يتحدث جورج شارباك الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل في كتابه «الجذور المقتلعة » عن مسيرة حياته، ويقول في المقدمة إن سيرتي المهنية كفيزيائي بدأت عندما كان عمري 24 سنة وقد كانت أكثر تعقيداً من مسيرة حياة أغلبية الباحثين العلميين الفرنسيين الشباب.
وقد أردت في هذا الكتاب أن أتحدث عن الوجوه المتعددة التي عرفتها منذ وصولي كمهاجر فتى عمره 7 سنوات إلى فرنسا حيث اخترتها كوطن وحتى ممارستي لنشاطات سياسية وإنسانية قادتني إلى أن أصبح رجلاً نشيطاً في تعليم العلوم للأطفال وإلى أن أحس بالقلق حيال استخدام تطبيقات التكنولوجيات العلمية على مستقبل الإنسانية. ويضيف جورج شارباك موضحاً الهدف من هذا الكتاب قائلاً: إن طموح هذا العمل هو إظهار البناء الرائع لفيزياء الجزئيات الذي أشيد خلال قرن وتوضيح التهديدات القريبة التي تثقل على جميع كنوز الحضارة المتكدّسة خلال مليارات السنوات، هذا إذا لم نغيّر تماماً الطريقة التي تدير بها الإنسانية ثرواتها المادية والروحانية وقدرتها الإبداعية والتربية التي يتم تلقينها للأطفال .
أذن الهدف المعلن، أو بالأصح الأهداف المعلنة، في هذه المقدمة هي التي يحاول جورج شارباك شرحها على مدى صفحات الكتاب ويروي بنفس الوقت بعض المحطات الرئيسية، أو التي يراها رئيسية في مسيرة حياته. ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات للحديث عن سنوات دراسته الأولى في فرنسا حيث استطاع وهو المقتلع من جذوره ، كما يقول أن يشارك دون صعوبة رفاق صفه في حبهم للأبطال الفرنسيين الذين يجعلون الانتماء إلى هذه البلاد مصدر اعتزاز. وخلال تلك الفترة من حياته قرأ «جول فيرن» و«الكسندر دوما»، اللذين كانا لهما أثر كبير في توجيه ميوله الأدبية.
ومنذ تلك الفترة أيضاً أظهر جورج شارباك براعة كبيرة في مادة الهندسة، كما أنه كان مولعاً جداً بالرياضيات. وفي عام 1941 كان يدرس في السنة الأولى بفرع الرياضيات الخاصة بثانوية سان لويس في باريس. لكن الحرب العالمية الثانية واحتلال النازيين لفرنسا شوّش مسيرة حياته كطالب مأخوذ بالدراسة .
عاش شارباك، كما يقول، حياة بؤس في باريس مع أهله حيث كان ينام مع أخيه الأصغر في نفس السرير وكان دخل الأسرة البسيط مصدره أعمال صغيرة ذات دخل قليل يقوم بها الأب في الخارج والأم في الداخل. لكن ذلك لم يكن يمنعهما من قراءة تولستوي ودوستويفسكي وغيرهما من الأدباء الروس الكبار حيث كانا يتحدثان الروسية بطلاقة.
وعن تجربته السياسية يقول جورج شارباك انه انخرط منذ سنوات شبابه الأولى في منظمات مناوئة للفاشية مثل منظمة الصقور الحمر القريبة من الحزب الاشتراكي. وفي شهر يوليو من عام 1942 اضطر للهرب مع أسرته إلى مدينة مونبلييه بجنوب فرنسا هرباً من الاعتقال والنفي إلى أحد معسكرات الاعتقال النازية.
وكان قد اكتسب بفضل معارفه السياسية اسماً مزوراً هو شاربانتييه الذي تابع بفضله دراسة الرياضيات الخاصة في ثانوية المدينة. لكن جرى اعتقاله بسبب نشاطاته المعادية لحكومة فيشي المتعاونة مع الاحتلال النازي ولانخراطه في المقاومة . وفي السجن ساعدته بعض كتب الرياضيات على تحمل رقابة الحياة كما يقول كي يشير مباشرة إلى محاولة هرب جماعي قام بها مع رفاقه السجناء، لكنها فشلت وجرى قمع المشاركين فيها بشدة.
نجا مع ذلك من الموت الذي عرفه الكثير ممن كانوا معه. ثم جرى اقتياده إلى أحد معسكرات الانتقال في ألمانيا.بعد خروجه من المعتقل مع بقية رفاقه من السجن والفرنسيين عند نهاية الحرب العالمية الثانية التقى بأمه وأبيه اللذين كانا قد نجيا أيضاً من النازيين بفضل اسمهما المستعار. كان همّه الأول بعد خروجه هو العودة إلى دراساته إذ كان يريد لـ «أسباب تتحلّى بقدر قليل من العقلانية دون شك أن يصبح رجل علم»، كما يقول.
كان عليه أن يتجاوز مسابقة للدخول إلى الاختصاص في الوقت الذي لم يكن قد عرف طفولة ولا مراهقة ولا مسيرة أبناء طلاّب الثانوية من أبناء الأسر الراقية الذين كانوا قد ارتقوا بهدوء سلّم التسلسل الدراسي الذي يقودهم بشكل طبيعي إلى المدارس الكبرى . لذلك كان الحل هو الدخول إلى مدرسة مناجم باريس الهندسية كطالب أجنبي عادي. كانت الدراسة ثلاث سنوات ولكن جرى اختزالها إلى عامين ونصف باعتباره من قدماء المحاربين .
وبفضل مدرسة المناجم اكتسب جورج شارباك الجنسية الفرنسية ـ كان بولنديا حتى آنذاك ـ كانت فرنسا بحاجة إلى عمال المناجم البولنديين الذين كانوا يعودون جماعات إلى بولندا للمشاركة في إعادة التعمير. وقد منحت الجنسية الفرنسية لمن يقبل منهم البقاء والعمل في المناجم الفرنسية. هكذا أصبح جورج ووالده ووالدته وأخوه فرنسيين عام 1946.
وأخيراً ابتسم الحظ له عندما تمّ قبوله في مختبر للبحث في الكوليج دو فرانس لتعلم مهنة الفيزيائي . وقد خدمه في ذلك ماضيه كـ «مقاوم». ثم أصبح متدرّبا في هذا الميدان في إطار المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. هكذا دخلت إلى عالم الفيزياء ، كما يقول.
المؤلف في سطور
جورج شارباك حائز على جائزة نوبل للفيزياء عام 1992. من مواليد أوكرانيا ـ كانت بولندية آنذاك ـ عام 1924. هاجر من بلاده طفلاً مع أهله وانتهى به المطاف للإقامة في فرنسا. له العديد من المؤلفات منها «الحياة على خيط مشدود» و«الطفل والعلم« و»كونوا علماء واكتشفوا السحرة» و«تشيرنوبيل بين أخرى»، الخ.
الصدف المدهشة
يبدو جورج شارباك الفيزيائي الكبير متفائلاً رغم الصعوبات الكبيرة التي واجهها في حياته. يقول: لقد أدهشتني الصدف، السعيدة غالباً، في حياتي . ويشير إلى أنه عندما وصل إلى فرنسا وهو في السابعة من عمره اعتقد أنه قد وصل إلى الفردوس . ويؤكد أنه أتقن التحدث بالفرنسية بعد سنة واحدة من إقامته الباريسية.
بل ويقول انه أرغم أهله شيئاً فشيئاً للتحدث بها. وكان يتحدث أيضاً، كما يقول، خمس أو ست لغات أخرى من بينها البولندية. وقد احتفظ من تلك اللغات كلها بقسط صغير سمح له أن يعمل فيما بعد بوّاباً في أحد الفنادق الكبرى. بل ويشير إلى أن معرفته باللغات كانت السبب الأهم في إنقاذ حياته أثناء الحرب العالمية الثانية.
الكتاب: الجذور المقتلعة مذكرات فيزيائي ومواطن عالمي
تأليف: جورج شارباك
الناشر: اوديل جاكوب باريس ـ 2008
الصفحات: 250 صفحة
القطع: المتوسط
Mémoires d?un déracin, physicien et citoyen du monde
Georges Charpak
Odile Jac ob ? Paris 2008
P.250

