أظهرت الوقائع أن المنظومة الغذائية الأميركية تعاني الكثير من نقاط الضعف وعدم الكفاءة، ويحاول بول روبرتس في كتابه «نهاية الغذاء» معالجة قضية أزمة الغذاء الناشبة في العالم. ويشرح المؤلف نقاط الضعف الكبيرة الكامنة في آلية عمل الاقتصاد الغذائي العالمي. كما يبيّن مواطن الخلل الكبرى في النموذج السائد على الصعيد الصناعي للإنتاج الغذائي، وذلك على مدى ثلاثة أقسام رئيسية يتألف منها الكتاب مع مقدمة وخاتمة.
يقول بول روبرتس في المقدمة انه بعد عقود من الحديث «الرنّان» عن أن المنظومة الغذائية الأميركية هي الأفضل عبر سلسلة دقيقة للإنتاج والتوزيع وتوفير ملايين الأطنان من الأطعمة لعدة مئات الملايين من المستهلكين، أظهرت وقائع عديدة أن هذه المنظومة تعاني من العديد من نقاط الضعف ومن عدم الكفاءة.
هذا ما آلت إليه نتائج استقصاءات وتحقيقات حول شركات الإنتاج الغذائي الكبرى، وهذا ما يحاول الكتاب تقديم البراهين عليه. إنه يؤكد منذ البداية أن المنظومة الغذائية الأميركية الحديثة« لا تعاني فقط من التشوش ولكن هناك أيضا تباين كبير بين الاقتصاد الغذائي الحديث وواقع أن مئات الملايين من البشر لا يستطيعون سد حاجتهم من الغذاء.
وما تؤكده التحليلات المقدّمة أيضا هو أن أوضاع الصناعة الغذائية قد بدت عليها «أعراض» الخلل اعتبارا من عام 2004 تسوء أكثر فأكثر بعد ذلك. نقرأ: كانت هناك بالتأكيد مشكلة أمن غذائي، وكانت هناك مخاوف حيال موضوع المنتوجات الغذائية المستوردة، ومشاغل بخصوص موضوع الزراعة الغذائية. ثم أضيفت مشكلة الطاقة البيولوجية ـ اعتمادا على المزروعات ـ لتشهد الأسعار ارتفاعا كبيرا.
هذه العوامل كلها كانت لها آثارها السلبية على آلية عمل الاقتصاد الغذائي العالمي، والمظهر الأساسي في هذا الخلل يحدده المؤلف في كون أن الموديل السائد على الصعيد الصناعي في ميدان إنتاج الأغذية لم يعد قادرا على تأدية دوره بالصورة المطلوبة، وهو الذي كان قد توصل إلى تأمين مختلف وجبات الطعام بـ «أبسط» كلفة ممكنة حتى الآن، وذلك اعتمادا على أحدث التكنولوجيات.
يحلل المؤلف ظاهرة «أزمة» الصناعة الغذائية في العالم عامة، وفي الولايات المتحدة خاصة بالاعتماد على تاريخ التغذية وسياساتها، وكذلك يدرس مختلف الأنظمة المعقّدة الداخلة تحت العنوان العريض لـ «الصناعة الغذائية»، هكذا يهتم بمسائل الطاقة التي تشكل عاملا في كلفة الإنتاج ومسائل البحث عن طاقات بديلة (بيولوجية) وأيضا ما يخص ارتفاع أسعار المنتوجات الغذائية والسياسات الحكومية للولايات المتحدة الأميركية والقانون التجاري الدولي ومسائل الصحة الإنسانية.
كذلك يتم التركيز في معرض البحث عن أسباب الأزمة الغذائية على تكريس مساحات واسعة أكثر فأكثر لزراعات الحبوب، وذلك ليس بقصد توفيرها كمواد أساسية لأوسع الشرائح من السكان عامة وإنما من أجل إجراء بحوث ترمي إلى التوصل لمصادر طاقة بديلة عن البترول والغاز.
ونتيجة هذا هي خسارة هامش يتعاظم أكثر فأكثر بالنسبة للصناعة الغذائية. ويقول المؤلف بهذا الصدد: أعتقد أن هذه المسألة معقّدة جدا ذلك أننا نحتاج حقيقة إلى حلول بديلة للبترول. ولا أعتقد أنه من المنطق ولوج سبيل سوف يؤدي إلى تكريس مساحات زراعية واسعة كانت مكرّسة أصلا للمنتوجات الغذائية، على الأقل لا ينبغي ولوج مثل هذا السبيل قبل التأكد حقيقة من تأمين الأغذية وتلبية الطلب المتزايد عليها.
ويؤكد المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب أنه لا يسعى أبدا إلى إشاعة أجواء من القلق. »لا أريد أن أدفع الناس نحو حالة من الشلل بفعل الخوف«، كما يقول، قبل أن يضيف: لكنني أعتقد أنه من المهم فعلا أن يبدأ الناس بالاعتراف أنه ليس من المؤكّد أنهم سوف يكونون قادرين بالقطع على الحصول على الأغذية المطلوبة جميعهم.
ويبرهن المؤلف من خلال العديد من الأمثلة الملموسة في الواقع المعاش على عمق التحديات التي تواجهها المنظومة الغذائية العالمية إجمالا. هكذا تُبدي تجربة بلد إفريقي مثل كينيا أن التكنولوجيات، بما فيها الأكثر حداثة، تتأقلم غالبا بشكل سيئ مع شروط المناخ والتربة والبنى الأساسية ـ التحتية ـ الإقليمية.
وعلى ضوء التجارب المدروسة يتم التأكيد على ضرورة تكريس ميزانيات أكبر للبحث في قطاع الزراعة لإيجاد حلول غذائية «مستدامة» أكثر، ذلك أنه هناك اليوم تهديد حقيقي لنضوب العديد من المنتوجات الزراعية، وأنه ستكون هناك »صفوف طويلة« قريبا من أجل إمكانية شراء الزيوت مثلا بـ «أسعار منخفضة». والأمر نفسه بالنسبة للسكّر وغيره، هذا إلى جانب اللجوء أكثر إلى المواد الحافظة واستخدام أكبر لمبيدات الحشرات في الزراعة. كذلك وبمقدار ما تزداد حدّة ندرة المواد الأساسية سوف تزداد أيضا حدّة التفاوت بين أولئك الذين يستطيعون، والذين لا يستطيعون، الحصول عليها.
«نهاية الأغذية» كتاب يشرح مؤلفه كيف ردّت مختلف البلدان على الأزمة الغذائية الجديدة، ويبيّن كيف أن الإجابات لم تكن مشجعة ذلك أنها لم تغيّر طريقة «إنتاج» و«نقل» الأغذية. وتبقى مسألة تأمين التغذية ل5,6 مليارات من البشر اليوم، وأكثر من هذا العدد بمئات الملايين في المستقبل القريب أمرا مطروحا، وقراءة هذا الكتاب قد تكون مهمة جدا في هذا السياق.
عدم التجديد
حتى فترة قريبة من الزمن كان الاقتصاد الغذائي نشاطا ممتازا. وقد عرف القسم الأعظم من القرن الماضي ـ العشرين ـ وفرة غذائية على المستوى الكمي وانخفاض سعرها . لكن الأزمة استجدت في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين. وتتم إعادتها إلى أسباب عديدة، وفي مقدمتها عدم«التجديد» ومواكبة العصر، ويعتقد بول روبرتس أنه عندما تُرسي أية منظومة دعائمها ويتم استثمار الكثير من الأموال فيها تصبح القوى الفاعلة كلها مترددة حيال أي تغيير.
المؤلف في سطور
بول روبرتس يحظى بشهرة كبيرة في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا خاصة، يساهم بانتظام في مجلة «هاربرز»، وهو أخصائي بالمسائل ذات العلاقة المتداخلة بين الاقتصاد والتكنولوجيا والبيئة. يعيش في ولاية واشنطن الأميركية.
الكتاب: نهاية الأغذية
تأليف: بول روبرتس
الناشر: بلومسبيري لندن 2008
الصفحات: 390 صفحة
القطع: المتوسط
The end of food
Paul Roberts
Bloomsbury ? London 2008
P.390
