يؤكد د. مصطفى بيومي عبد السلام في كتابه «دوائر الاختلاف.. قراءة في التراث النقدي» على أن إشكالية قراءة التراث هي إشكالية معرفية واحدة لا تتغير بتغير القارئين، ولا تتبدل بتبدل الحقل المعرفي الذي تتوجه إليه هذه القراءة، وينطوي هذا الإشكال على ثلاثة أسئلة أساسية: ما التراث؟، وكيف نقرأ التراث؟، ولماذا نقرأ التراث؟

إن التراث هو مجموعة النصوص التي أنتجت في فترة تاريخية معينة، ومارست هذه النصوص سلطة معرفية على فأصبحت جزءاً من الوعي الجمعي وبنية تفكيره. وأن قراءة التراث حدثت بشكل تفسيري وتأويلي. يؤكد د. مصطفى في دراسته هذه على أن ثنائية «الأصالة ـ المعاصرة» أو «التراث ـ الحداثة» ثنائية زائفة ويعتبر أن المشكلة ليست مشكلة أصالة ومعاصرة أو تراث وحداثة أو شرق متخلف وغرب متقدم.

ففي «الغرب مناطق متعددة أكثر انحطاطاً من أي انحطاط عربي إسلامي، وفى الشرق العربي الإسلامي مناطق أكثر تقدماً من أي تقدم غربي»، وإنما المشكلة تكمن في: «عدم القدرة على تحويل المعرفة بالتراث من معرفة ميتة إلى معرفة حية، كما تتجلى أيضا في عدم القدرة على إنتاج حقائق جديدة حول وقائع العالم المعاصر، أو على تكوين ميادين علمية تغطى معرفيا ممارسات وأنشطة تتنوع وتتشعب باستمرار».

ويقع الكتاب في مدخل وأربعة فصول، ومختتم، درس المدخل إشكالية قراءة التراث في الثقافة العربية الحديثة، وعرض للمشاكل الثابتة لعملية قراءة التراث، وهي: «مشكل الماهية» و«مشكل الكيفية التي نقرأ بها التراث»، وأخيراً «مشكل الهدف من قراءة التراث» أما الفصل الأول فخصص ل«القراءات الإحيائية» وعرض فيه الباحث لخمسة نماذج من هذه القراءات.

وهي: قراءة «محمد سعيد»: «ارتياد السعر في انتقاد الشعر»، وقراءة «حسين المرصفي»: «الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية»، وقراءة «محمد دياب»: «تاريخ آداب اللغة العربية»، وقراءة «محمد روحي الخالدي»: «علم الأدب عند الإفرنج والعرب«، وأخيراً قراءة «قسطاكي الحمصي»: «منهل الوراد في علم الانتقاد»، وقد عرض هذه النماذج بوصفها توجهات قرائية تختلف من ناقد إلى آخر.

وركز الفصل الثاني على المناهج الإسقاطية الخاصة بفترة ما بين الحربين، وقد عرض لنماذج ثلاثة هي: قراءة «طه إبراهيم»: «تاريخ النقد الأدبي عند العرب»، وقراءة «محمد مندور»: «النقد المنهجي عند العرب»، ثم أخيراً قراءة«محمد خلف الله»:«المنزع النفسي في بحث أسرار البلاغة» وخرج بجملة من النتائج منها أن النقد الأدبي في فترة ما بين الحربين كان تحولاً عن الأصول النقدية الموروثة إلى أصول نقدية جديدة.

يسيطر عليها الحضور الثقيل للآخر ومنتجه المعرفي النقدي، مما ترتب عليه قراءات تأويلية للتراث النقدي يدور فعلها التأويلي على عملية إسقاط الآخر ومنتجه النقدي على التراث. وأنه لم تنتج فترة ما بين الحربين اتجاهات لعملية القراءة، وإنما أنتجت قراءة واحدة هي القراءة الإسقاطية.

وينصرف المؤلف في الفصل الثالث إلى «القراءات التاريخية»، وعرض لصور ثلاث من هذه القراءات، كانت أولها قراءة «شكري عياد» لأثر أرسطو طاليس في النقد العربي، وثانيها قراءة «محمد زغلول سلام»: «تاريخ النقد العربي»، وثالثها قراءة «إحسان عباس»: «تاريخ النقد الأدبي عند العرب»، وكان من جملة من النتائج التي خرج بها:

أن القراءات التاريخية سقطت جميعاً أسيرة فكرة الحياد التاريخي، وأن فكرة الحياد التاريخي لم تحدث مطلقاً في أية محطة، كما أن هذه الفكرة أوقعت هذه القراءات في مأزق يكمن في أن النص ـ التراث يتمركز بين حدث إنتاجه وحدث إعادة إنتاجه، وأن القراءات التاريخية قراءات لا تاريخية، لأنه لا وجود لتاريخ صرف متعال أو تطوري أو شمولي بمعزل عن تاريخ إعادة صنعه وتشكيله، أي لا وجود لتاريخ للماضي بمعزل عن تاريخ للحاضر.

أما الفصل الرابع والأخير، يتوجه المؤلف إلى دراسة بعض المناهج الحداثية، عند «مصطفى ناصف» و«جابر عصفور» و«ابن المعتز»، و«محمد عبد المطلب وقد توصل إلى جملة من النتائج أهمها: القراءات الحداثية قراءات انتقادية تثويرية تطمح إلى المجاوزة، وتضع التراث في مناخ الأسئلة ،و تحاول أن تستحضر الماضي وتمتلكه معرفياً كما أن هذه القراءات لا يسيطر عليها نزعة عصرية اتباعية براقة، وإنما هي كتابة تضع التاريخ موضع مساءلة مستمرة، وتضع الكتابة نفسها موضع تساؤل مستمر.

المؤلف في سطور

شد.مصطفى بيومي عبد السلام مدرس النقد الأدبي بكلية دار العلوم جامعة المنيا وعضو لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلى للثقافة في مصر، نال درجة الدكتوراه في النقد الأدبي عام 2000، ترجم (مدخل إلى النظرية الأدبية) وقدم وحرر كتاب محمد بك دياب (تاريخ آداب اللغة العربية).

محمد الحمامصي

الكتاب: دوائر الاختلاف.. قراءة في التراث النقدي

تأليف: د.مصطفى بيومي عبد السلام

الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة 2008

صفحات: 224 صفحة

القطع: المتوسط