سرت أمام الجامع، واتَّجهت نحو كشك الهاتف القائم في ساحته.. فوجدت شابّاً عشرينيّاً يرتدي الجينز وقد وقف في الكشك يدير قرص الأرقام. كانت أمامه مباشرة ورقة مبسوطة قرأت فيها بسهولة: محمَّد صالح ـ الزرقاء. وإلى الأسفل كان ثمَّة رقم هاتف لم أجد في نفسي رغبة في قراءته.

ورحت أنظر إلى الجهة المقابلة من الشارع، ثمَّ رفعت نظري إلى الأعلى فلاحتْ لي النوافذ الزجاجيَّة للواجهة الجنوبيَّة الشرقيَّة مِنْ مقهى الجامعة العربيَّة المطلَّة على ساحة الجامع، ولم تبدُ لي خلفها أيَّة مظاهر للحركة. ورأيت إلى جانب المقهى بابين مغلقين بالطوب، ثمَّ في الأعلى، ساحة صغيرة محاطة بسور دائريّ من القضبان الحديديَّة السميكة، ثمَّ غرفتين مطلَّتين على الشارع. نقلت نظري إلى الجانب الأيسر مِنْ مدخل شارع بسمان.. ورأيت في الطابق الثاني من المبنى الواقع في زاوية الشارع لافته قماشيَّة كبيرة تعلن عن افتتاح ستوديو تصوير جديد قريباً. ثمَّ إلى يمينها وأعلى منها قليلاً، رأيت لافتة معدنيَّة قديمة كُتِبَ عليها «سوق البتراء».. وفكَّرت مستغرباً بأنِّي لطالما مررت مِنْ هذا المكان نفسه ولم أفطن لوجود هذه اللافتة.

ثمَّ نظرت إلى الكشك؛ فرأيت الشاب الذي يرتدي الجينز يعيد تدوير قرص الهاتف مِنْ جديد. وأخذت أنظر إليه. ولكنَّه عاد فدوَّر القرص مرَّة أخرى. فنظرت إلى الجهة الأخرى.. ثمَّ إلى كشك قريب لبيع الكتب الدينيَّة والبخور وأشرطة التسجيل الدينيَّة التي تحوي بعض التلاوات والتراتيل، إضافة إلى بعض الخطب والمواعظ. وكان في أعلى الكشك مكبِّرٌ للصوت، رحت أسمع بواسطته صوت خطيب يعظ الناس وهو يتحدَّث بخليط من اللهجة المصريَّة واللغة الفصيحة. وسمعته يقول: ونقلوا الجثمان على عربة مدفع. وهذه بدعة لم تكن موجودة في زمن المسلمين الأوائل. ورحت أنظر إلى امرأة شابَّة بملابس فضفاضة كانت تقطع الشارع قادمة مِنْ الزاوية المقابلة، وفجأة برزت سيَّارة مسرعة بعض الشيء، ثمَّ سمعت صوت احتكاك العجلات الحاد بالأرض ورأيت السيَّارة تتوقَّف دفعة واحدة. ارتبكت المرأة قليلاً.. ثمَّ واصلت سيرها بسرعة.

وأخرج سائق السيَّارة رأسه من النافذة وقال لها شيئاً لم أتبيَّنه، لكنَّها لم تلتفت إليه. فأعاد رأسه إلى الداخل، وتحرَّك بسيَّارته مِنْ جديد. ثمَّ سمعت صوت الواعظ مِنْ سمَّاعة كشك الكتب يقول:( وقال له اصعد. آل أيه؟ قال اصعد. ما قالشي اطلع. ما قالشي تعالى. ما قالشي ارتفع. قال اصعد. واخدين بالكو ازَّاي؟

ونظرت إلى كشك الهاتف، فوجدت الشاب الذي يرتدي الجينز لا يزال يواصل محاولاته للاتِّصال برقمٍ ما. وعدت أنظر إلى الشارع؛ كانت المحلاَّت مغلقة بسبب عطلة نهاية الأسبوع، وكان قليل من الناس يسيرون في الشارع وقليل من السيَّارات أيضاً. وعند الزاوية الواقعة إلى اليسار، في مدخل شارع بسمان، كان ثمَّة بائع صحف رصيفيّ يقف قرب بضاعته.

بينما كانت ثمَّة عند الزاوية الأخرى المقابلة لزاوية بائع الصحف، وفي مدخل شارع بسمان أيضاً، كافتيريا تبيع الساندويشات والعصائر، كان أمامها زبون واحد يتناول ساندويشته على مهل وهو واقف. ثمَّ سمعت باب الكشك ينفتح، ونظرت فرأيت الشاب يخرج مِنْه، حاملاً بيده اليسرى الورقة التي كان ينقل منها رقم الهاتف الذي كان يحاول الاتِّصال به.

أمسكت الباب الزجاجيّ المحاط بإطار معدنيٍّ عريض، منْ مقبضه، وسحبته، ودخلت، ثمَّ تركته ينطبق ورائي مِنْ تلقاء نفسه، وتناولت قرشاً مِنْ جيب بنطالي، وضعته في مدخل الفتحة المخصَّصة له في الصندوق القائم تحت جهاز الهاتف، ثمَّ أدرت قرص الأرقام ورحت أُنصت إلى أن جاءني صوت طنين طويل متقطِّع، وعندئذٍ ضغطتُ القرش فسقط في الصندوق. وما لبثتْ سمَّاعة الهاتف في الجهة الأخرى المطلوبة أن رُفِعَتْ، إلا أنَّ الخطّ انقطع قبل أن أنطق بكلمة. وتناولت قرشاً آخر مِنْ جيبي، وضعته في فتحة الهاتف، وأدرت القرص، وجاء الطنين الطويل المتقطِّع، ثمَّ رُفِعَتْ السمَّاعة، وقالت امرأة: آل....

ولكنَّ الخطَّ انقطع مرَّةً أخرى؛ فاستدرتُ، وفتحتُ باب الكشك وخرجت. مررت بجوار كشك الكتب الدينيَّة ونظرتُ مِنْ دون تركيز إلى الكتب المعروضة في واجهته وعلى الرصيف بجواره. فنظر البائع الواقف أمام الكشك إليَّ. ولكنَّني أبعدت نظري عنه، وواصلت سيري، ثمَّ قطعت الشارع باتِّجاه الزاوية المقابلة. ثمَّ انعطفتُ إلى اليمين وسرت حتَّى زاوية الشارع الأخرى، ومِنْ هناك قطعت باتِّجاه الزاوية الأخرى المقابلة، حيث يوجد محلا عصير متقابلان، بينهما دخلة صغيرة مسدودة. توقَّفت عند المحل الواقع إلى يساري، فرأيت شابّين يقفان في داخله، نظر أحدهما إليَّ مستفهماً؛ فقلت: عصير تفّاح.

حنى رأسه، قائلاً: حاضر.

وراح ينظِّف آلة العصير. ثمَّ أمسك بحبَّة تفَّاح صفراء وقطَّعها بسكِّين صغير، وأدار الآلة، وراح يضع قطع التفَّاح فيها. أخرجتُ من جيبي خمسة عشر قرشاً، ومددتها إليه، لكنَّه لم ينتبه، فمددتها إلى الشاب الواقف بجانبه، غير أنَّه تطلَّع إليَّ، ولم يمدّ يده. وانتبه الآخر لي، فأخذ النقود منِّي، وهو يواصل وضع قطع التفَّاح في الآلة، ووضَعَها في صحن معدنيّ، أمامه على الرف، مليء بالقطع النقديَّة البيضاء والنحاسيَّة، بينما كان الشاب الواقف بجواره يتابع حركة يديه بلا مبالاة. أوقف حركة الآلة، ثمَّ تناول الكأس المليء بالعصير وناوله لي قائلاً باللهجة المصريَّة: تفضَّل يا بيه.

أخذت الكأس مِنْ يده، وقلت: شكراً.

وشربته على ثلاث دفعات متقاربة.. وفي أثناء ذلك رأيت الشاب يبحث بيده في صحن النقود. ثمَّ ناولني ثلاثة قروش وهو يقول: صحَّة وعافية.

أخذت النقود وقلت: شكراً.

ثمَّ استدرت يساراً وواصلت سيري. فمررت بعددٍ مِنْ محلاَّت الملابس والحقائب الجلديَّة والبلاستيكيَّة، ثمَّ بمحلٍّ لبيع الزهور عند الزاوية.. وعلى بعد أمتار منه كان ثمَّة كشك لبيع الكتب والصحف والمجلاَّت. وقد وُضِعتْ بالقرب مِنْ نافذته لافتة ورقيَّة بيضاء بقياس 15سم*30سم تقريباً. كُتِبَ عليها بخطٍّ عريض: يوجد لدينا آلة لتصوير الوثائق والمستندات.

وإلى اليمين، بجوار محلّ الزهور، كان ثمَّة كشك آخر للهاتف. وجدت في داخله شابّاً، يرتدي بذلة بنيَّة جديدة وقميصاً بلون «بيج»، كان يدير قرص الهاتف. وسمعت صوت بوق سيَّارة إسعاف آتٍ مِنْ جهة شارع وادي السير.. وكان عددٌ قليل من السيَّارات يسير في الشارع، فراحت تخلي الطريق على الفور لسيَّارة الإسعاف التي ما لبثت أن جاءت مسرعة. ورحت أنظر إليها. والتفتَ الشاب الواقف في كشك الهاتف إليها قليلاً ثمَّ واصل محاولاته للاتِّصال برقمٍ ما. ومرَّت السيَّارة وانعطفتْ إلى اليمين، ثمَّ اختفتْ بينما ظلَّ صوت بوقها مسموعاً.

وما أن اختفى حتَّى دوَّى بوق سيَّارة إسعافٍ ثانية من الاتِّجاه نفسه، وأفسحت لها السيَّارات في الطريق، ومضتْ مسرعة في الاتِّجاه نفسه الذي سبقتها إليه السيَّارة الأولى. وضع الشابّ سمَّاعة الهاتف، وفتح باب الكشك ثمَّ خرج. ورأيته بعد ذلك يتَّجه إلى الشارع المقابل، بينما كنت أفتح الباب وأدخل إلى الكشك. وتناولت مِنْ جيبي قرشاً، وضعته في المكان المخصَّص في الهاتف، ورفعتُ السمَّاعة، وأدرتُ القرص، فجاءني الرنين الطويل المتقطِّع، ورُفِعتْ السمَّاعة في الجهة الأخرى المطلوبة، فضغطتُ القرش لكنَّه لم يسقط في الصندوق، وانقطع الخط.

وضعتُ السمَّاعة وسحبتُ القرش، ثمَّ سمعت صوت بوق سيَّارة إسعاف ثالثة.. وعندما أقبلتْ رحت أنظر إليها؛ كان يقودها شابٌّ عشرينيّ بلباس الدفاع المدنيّ الكحليّ اللون.. وكانت مسرعة أيضاً مثل سابقتيها، وانعطفت مثلهما إلى اليمين، بينما كان المارَّة القليلون في الشارع ينظرون إليها بلا مبالاة. واختفت السيَّارة وهي تواصل إطلاق صوت بوقها بلا انقطاع. ووضعتُ القرش مرَّة أخرى في الهاتف، وأدرت رقماً آخر غير ذاك الذي كنت أديره حتَّى الآن، وجاء الرنين إيَّاه، ورُفِعتْ السمَّاعة الأخرى، وأسقطتُ القرش، ولكن بينما كنت على وشك أن أقول: «مرحبا».

انقطع الخط، من دون أن ينطق أحد في الجهة الأخرى أيضاً. وضعتُ السمَّاعة، واستدرت، وفتحت الباب. وخرجتُ. ومررتُ بجوار كشك الكتب المغلق. التفتُّ إلى اليمين، فرأيت سيَّارتين صغيرتين مقبلتين بسرعة من زاوية الشارع المقابلة لسوق السكَّر. فانتظرت على الرصيف، ورحت أنظر إلى محلٍّ صغير لبيع الأشرطة يقع في الجهة المقابلة.. وسمعت مِنْ هناك صوتاً نسائيّاً يقول بنبرة إذاعيَّة مصطنعة: مع الكلمة الرقيقة المعبِّرة للشاعر المبدع الأستاذ عبد الوهَّاب محمَّد، ومع اللحن الرائع الأصيل للأستاذ بليغ حمدي.

ومرَّت السيَّارتان، وبعد ذلك قطعتُ الشارع بسرعة وأنا أنظر إلى سيَّارة أخرى أطلَّتْ مِنْ أوَّله. وعندما صرت على الرصيف الآخر، انعطفتُ إلى اليسار، وسرت قليلاً. كان ثمَّة على اليمين محلّ صرافة مغلق. وقطعت الشارع النازل من الشابسوغ بسرعة. وسرتُ على الرصيف المجاور لسوق الذهب. كان سوق الذهب مغلقاً أيضاً. ومررتُ بجوار مطعمٍ للحلويَّات، لم يكن فيه أحد سوى البائع. نظرت إليه قليلاً وأنا أمشي، ونظر إليَّ بتكاسل. وواصلت سيري إلى أن بلغتُ مطعم القدس في شارع السلط، فوقفتُ أمامه.

انتبهت فجأة إلى أنَّني كنت أحمل، طوال الوقت، حقيبةً تحوي يوميَّاتي التي كتبتها عندما كنتُ في السجن. وجاء الشرطة وأخذوا بعض الناس من الشارع، ولم أكن مِنْ بين المطلوبين أو المعنيّين بالأمر، لكنَّهم أخذوني مع مَنْ أخذوا. ورحتُ أسير أمامهم محاولاً إخفاء حقيبتي لكي لا ينتبهوا لها، فيأخذوها منِّي ويصادروا يوميَّاتي؛ الأمر الذي يضع حدّاً نهائيّاً لمشروع إصدارها في كتاب كما كنت أخطّط منذ مدَّة طويلة.

لكنَّني ما لبثتُ أن فكَّرتُ بأنَّني ربَّما كنت استخدم الأسلوب الخطأ في التستُّر عليها؛ إذ قد تلفت نظرهم المحاولات المرتبكة التي كنتُ أقوم بها لإخفاء الحقيبة فينتبهون لوجودها معي ويأخذونها منِّي. لهذا غيَّرت أسلوبي؛ فرحت أحاول التصرُّف على نحوٍ طبيعيّ تماماً، وأحمل حقيبتي بصورة عاديَّة كما لو أنَّها لم تكن ذات أهميَّة.

بعد ذلك أخذونا إلى مكانٍ لا أعرفه ولا أعرف أين يقع بالضبط. فقد كان ثمَّة شارع عريض تنبسط أمامه ساحة واسعة، ومن وراء الشارع كانت ثمَّة هوَّة حادَّة وجدار استنادي يهبط مِنْ حافَّة الشارع إلى أسفل الهوَّة. وكان المعتقلون يقفون في مجموعات متناثرة في الساحة.

ولم تكن في أيديهم قيود، بل كان يحرسهم شرطي أو شرطيَّان؛ لستُ متأكِّداً مِنْ ذلك تماماً. ونظرت بعيداً إلى الأسفل فرأيت ساحة أخرى مسفلتة ورأيت فيها معتقلين أيضاً وشرطة يحرسونهم وهم يروحون ويجيئون. وكان ثمَّة في الطرف الأمامي من الساحة مبنى يشبه محطَّة لتصليح السيَّارات، وكانت ثمَّة آليَّات ومعدَّات متناثرة في الساحة. وفجأة رأيت شخصاً يهوي من حافَّة الشارع العريض إلى الساحة السفليَّة البعيدة.

رحتُ أنظر إليه هلعاً، ورأيته وهو يحاول، مرعوباً ومِنْ دون جدوى، أن يتشبَّث بالجدار الاستنادي في أثناء انزلاقه السريع عليه. وجاءت ماريَّا وهي تركض رشيقة نحوي وألقت بنفسها عليَّ وعانقتني طويلاً، احتضنْتُها بقوَّة، وأنا ممسك بحقيبة يوميَّاتي، وبادلتُها العناق، وعندما انتهينا مِنْ ذلك ألقت برأسها على صدري وأغمضتْ عينيها، وبدت كما لو أنَّها انصرفت تماماً عن التفكير في أيّ شيء، وفي هذه اللحظة صمت كلّ شيءٍ مِنْ حولنا؛ فلم أعد أسمع سوى صوت أنفاسها العميقة ونبض قلبها المنتظم. ورحتُ أفكِّر في أبيات جميلة مِنْ قصيدة لبابلو نيرودا:

«أحبُّكِ دون أن أعرف كيف، ولا متى، ولا مِنْ أين،

أحبُّكِ بلا مداورة، بلا كبرياء، بلا مشاكل

هكذا أحبُّكِ، لا أعرف أن أحبّ بشكلٍ آخر

أحبُّكِ هكذا، دون أن أكون، دون أن تكوني

أحبُّكِ عن قربٍ جدّاً بحيث تصبح يدكِ التي على صدري يدي.

عن قربٍ جدّاً إلى حدّ أنَّ عينيكِ تغمضان حين أنام».

لكنَّني فجأة تعثَّرتُ وسقطتُ على الجدار الاستنادي، فإذا بي أتشبَّث بحافَّته العليا المحاذية للشارع وحقيبتي بيدي. غير أنَّ الجدار، كما تبيَّن لي، كان مغلَّفاً بقطعة كبيرة من المطَّاط الأسود، وقد انفصل القسم العلويّ منها ـ يا لرعبي ـ مشكِّلاً، عند الموقع الذي كنت أمسك به، رأس زاوية منفرجة، قاعدتها القسم الذي أصبح عارياً من الجدار. ورحت أتأرجح مرعوباً، ثمَّ رحتُ أستنجد بالواقفين على الشارع العريض وفي الساحة العليا التي تحاذيه: أنجدوني.. أنجدوني.

وأثار دهشتي أنَّني قلتُ ذلك بالفصحى. وفي هذه الأثناء رأيتُ ثلاثة معتقلين كانوا على مقربة منِّي وهم ينظرون إليَّ ويسمعونني أستنجد بهم ولكنَّهم لم يحرِّكوا ساكناً. فشعرتُ بالغضب والخذلان، ومع ذلك فقد رحتُ أكرِّر استغاثتي بهم وبسواهم: أنجدوني.. أنجدوني..

ولكن مِنْ دون جدوى.

وجاء شخصٌ لا أدري مِنْ أين، فاقترب منِّي، ومدَّ يده إليَّ، إلا أنَّ قدمه انزلقتْ، ومال إلى الأسفل وكاد يسقط في الهاوية، لولا أنَّني تأرجحتُ بزاويتي المطَّاطيَّة إلى الأمام ودفعته بعيداً عن الحافَّة، فأصبح في مكانٍ بعيد على الشارع العريض، وكفَّ عن محاولته لإنجادي. وعندئذٍ التفتُّ إلى ماريَّا ورجوتها أن تأخذ حقيبة يوميَّاتي وتحافظ عليها ريثما أتمكَّن مِنْ إصدارها في كتاب. لكنَّها دقَّت الأرض بقدمها، وبدا لي أنَّ أسنانها كانت تصطك، «وقالت وهي تنشب أظفارها في قفّازها الجلديّ: أتعرف؟ أريد أن أتزوَّج.

قلت: حسنٌ؛ تزوَّجي. أستطيع تحمُّل ذلك؛ ترين مقدار هدوئي كنبض جثَّة. كنتِ تقولين: جاك لندن، المال، الحبّ، الهوى.. لكنَّني شيئاً واحداً رأيت؛ أنتِ جيوكندا لا بدَّ أن تُسرق وسُرقتِ».* ثمَّ ضممتُ القسم المتكوِّر من المطَّاط بقدميّ وساقيّ، وفوجئت بأنَّه كان طريّاً إلى حدّ أنَّني تمكَّنتُ بسهولة مِنْ حشره بين ساقيّ. وضعت حقيبتي في حضني، وأمسكت رأس الزاوية المطَّاطيّ بكلتا يديّ. وظللتُ أمسك به، وهو يواصل الانفصال عن الجدار، وأنا أهوي متدرِّجاً إلى الأسفل. ولكن بينما أنا كذالك نظرتُ إلى الواقفين في الأعلى، وقلتُ لهم.. لكن بعينيّ فقط: ها أنا قد حللتُ مشكلتي مِنْ دون مساعدتكم.

ثمَّ واصلتُ الهبوط، وقد زال رعبي تماماً، وملأ نفسي بدلاً مِنْ ذلك شعورٌ عميق بالراحة والطمأنينة؛ الأمر الذي بدا لي غريباً في موقفي الحرج ذاك. وعندما لامستْ قدماي أرض الساحة السفليَّة المسفلتة، تمسَّكتُ بحقيبتي جيِّداً، ثمَّ رحتُ أنظر حولي؛ فرأيت شرطيّاً مسلَّحاً ببندقيَّة رشَّاشة، يقف إلى جانب بعض المعدَّات وهو ينظر إليَّ بانتباه. تجاهلته وسرتُ باتِّجاه المخرج الواسع، في الجهة الأخرى من الساحة، الذي بدا لي مفتوحاً ولا يقف عنده أحد. لكنَّ الشرطي، صاح بي: أنتَ.. إلى أين؟

ولا أعرف كيف واتتني البديهة؛ فقلت له: لقد رأوا، هناك، عذابي الذي عانيت منه الأمرَّين، وأنا أتأرجح على الجدار الاستنادي؛ فاكتفوا به عقاباً لي، وأطلقوا سراحي.

لم أقل له بأنَّني لا أعرف السبب الذي مِنْ أجله عاقبوني.

ولم يعلِّق الشرطي، لكنَّه سمح لي بالمرور. وعندما خرجتُ مِنْ هناك في النهاية، كنت أشعر بالغبطة والظفر؛ لأنَّهم رغم كلّ شيء لم يأخذوا منِّي حقيبتي.

القاص في سطور

ولد سعود مصبح قبيلات في مليح/مادبا بالاردن عام 1955، حصل على بكالوريوس علم نفس من الجامعة الأردنية عام 1982 مارس بعد تخرجه العمل النقابي، وعمل محرراً في جريدة آخر خبر، ويعمل حالياً معداً ومقدماً لبرامج ثقافية في إذاعة عمان، وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين، والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ومنتدى الفكر الاشتراكي.

من مؤلفاته:

1- في البدء ثم في البدء أيضاً (قصص) رابطة الكتاب الأردنيين، عمان، 1981.

2- مشي (قصص) دار أزمنة، عمان، 1994.

3- بعد خراب الحافلة (قصص) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2002.

أبيات لنيرودا

«أحبُّكِ دون أن أعرف كيف، ولا متى، ولا مِنْ أين،

أحبُّكِ بلا مداورة، بلا كبرياء، بلا مشاكل

هكذا أحبُّكِ، لا أعرف أن أحبّ بشكلٍ آخر

أحبُّكِ هكذا، دون أن أكون، دون أن تكوني

أحبُّكِ عن قربٍ جدّاً بحيث تصبح يدكِ التي على صدري يدي.

عن قربٍ جدّاً إلى حدّ أنَّ عينيكِ تغمضان حين أنام»

سعود قبيلات