هذه الرواية الأولى، التي أطلقها جون كلينش مؤخراً بعنوان «فين»، تمضي بنا للعثور على باب ، وهو اللقب الذي يطلق على فين، والد الفتى هاكليبري فين الذي انعقدت له بطولة رواية مارك توين الشهيرة والمثيرة للجدل مغامرات هاكليبري فين وللتعمق في حياة هذا الرجل العنيف، المولع بالشراب، وأيضاً لوضع يدنا على روح أمة تمزقها إرباً العواطف والانفعالات العرقية.

يعتمد كلينش، الذي يدير وكالة للإعلانات في فيلادلفيا ويصارحنا بأنه أمضى عمراً في صياغة الإعلانات مما انعكس على أسلوبه في الكتابة ـ يعتمد على التفاصيل التي تركها لنا توين، وفي بعض الأحيان لا يتردد في استعارة مشاهد بكاملها ومقاطع من الحوار من توين، ولكنه يعيد ترتيب الشخصيات بالكامل، حيث يعيد الفتى هاكليبري بعيداً إلى خلفية العمل، ويجبرنا جدلاً من ذلك على أن نركز على الرجل المعذب الذي كان والده.

ومن المحقق أن جانباً لا يستهان به من فتنة رواية كلينش يتمثل في عملية اكتشاف خلفية الرواية التي طالما تساءل عشاق مغامرات هاكليبري فين عنها. فمن هي المرأة التي أنجب منها باب ابنه؟ كيف انتهى بها الحال جثة طافية عارية في نهر المسيسيبي؟

لكن من حق كلينش علينا أن نبادر إلى تأكيد أن روايته ليست بمثابة ملحق لرائعة الأدب الأميركي الشهيرة، حيث إنه يعيد تصور فين بطريقة أصيلة حقاً، وبدلاً من صوت هاكليبري سنجد أنفسنا حيال رؤية كلينش السحرية، وهي رؤية إبداعية وأصيلة حقاً.

تبدأ الرواية كما ينبغي لمثل هذا العمل أن يبدأ، على نهر المسيسيبي، ذلك التيار المتدفق الذي يجمع في آن بين كونه مهداً ولحداً، يمنح الحياة على امتداد ألفي ميل، في الوقت الذي يمضي فيه بعيداً بقذارات أمة وموتها. هكذا لا يملك القارئ إلا أن يتوقف عند هذا الاستهلال البارع للرواية، حيث نقرأ: تحت سماء خفيضة، تقبل الجثة والسمك في أعقابها، وقد جثمت الغربان عليها، ولفها سرب من الذباب المتكاسل، في النهر، كأنها جذع شجرة تجرد من لحائه .

وتنداح في الرواية عقب ذلك سلاسل من الفظائع المتوالية على النسق ذاته، وئيدة، جميلة غالباً، وتتيح لنا أن نشتم رائحة الشر قبل أن نراه على حين غرة. هذه الجثة التي نراها في الفقرة الأولى من الرواية تواصل انحدارها الرشيق مع النهر في صباح رائع إلى أن يرصدها فتية تعودوا على الأشياء الميتة ، كما يقول المؤلف، وهي جثة امرأة، ولكنها لن يتم التعرف على هويتها، ذلك أن والد هاكليبري فين حرص قبل أن يلقي بها في النهر على أن يسلخ جلدها بأسره.

الجلد يعد هوساً بالنسبة لفين، تماماً كما هو هوس بالنسبة لباقي أميركا، والتراجيديا المتمثلة في كيفية وقوعه في غرام أم هاكليبري السوداء وقتله لها هي قصة ساحرة تتكشف لنا تفاصيلها عبر هذه الرواية. نعم، ها كليبري هو ابن امرأة سوداء، ومن المؤكد أن ذلك ابتكار جريء من جانب كلينش، ولكنه أيضاً تجسيد رائع للبقعة الحدودية التي يعيش فيها، أي الواقعة على الحدود بين المفاهيم والأعراق والأشياء، ذلك التخم الفوضوي في ميسوري بين العبودية والحرية.

وعشاق مارك توين يعرفون أنه لم يشر قط إلى أن هاكليبري فتى خلاسي، ولكن رواية فين تفسر ببراعة هذا اللغز المتعلق بأم هاكليبري على نحو يتناغم تماماً مع الأصل الذي تركه لنا كوين، وعلى الرغم من ذلك فإن اهتمام كلينش الحقيقي ينصب على رجل خطر، معيب بعمق، يبحث عن الخلاص بين أعمال مروعة بحيث أنه لا يغمض له جفن بسببها.

من هذا الاكتشاف الاستهلالي للمرأة المغدورة تتحرك الرواية إلى الأمام وإلى الخلف في فصول متراوحة تتضمن تأملاً لعلاقة فين المعقدة بالماضي، وليلة إثر الأخرى يمضي فين العاكف على الشراب في أعماق الغابات في تأمل مجرى حياته والمؤثرات المقيتة فيها وكيف أنها تآمرت للوصول إلى وضعية محزنة كتلك التي يجد نفسه فيها.

إن كلينش لا يعفي فين من المسؤولية قط، ولكنه ينحدر من عائلة ما كان يمكن إلا أن تجعل منه سكيرا، فأمه امرأة ساخطة وممررة، وأبوه الذي يعرفه الجميع بلقب القاضي هو رجل عنيد، لم يعرف الحب يوما، تحيطه هالة دائما من الرفض. وإذ يساوره الشعور بالاشمئزاز حيال افتقار ابنه فين للاهتمام بالتعليم، فإنه يودعه في كوخ وراء حظيرة الماشية في مزرعته، حيث كان يمكن أن يمضي حياته قانعاً بصيد السمك، والطرائد والعمل في الوظائف العابرة، لو أنه لم يقع في غرام جارية سوداء شابة تدعى ماري.

هذه العلاقة المعقدة بصورة مستحيلة تشكل جوهر الرواية، وتقف شاهداً على حساسية كلينش وعلى استعداده للمضي قدماً في تتبع خيوط العواطف بغض النظر عن نهاية المطاف الذي يمكن أن تفضي إليه هذه الخيوط.

من الطبيعي أن فين ينظر إلى ماري باعتبارها جاريته، وهو يوصد كوخه عليها، ويأمرها بأن تعد طعامه وتنظف كوخه، وينتهي الأمر به إلى مضاجعتها، ولكنه أيضاً يقدرها على مستوى أعلى لا حرمة له في هذا المجتمع العنصري، ويصل به الأمر إلى الدفاع عنها والقتل من أجلها، وهو يخلص لها كما لا يخلص لأحد أو لشيء في الدنيا، وهي بدورها تهتم به، لكنها لا تغيب عنها للحظة الطبيعة المتقلقلة والمتناقضة لوضعها في حياته. وعندما تلد له هاكليبري فإنهم هم الثلاثة على الرغم من فقرهم الداعي لليأس ووضعيتهم المنبوذة يبدون راضين تماماً.

ولكن أيا كان المدى الذي سيذهب إليه فين، فإنه أكثر ضعفاً وأكثر اعتزازاً بنفسه وأكثر عنصرية في نهاية المطاف من أن يحافظ على ما يسميه في وقت لاحق بـ «الأيام الفردوسية في الكوخ». وتلك هي اللعنة الحقيقية التي يصفها كلينش على نحو بالغ القوة والاقتدار.

وفي أحد أكثر مشاهد الرواية قدرة على إثارة الفزع نجد أن فين يقوم في جنون بطلاء مدخل كوخه بكامله باللون الأبيض، الجدران، الأرضية، النوافذ، وكل شيء، وقد بدا حريصاً على نحو يائس على أن يكون نظيفاً، نقياً، طاهراً، على أن يغطي الدم. ولكن ما إن يجف الطلاء حتى يرسم على هذه الجدران نفسها بوساخة أصابعه لوحة هائلة من اندفاعه، توقه، يأسه حيال روحه الخالدة البائسة التي قدر الهلاك عليها .

هنا نجد أنه قد حبس في هذا الكوخ البائس، المتدلي على نحو متقلقل على النهر، جنون بلد بأسره سرعان ما سيمزق نفسه إرباً في غمار نزاع دموي على قضية العرق والعنصر. إننا نعرف إن مارك توين كان له جانبه الجهم، حتى لا تقول المعتم أو المظلم، لكن هذا الجانب خفف منه كثيراً عكوفه على الكتابة للفتية، ومن هنا لم يتردد في أن يصارح أحد أصدقائه بأنه لم يستطع كتابه كل ما يقوله، لان القيام بذلك كان يفرض عليه أن يستل قلماً غمس في الجحيم.

الآن فيما يمضي القارئ عبر صفحات «فين»، فإنه لا يملك إلا التساؤل: هل استل جون فينش القلم الذي حدثنا عنه مارك توين؟

تحت سماء خفيضة

تحت سماء خفيضة، تقبل الجثة والسمك في أعقابها، وقد جثمت الغربان عليها، ولفها سرب من الذباب المتكاسل، في النهر، كأنها جزع شجرة تجرد من لحائه تمضي قدماً شأن كل الأشياء التي تنحدر في نهر الميسيسيبي في أواخر الصيف، على مهل كأنما في موكب رسمي، وكما لو أن عينيها الضريرتين مشغولتان بالتطلع إلى السماء الزرقاء الملتفة بعمق على نحو حالم بالسحاب.

مقتطف من رواية «فين»

الكتاب: فين

تأليف: جون كلينش

الناشر: راندوم هاوس ـ نيويورك 2008

الصفحات: 340 صفحة

القطع: المتوسط

Finn

Josn Clinch

Random House,N.Y., 2008

P.340