يستحضر الفنان السوري المغترب يوسف عبدلكي ابن القامشلي في سياق أعماله تلك المدينة السورية النائية التي يفوح منها عطر الأصالة وسحر المشهد، والأشكال الأكثر جاذبية للرسم، بعين الشاعر المتفرد واليد المتمرسة. تتناسل أعماله من معدن وعظم وزجاج وخشب ونبات وجلد وريش. من رأس سمكة إلى جمجمة.
ومن عظمة إلى غصن ومن حذاء إلى إجاصة ومن صندوق على سكين، ومن مسمار إلى كأس. وإذ تحضر هذه الأشكال، مهيأة نفسها لشحن الطاقة واستحواذ الفتنة بكل أشكال التدخل، إنما تحضر أيضا لتلبية الشرط الآخر والوظيفة المتلازمة: حشد المعنى واكتنازه، ما يسهل إشعاعها وضمها في حقل الدلالة. ما يمكن أن تستحوذ عليه سمكة، وبالضرورة رأس سمكة مقطوع، يفيض عن حمولة شكلها الخلاب. تختزن السمكة المرونة والحركة الطليقة ومدى البحر الفسيح. وفي السمكة التحام بالمكان واستحالة العيش خارجه. وفي عينها المفتوحة أبدا تحد صارخ للموت وإدانة له.
أما الفضاء فهو بالنسبة للفنان وسيلة يطوعها فليس عليها إلا أن تنصاع لسيادته المطلقة، يحرثها حرثا ولا يبقي للصدفة مكانا عليها. ويبسط الفنان المساحات الواسعة بلا وجل، لأن المساحة في لوحته ليست فراغا، إنها جسد حي وارتعاش محسوس وله معنى ووزن. إنه لا يحوم ولا يتهادى بل يخرج من الشقوق والنتوءات والمفاصل. يقول خالد السماوي الشريك في صالة «أيام» عنه: «على المستوى الشخصي يظل صمته الأكثر إرباكا، فهو قليل الكلام إلى حد محير، إلى حد يجعلك تتساءل في كل لحظة ما الذي يدور في رأس هذا الرجل. خصوصا أنك تعرف أن جعبته مليئة بالحكايات والتجارب التي يصعب تكرارها. وقد يحدث أحيانا أن يقول أشياء كثيرة في وقت قصير، فهل هذا ما يحدث للوحته أيضا؟».
» مسارات» حاول سبر أعماق الفنان الكبير يوسف عبد لكي المقيم في فرنسا قبل أن تسبر أعماق تجاربه الفنية فكان هناك ذاك التناغم الذي يوحد صفة الفنان في لوحاته:
أعتقد أن افتتاح صالة «أيام» بهذه الضخامة والمساحات الواسعة تجعل من دبي منطقة جذب ثقافي مثلما هي مركز جذب مالي واستثمارات كبيرة وأعتقد أن مجموعة الفنانين العارضين اليوم يتميزون بانتمائهم لمدارس فنية مختلفة ومن حساسيات تجاه فضاءات مختلفة ومن أجيال مختلفة ومن فنانين ترعرعوا في حضن ثقافات مختلفة، وهو ما يمنح المعرض هذا الزخم الكبير الذي ندر ما نراه بهذا الثراء الكبير في أماكن أخرى.
أما بالنسبة للعملين اللذين أعرضهما اليوم في الصالة فهما يمثلان متابعة لعملي الذي أتابعه منذ سنوات الذي يمكن تصنيفه ضمن عمل الطبيعة الصامتة، ولكن هذا النوع من الرسم يعكس حساسية تعبيرية أكثر من كونه إخلاصا لحساسية المدرسة الصامتة التقليدية المعروفة منذ قرون.
وبالتالي فإن اللوحتين تعكسان الكثير من الخطاب السياسي الواضح والمباشر وبين العمل الحيادي ولذلك فهما تراوحان بين الموضوعين. ورأس السمكة المقطوع فكرتها واضحة ولكن أرى فيها ذلك (النوسان) الذي يعكس موتها ولكن تفتح العينين هي حركة رمزية إلى أن السمكة ترفض موتها. وهذا النوسان ما بين الحياة والموت ربما يكون عنصر جذب بالنسبة لي جعلني أرسم عشرات اللوحات عن السمك. نفس الفكرة ولكن بتشكيلات مختلفة.
أما اللوحة الثانية فهي لأوان عبارة عن مجموعة من الأواني التي أعتبرها حجة وهي تعكس تكوين تجريدي وهو عبارة عن مثلث داخل مستطيل. والأواني كما ذكرت هي عبارة عن حجة لتنويعات غير محدودة من الأشكال واللعب الكبير بالخط على هذه الأشكال وهو يقع ما بين الصرامة الخاصة بالتكوين وبين العفوية الخاصة برسم الخطوط من جهة ثانية. فهذا النوسان بين الصرامة والعفوية، بالنسبة لرأس السمكة هو ربما يكون عنصر الجذب بالنسبة لي.
وفي الإشارة إلى تقويم هذين العملين أرى أن الفنان هو الإنسان الأسوأ القادر على تقويم أعماله فإن ينقصها حقها وينقدها سلبا أم يبالغ في الإطراء عليها. وأرى أن التقييم الحقيقي لأي عمل فني يخص الآخرين والزمن وهما العنصران القادران على تقييم أي عمل فني. وكذلك فإن الأعمال الفنية بغض النظر عن المعرض، تحتاج دائما إلى زمن طويل حتى تثبت أصالة عمل فني أو عدم أصالته.
فنان عربي
أمضيت 25 عاما في فرنسا لم أحصل على أوراق الجنسية الفرنسية وبقيت محروما من جواز السفر السوري 17 سنة متواصلة ولم اقبل الحصول على جواز سفر فرنسي. وأعتبر ذلك دلالة تشير إلى أن هويتي الحقيقية والدائمة هي هوية فنان عربي يعيش في بلد أجنبي. ولكن قطعا أنا فنان عربي. هل رأيت يوما فنانا فرنسيا غير معتز بفرنسيته، وهل رأيت فنانا يابانيا غير معتز بيابانيته. ولماذا لا نعتزل بانتسابنا للعروبة ولسوريا، نحن مثلنا مثل شعوب العالم فكل إنسان ولد وترعرع في بلد أجداده ومسقط رأسه ينتمي بكل بساطة إلى هذا البلد.
رؤية تراجيدية للحياة
ليس هناك في الدنيا فنان يرسم بصورة عبثية ودون هدف يريد أن ينقله للآخرين وأعماله لن تكون بحال عفو الخاطر، وحتى أي لوحة رسم صغيرة، مهما بدت كقطعة جمالية فهي تعكس مواقفه الحياتية عموما ولذلك يمكنني القول إن الأعمال المعروضة حالية تمثل جانبا من مسيرة كبيرة من العمل فيه الأبيض والأسود التي تعكس رؤية تراجيدية للحياة التي يكمن فيها رؤية احتجاجية لحياتنا، ولكن هذا النفس الاحتجاج غير مصنوع بصورة مباشرة ولا المقصود فيه التحريض المباشر ولكن المقصود فيه الوصول إلى الآخر.
شغف الناس للحرية
أرى أنه بقدر ما تضاعف جرعات القمع في بلد من البلدان يتصاعد شغف الناس للحرية. وأعتقد أن شغفي للحرية كان لدي قبل أن أطأ التراب الفرنسي. وبهذا المعنى أعتبر نفسي أكثر حرية من كل الناس. وصراحة فإن الحرية التي ينعم بها الشعب الفرنسي هي حق انتزعه بتضحيات كبيرة وسكبت على أطرافها الدماء.ولا شك فإن ذلك يشكل للشعوب الأخرى بوصلة ودرسا يقول للشعوب المقهورة إن ثمن الحرية غال، ولن تقطف ثمارها إلا بتضحيات كبيرة هي وليدة عقود وعقود.
عبدلكي في سطور
ولد يوسف عبد لكي عام 1951 في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا، ثم حصل على إجازة الفنون الجميلة في دمشق العام 1976، وبعد ذلك حصل على دبلوم حفر من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس عام 1986، وأنهى دراسته بالحصول على درجة الدكتوراه في الفنون التشكيلية من جامعة باريس الثامنة عام 1989.
اشترك في تظاهرات للرسوم الساخرة في كابروفو في بلغاريا وكنوك هيست في بلجيكا وفي كندا وكوبا وفرنسا وإيطاليا وتركيا والبرتغال. وله دراسات عديدة منها تاريخ الكاريكاتور في سوريا 1975 ودراسة عن رسامي الكاريكاتير العرب 1989.
الزمن هو الحكم العادل
الأعمال الفنية التي كانت متألقة في القرن الثامن عشر باتت اليوم منبوذة الآن لحساب لوحات فنية كانت منبوذة وأصبحت اليوم متألقة وتتباهى بأصالتها. ولذلك فإن الزمن كفيل بالحكم على عمل فني أكثر مما يحكم عليه في اللحظة المباشرة. فعلى سبيل المثال قد تثير لوحاتي إعجاب الكثيرين اليوم والعكس صحيح بعد تقادم الزمن، وكل شيء وارد.
محمد نبيل سبرطلي


