يقدم فنسان الغريب في هذا الكتاب تحليلاً شاملاً للمأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة التي تتعاطى مع العالم كامبراطورية كبرى على غرار الامبراطوريات التي شهدها التاريخ الإنساني، وذلك من خلال عرض وتحليل التحديات التي تواجهها والاستحقاقات العديدة على المستويين الداخلي والعالمي.

الأمر الذي يرى معه العديد من المراقبين بداية نهاية الامبراطورية الأميركية التي وصلت الى ذروة المناعة والسيطرة مع انحلال الاتحاد السوفييتي وتربعها زعيماً واحداً على عرش العالم. فيما يرى البعض الآخر أن أميركا ستبقى في أوجها، وأن المجال ما زال أمامها متاحاً من دون مخاطر جدية للحفاظ على تماسكها وحصانتها الداخلية والمزيد من الهيمنة والتفوق على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

يشير المؤلف في طرحه للإشكالية الأساسية التي يتصدى لها الكتاب الى أن الولايات المتحدة تعاني منذ سنوات مشكلة اقتصادية وعجزا في ميزانها التجاري في مبادلاتها مع الخارج جراء نسبة الاستهلاك من مواد أولية وسلع مستوردة من الخارج وأصبح القادة الأميركيون مدركين لهذا الواقع، أي لتبعية اقتصاد بلادهم للاقتصاد والأسواق العالمية، على نحو أصبح معه الحلم الأميركي في إنشاء امبراطورية أميركية تمتد مساحتها وسلطتها الى أرجاء العالم كافة يصطدم بدوره بهذا التحدي الناتج من عجز الاقتصاد الأميركي عن مجابهة التحديات العالمية والأزمات الداخلية التي تواجهه.

وعلى ذلك يشير المؤلف إلى انه سيركز في دراسته على محاولة رصد العلاقة القائمة ما بين هذا المعطى الاقتصادي الأساسي، المأزق الاقتصادي ودخول الاقتصاد العالمي ومركزه الاقتصاد الأميركي مرحلة الأزمة والركود، وما بين اعتماد سياسة خارجية توسعية تهدف الى تجاوز هذا المأزق.

بما يتعارض مع المسار الموضوعي للتاريخ لناحية استحالة تجاوز القواعد والقوانين الاقتصادية من خلال استخدام الأداة العسكرية في محاولة لحل المعضلة الاقتصادية مع الزيادة على الإنفاق العسكري والدفاع والأمن، واعتماد الإدارة الأميركية على ذراعها العسكرية من خلال الوجود العسكري المباشر والتقليدي في المناطق الغنية بالمواد الأولية وأهمها النفط وحيث توجد الأسواق وأيضا في المواقع الجيواستراتيجية وخاصة منطقة الشرق الأوسط الموسع بحيث تحافظ وتوسع مناطق نفوذها محاصرة بذلك القوى التقليدية الأخرى أوروبا، روسيا، الصين واليابان التي قد تشكل تهديدا لمصالحها ولموقعها الأحادي ولتفردها في قيادة العالم.

وفي إشارته الى الأهمية العلمية لموضوعه يسلط فنسان الغريب الضوء على دور هذه الدولة انطلاقا من استحواذ الولايات المتحدة وسياساتها الدولية على اهتمام الكثير من الباحثين في حقل العلاقات الدولية ولأنها مركز الثقل الأساسي على الساحة الدولية نظرا الى تأثير سياساتها في معالم باقي الدول الأخرى، خصوصا اننا أصبحنا في نظام دولي يتسم بالأحادية القطبية في ظل التحديات التي تواجهه.

كما يعرض المؤلف لبنية النظام الدولي وتحولاته بعد انتهاء الحرب الباردة وخاصة التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ويشير في هذا الخصوص الى الطبيعة الإمبريالية للنظام العالمي المعاصر متناولا أزمات النظام الدولي فيما بعد أحداث 11 سبتمبر التي أدت الى انكشاف الخلل فيه بقيادة الولايات المتحدة ووعي القادة الأميركيين الخطر الذي يتهدد زعامتهم في ظل التحديات الجديدة مع وجود اللاعبين الفاعلين الجدد على الساحة الدولية.

ويرسم ملامح الأزمة البنيوية العالمية التي يعانيها النظام الرأسمالي مشيرا الى تركز تلك الأزمة في الولايات المتحدة مركز ومحرك الاقتصاد العالمي على حد تعبير لورانس سامرز خاصة في المركز المالي منه متطرقا الى أسباب ونتائج هذا المأزق على الصعيدين الأميركي والعالمي على حد سواء.

ويستعرض المؤلف أسباب ونتائج مأزق الاقتصاد الأميركي ويشير في هذا الصدد الى تراجع الموقع الاقتصادي الأميركي والدخول في مرحلة الأزمة متطرقا إلى نشأة وتطور الأزمة الاقتصادية الأميركية من حيث بروز أزمة التراكم المفرط في رأس المال وانتقال الولايات المتحدة من دولة دائنة الى دولة مدينة ثم تزايد الطلب الاستهلاكي على نحو أدى الى بدء الحديث عن أفول نجم الولايات المتحدة كقوة مهيمنة.

وهنا يتطرق الى المشهد الاقتصادي الأميركي منذ الثمانينات وحتى اليوم ويبحث في إطار هذا التناول الأزمات البنيوية التي يعانيها الاقتصاد الأميركي لجهة العجز في الميزانية والميزان التجاري وميزان المدفوعات وتراجع التصنيع والقدرة التنافسية وضعف القطاع العمالي فضلا عن تضخم حجم الدين الخارجي وتراجع قيمة الدولار والاعتماد على نفط الخارج.

ويوضح فنسان الغريب الى أن كل هذه المظاهر هي التي أفرزت حالة التدهور الاقتصادي في أميركا وبدايات السقوط وهو ما انعكس على هالة الموقع الاقتصادي المتين والانحدار المتسارع للولايات المتحدة، الأمر الذي انعكس على الناتج العالمي الآخذ في الهبوط منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي من 45% الى أقل من 20% ويتجه الى 16% في الوقت الراهن حيث بدأ الفائض في الميزان التجاري الأميركي ينقلب إلى عجز بعد إعادة بناء القدرات الإنتاجية لأوروبا واليابان وأظهر ميزان المدفوعات عجوزات متتالية.

ثم يتفحص المؤلف بعد ذلك السياسات الخارجية الأميركية المستندة إلى استراتيجية توسعية ذات بعد عقائدي ومضمون اقتصادي أساسي في ظل تراجع القوة العظمى عن المبادئ التي قامت عليها الجمهورية الأميركية على الرغم من تحميل الإدارة الأميركية خطابها الكثير من الشعارات الإنسانية كإرادة نشر الديمقراطية وحماية الحرية في العالم.

لذلك وانطلاقا من المشهد الاقتصادي القائم الذي ألقى المؤلف الضوء عليه في الكتاب يفهم النزعة الأحادية التي طبعت الولاية الأولى من فترة حكم الرئيس بوش الابن الذي سرعان ما تراجع عن هذا التوجه نتيجة فشله جراء التجربة المريرة في العراق والذي دفع نحو توجه أكثر تعددية مع تفاقم الأوضاع الدولية ومخاطر انتشار الفوضى على خلفية السياسة الأحادية التي كانت متبعة.

ويستخلص المؤلف من ذلك أن نظاما دوليا جديدا آخذا بالتشكل على أنقاض النظام الدولي الذي سعت الولايات المتحدة لبنائه منذ عقود والذي تربعت على عرشه دون منازع، مؤكدا أن التحولات الاقتصادية والسياسية الجارية اليوم لا تنبئ بأن القرن الحادي والعشرين سيكون أميركيا. أما بالنسبة إلى البعض الآخر، فإن الهيمنة الأميركية ستكون هي الصفة الطاغية على مثل هذا النظام في الأمد المنظور.

ثم ينتقل بنا المؤلف فنسان الغريب إلى مشروع الهيمنة الأميركية على منطقة الشرق الأوسط ومواجهة المشروع الإيراني الذي استفاد كثيرا من ضرب أفغانستان والعراق، النظامين اللذين كانا يطوقان إيران، ومع فك هذا الطوق انفتح المجال واسعا أمام طهران لكي تعيد إحياء مشروع الهيمنة الإقليمي في المنطقة بشكل خاص ما وضع المشروعين ـ الأميركي والإيراني ـ في سباق حاد للسيطرة على المنطقة.

وينهي المؤلف كتابه بالإشارة إلى ما ذهب إليه البعض من أن كل الامبراطوريات عبر التاريخ لجأت إلى استخدام القوة وتصبح أكثر دموية في مراحل سقوطها، والامبراطورية الأميركية اليوم لا تختلف عن تلك الامبراطوريات ولا تقل دموية عنها إذ نشهد لجوءها إلى القوة المفرطة في مرحلة السقوط التي تمر بها.

المؤلف في سطور

باحث لبناني له العديد من الكتابات والدراسات المنشورة في عدد من الصحف العربية منها «مأزق حزب الله بين ولاية الفقيه ومشروع الدولة الوطنية!» وكذلك «أزمة الرأسمالية الأميركية» و«إيران تتحدّى أميركا: ابحث عن النفط دائماً»، و»تحذير بريجنسكي: لن يكون هناك فرصة ثالثة لقيادة العالم!» و«سمير أمين والإمبريالية الأشد عنفاً»، فضلاً عن العديد من الدراسات والمقالات الأخرى.

ألفت عبدالله

الكتاب: مأزق الامبراطورية الأميركية

تأليف: فنسان الغريب

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2008

الصفحات: 415 صفحة

القطع: الكب