدوا على تطوير المسرح بدءاً من المسرح المدرسي الذي ساعد العريض على ظهوره في مدرسته التي تبنت كل الوسائل التعليمية الحديثة بما في ذلك المسرح والفنون الأخرى، بل أن العريض كتب العديد من المسرحيات الشعرية ومثلها طلابه.

آمن العريض بحرية المرأة، وضرورة خروجها من قوقعتها إلى الحياة العامة، واستطاع أن يغير النظرة الدونية للمرأة إلى نظرة حضارية إنسانية. ذكرت إبراهيم العريض اليوم وأنا المعجب بشخصيته وبآرائه وسيرته وإنجازاته وشعره، وأجد فيه علماً من أعلامنا الذين نفخر بهم، ويذكرهم التاريخ بإجلال واحترام، أجد ضرورة العودة دائماً لنذكرهم، ولنراجع مدوناتهم ونكتشف جديدها الذي لا ينتهي ولا بد من مشروع حضاري ثقافي يعيد لهؤلاء الرواد الإعلام بعض ما قدموه للأجيال ولأوطانهم دون التفكير بالمردود المادي.

abdulelah_q@hotmail.com