كتاب «عودة التاريخ ونهاية الأحلام» لمؤلفه روبيرت كاغان يدل عنوانه مباشرة على أنه يمثل، بطريقة ما، ردّا على مقولة «نهاية التاريخ» التي كان قد قال بها المفكر الأميركي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما في كتابه الشهير الذي حمل نفس العنوان: «نهاية التاريخ».
الأفكار الأساسية في كتاب «روبيرت كاغان » والتي تتردد على مدى تحليلاته تقول ان العالم كان قد غدا بعد نهاية الحرب الباردة أحادي القطب حيث كانت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة المسيطرة فيه. لكن بنفس الوقت قامت منافسات دولية جديدة كان منها أن أججت العديد من الصراعات الإقليمية. ويحدد المؤلف القوى الرئيسية في هذه المنافسات بالولايات المتحدة نفسها، وروسيا والصين وأوروبا واليابان والهند وإيران.
وفكرة أخرى رئيسية تتردد أيضاً وهي أن الشيوعية قد انتهت ولكن لم تنته الأيديولوجيا مع ذلك، وإنما جرى حقنها من جديد في ميدان الجيوسياسة« عبر المنافسات التي قامت بين الليبرالية، بنسختها الغربية، وبين مجموعة من صيغ الحكم ذات الطابع الشرقي وخاصة في كل من الصين وروسيا.
ثم إن الحركات المتطرفة التي تقول بانتمائها إلى الأيديولوجية الإسلامية بدأت بخوض نضال عنيف ضد الثقافات والقوى الدنيوية الحديثة، والتي تمثّلها أساسا الديمقراطيات الليبرالية الغربية، وذلك على خلفية رفع شعار أن هذه القوى قد تغلغلت و أفسدت المجتمعات الإسلامية، حسب رأي الحركات المتطرفة، كما يشير المؤلف. وهو يؤكد من جهة أخرى أنه نتيجة لمختلف أشكال وصيغ المنافسات السابقة، تضاءل الأمل أكثر فأكثر بإمكانية دخول العالم في فترة من التقارب الجيوسياسي الدولي على خلفية نهاية التاريخ .
وبعد أن يقدّم المؤلف توصيفاته للعالم الراهن، كما يراه، على ضوء موازين القوى، يقوم بطرح العديد من الأسئلة والإشكاليات التي تواجهها البلدان الليبرالية الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. ويرى أنه على ضوء الإجابات التي تقدمها سوف تتحدد الكثير من معالم القرن الحادي والعشرين.
الأسئلة الأساسية المطروحة قد تمكن صياغتها بما يلي: هل سيكون هناك عالم أحادي القطب؟ وهل يمكن لتباين الرؤيات وتناقضاتها أن تجر العالم نحو مواجهات جديدة؟ وما هو الدور الذي قد ينبغي على الولايات المتحدة أن تلعبه في إطار المعركة بين الحداثة والانغلاق على الذات؟
إن العالم يعود إلى حالته الطبيعية ، بعد انهيار جدار برلين وقيام »نظام دولي جديد ، كان قد بشّر به جورج بوش (الأب) في ظل انتصار الديمقراطية الليبرالية . هذه هي الأطروحة التي ينطلق منها مؤلف الكتاب للإجابة عن الأسئلة المطروحة.
ويشير بداية إلى أن «المتفائلين» وجدوا في سقوط جدار برلين عام 1989 بداية «مرحلة انتقالية» تتجه فيها روسيا نحو الديمقراطية بينما تتجه الصين نحو انفتاح اقتصادي كبير مما سوف يؤدي، عبر الجمع بين الحالتين، إلى نوع من التقارب «الهادئ» بين الأيديولوجيات والمصالح «الجيوستراتيجية» عبر العالم. بالتالي ستعزز «عولمة» الأسواق من جرعة الليبرالية الاقتصادية والسياسية، أي من انتصار «الرأسمالية الديمقراطية»، حسب التعبير المستخدم.
ويرى المؤلف أن تخلّي روسيا، في ظل حكم بوريس يلتسين، عن الساحة تماما لصالح الغرب، بل وإعلانه الصريح عن رغبته في التقارب معه، أعطى الانطباع أن لعبة المواجهات بين القوى الكبرى قد انتهت مرة واحدة إلى الأبد . الوجه الآخر لمثل هذا الواقع بدأ في تعزيز دور القانون الدولي والمؤسسات الدولية، وربما تحت الزعامة الأميركية حيث غدت الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى «أمة لا بد منها» حسب مقولة للرئيس الأميركي السابق
بيل كلنتون. كما بدأ قيام الاتحاد الأوروبي عام 1993 ك«إمبراطورية تعاونية» بمثابة أحد ملامح بروز «نظام ما بعد الحداثة».«روبيرت كاغان» يشير إلى أن هذه المقولات لم تصمد طويلا إذ كانت ذا طابع ظرفي ومؤقت للعبة التوازنات بين القوى العالمية الكبرى.
فإذا كان الاتحاد السوفييتي قد «انتهى» وبقيت الولايات المتحدة وحدها «في الميدان»، فإن ذلك الأمر كان تعبيرا عن حالة مؤقتة إذ ان بلدانا عديدة كانت تتأهب لـ «دخول حلبة الرقص»على المسرح الدولي في «عالم فيه قوة عظمى واحدة وعدة قوى كبرى».ويكرّس مؤلف هذا الكتاب أهمية خاصة لدراسة الحالة الروسية من أجل إبراز مفهوم «عودة التاريخ».
ويرى أنه بعد فترة بوريس يلتسين عادت النزعة القومية بقوة في روسيا بالتوازي مع تبنّي نهج «التباعد» عن سياسة الانفتاح «غير المشروط» حيال الغرب. وكان ذلك في منظور نوع من «رغبة الثأر» لانهيار الإمبراطورية السوفييتية وما تلاه من تضاؤل للنفوذ الروسي في العالم خلال عقد التسعينات الماضي.
المؤلف في سطور
روبيرت كاغان مفكر سياسي أميركي، خريج جامعتي يال وهارفارد ويحمل شهادة الدكتوراه في التاريخ الأميركي، كما أنه أحد المنظّرين الرئيسيين للمحافظين الجدد حيث كان قد أسس مع وليام كريستول، المنظّر الآخر المعروف للمحافظين الجدد مركزا للأبحاث ـ «علبة أفكار» - تحت اسم «مشروع لقرن أميركي جديد».
وروبيرت كاغان هو وراء الرسالة التي تمّ توجيهها في مطلع عام 1998 للرئيس الأميركي آنذاك «بيل كلنتون» من أجل أن يغيّر سياسته في العراق ويطيح بالرئيس العراقي السابق صدام حسين من أجل المحافظة على المصالح الأميركية في المنطقة.
عمل «كاغان» في إدارة رينالد ريغان وكان هو الذي يتولى كتابة خطابات «جورج شولتز» خلال عامي 1984-1985. يساهم في العديد من الصحف والمجلات مثل «الواشنطن بوست» و« نيو ريبوبليك» والصحيفة المحافظة الجديدة «ويكلي ستاندارد». من كتبه «الأخطار الراهنة» أزمات وفرص في السياسة الدفاعية والسياسة الخارجية الأميركيتين و«أمم خطيرة: مكانة أميركا في العالم» و«الفردوس والقوة: أميركا وأوروبا في النظام العالمي الجديد»، الخ.
الكتاب: عودة التاريخ ونهاية الأحلام
تأليف: روبيرت كاغان
الناشر: الفرد ا. كنوف نيويورك 2008
الصفحات: 117 صفحة
القطع: الصغير
The return of history and the end of dreams
Roberts Kagan
Alfred A. Knopf- New York- 2008
P.117

