يتحدث الكاتب مجدي كامل في كتابه الجديد (بلاك ووتر - جيوش الظلام) عن ظهور شركات الأمن الخاصة وسر العلاقة المقدسة التي تربطها بتيار المحافظين الجدد وحلفائه في تيار اليمين المسيحي المتطرف، وإدارة جورج بوش الابن المتحدث الرسمي باسمها.
ويعتبر المؤلف أن العاملين في هذه الشركات هم مرتزقة وعبارة عن جيوش عصرية مسلحة على أعلى مستوى تمارس المهام القذرة من خلال شركات معترف بها رسميا، وتستعين بها الحكومات وفي مقدمتها الولايات المتحدة في مناطق الحروب والنزاعات كما في العراق وأفغانستان والسودان بصورة علنية، وتوفر لها الحصانة اللازمة لكي لا تحاسب على جرائمها،أو انتهاكها لقوانين الدولة التي تمارس عملياتها على أراضيها. ويذهب الكاتب إلى أن شركة بلاك ووتر تقاضت 21 مليون دولار كأجر من أجل تأمين حماية للحاكم المدني السابق في العراق بول بريمر، كما أنها تحصل في العام الواحد على ما يقرب من مليار دولار في حين تحصل شركة إجيس البريطانية على حوالي 300 مليون دولار تدفعها الخزينة العراقية.
ويرى مجدي كامل بأن هذه الشركات الخاصة أغلبها غربية- بدأت بالنمط التقليدي للمرتزقة في تلقي تعهدات مختلفة، خصوصا في أفريقيا وأميركا اللاتينية لحماية رؤساء دول ديكتاتوريين أو انقلابات لصالح فئات سياسية معينة وغيرها..
وسريعا ما تطور نشاطها وتوسع ليتضمن أنشطة أخرى تكنولوجية وفنية واقتصادية بجانب النشاط العسكري، واختلف بالتالي دور المرتزقة العاملين في هذه الشركات من العسكري الذي يلبس اللباس العسكري، ويحمل أسلحته ومعداته الحربية إلى أشكال متعددة من المرتزقة منهم الفنيون الذين يديرون شبكات الرادارات العسكرية وأجهزة الملاحة الدقيقة، وخبراء البرمجيات والكمبيوتر الذين يخططون المعارك ويديرون التقنيات الحديثة.
ومن هنا يؤكد الباحث على وجود عدة عوامل وتطورات ساعدت على انتشار شركات المرتزقة هذه في العصر التكنولوجي الحديث، منها: رغبة الحكومات في التخفي عند القيام ببعض الأعمال القذرة، أو خشية السياسيين من أن تؤثر مشاهد توابيت القتلى من جيوشهم ـ في حلة استخدامها بدل المرتزقة ـ في إثارة غضب الرأي العام الداخلي ضدهم بعكس المرتزقة الذين لا بواكي عليهم.
بالإضافة إلى ميل الخبراء العسكريين وخبراء التكنولوجيا والاتصالات والكمبيوتر لبيع خدماتهم لهذه الشركات الخاصة التي تدفع مبالغ مالية أعلى من الحكومات، ومن ثم اتجاه الحكومات للاستفادة من هذه الشركات في القيام بالعديد من الأعمال خصوصا في الحروب والغزوات لمساعدة قواتها.
والأهم من هذا برأي كامل هو التقليل من أعداد القتلى الرسميين ـ باعتبار أن قتلى المرتزقة لا تذكر رسميا ـ ما يسمح للحكومات بالكذب فيما يخص خسائرها البشرية لتظهر نفسها منتصرة أحيانا، وهذه حالة ظاهرة في الغزو الأميركي للعراق.
وأشار المؤلف إلى تطور جيوش المرتزقة بسرعة كبيرة والذي أصبح أكبر حجما ويصل أحيانا لنصف الجيوش الرسمية المحاربة وأكثر، حتى أن دراسات أميركية وتقرير نشرته وكالة رويتر كشف عن أن عدد المتعاقدين الأمنيين المرتزقة في العراق بلغ 100- 130 ألف مرتزق متعاقد في حين أن عدد القوات الأميركية الرسمية هو 150 ألفا.
وهكذا يسمي المؤلف هذا النوع الجديد من المرتزقة بـ »المرتزقة الجدد«، ونوع جديد من الحروب هي حروب »القطاع الخاص« أو »الحروب المخصخصة«. ومن هنا يرى كامل بأن »خصخصة الحروب« هي آخر صيحة في عالم حروب اليوم، بعدما انتشرت شركات المرتزقة، وأصبحت تطلق على نفسها أسماء أكثر لياقة مثل: تسمية شركات حماية أو متعاقدون مدنيون أو متعهدون أمنيون.
إلا أن حقيقة هذه الشركات أنها تعمل من الباطن مع الحكومات بل وغالبا يديرها مسؤولون سياسيون أو عسكريون سابقون، مثل تشيني نائب بوش. وعن هذه الشركات يقول الكاتب بأنها أصبحت تمثل منفذا لتسلل أي منظمات أو دول أو أجهزة مخابرات للتخريب وإثارة الفتن والفوضى في العراق، أو للعمل لحساب دولهم داخل هذه الحالة من الفوضى، وكان منهم عملاء للمخابرات الإسرائيلية الذين وجدوا في العمل كعناصر أمن فرصة للتنقل بحرية في جميع أنحاء العراق كما يرغبون.
« بلاك ووتر« من وجهة نظر المؤلف جاءت بجيوش الظلام المدججين بشتى أنواع الأسلحة التي تشتريها من مصانع السلاح الأميركية، بموافقة الإدارة الأميركية وبمباركة «البنتاغون » لتختزل فيما تمارسه من بيزنس الموت كل وظائف التاجر والمبشر والعسكري، تحت غطاء أميركي رسمي تباركه وتسانده الإدارة الأميركية من الرئيس إلى أصغر مسؤول في الدولة.
وينقلنا كامل إلى خصخصة الخدمات الأمنية والتي تعتبر من الوظائف التقليدية للدولة، ويعرف بأنه عملية تغيير في الملكية أو الإدارة للمؤسسات والمشاريع والخدمات العامة من القطاع الحكومي إلى القطاع الخاص، وهو يحدث عندما تحول الحكومة مسؤولية تقديم الخدمات العامة التي كانت تتولاها إلى شركات خاصة، ويدفع المستفيدون من هذه الخدمات أجورا مقابل الحصول عليها.
أما الخصخصة الأمنية يرى كامل بأنها تعني إيجاد محور أمني تعاوني بين السلطات الأمنية للدولة والقطاع الخاص بما يضمن اضطلاع القطاع الخاص بمسؤولية تطبيق الإجراءات والنظم الأمنية على المرافق الصناعية والتجارية والخدمية التي يستفيد منها المواطن إلا أن الأميركيون حولوها إلى جيوش موازية من المرتزقة وتجار الموت.
ويرجع كامل أسباب رواج ظاهرة الاسترزاق العالمية إلى تطور العلاقات منذ بداية التسعينات من القرن العشرين بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وانتهاء الحرب الباردة واتجاه الولايات المتحدة الأميركية لمحاولة ملء الفراغ الناتج عن انسحاب الدول الكبرى من إفريقيا، وذلك بالتركيز على تطوير علاقات إستراتيجية بين المنظمات غير الحكومية والشركات عابرة القارات، بدلا من علاقات الدولة التي كانت سائدة في أوروبا زمن الحرب الباردة.
المؤلف في سطور
مجدي كامل صحافي مخضرم في مؤسسة أخبار اليوم، وهو عضو اتحاد الكتاب بمصر، من أعماله: «زعماء صهيون»، »الخروج من السلطة«، «وراء كل ديكتاتور طفولة بائسة»، «كارلوس قنبلة موقوتة داخل سجون باريس»، وترجم عدة كتب إلى العربية منها «كيف تتعامل مع الشخصيات الصعبة» و«كيف تكون علاقات مميزة». وتوقف كامل عند ظاهرة المرتزقة الجدد ومدى خطورتهم، وكذا عند ظروف ملابسات نشأة شركة بلاك ووتر، بالإضافة إلى جرائمها في العراق دون أن تخضع لأية مساءلة أو محاسبة أو أية قوانين عراقية، وموقف القانون الدولي منها.
أجور عالية
الأجور التي يتقاضاها الجنود المرتزقة في هذه الشركات الأمنية العاملة في العراق كبيرة للغاية وتتراوح بين 500 و1500 دولار يوميا، أما الجندي الأميركي النظامي من رتبة جندي عادي وحتى قائد يتقاضى مبلغا يتراوح بين 1500 إلى 5000 دولار شهريا.
ناهد رضوان
الكتاب: بلاك ووتر- جيوش الظلام
تأليف: مجدي حسين كامل
الناشر: دار الكتاب العربي حلب 2008
الصفحات: 368 صفحة
القطع: الكبير

