تبدو الفاصلة ضعيفة بين الرصيف والشارع وربما تتلاشى إلى حد الضمور. ثمة خط غير مرئي يفصل الاثنين لكنه سيكون رابط الوصل بينهما أيضاً، فجغرافية الشارع غير جغرافية الرصيف مع أنهما على خط تماس واحد من البداية إلى النهاية، فلا يوجد رصيفٌ بلا شارع ولا شارعٌ بلا رصيف. هذه جدلية طبيعية في معمار البناء والتخطيط الهندسي للشوارع والأرصفة.

هذا الخط غير المرئي يذكرنا بقول الشاعر الجواهري في قصيدته الشهيرة (يا دجلة الخير) التي يقول فيها: (حيّيتُ سفحكِ ظمآنا ألوذُ به لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطينِ) ترى ما هو الحد الفاصل بين الماء والطين الذي قصده الجواهري؟ لا نريد الإفاضة في تفصيل شعري تفسيري محدد بقدر الإشارة إلى أن الحد الفاصل بين الماء والطين هو ما يدور في رؤوس الحمائم التي وحدها تعرف ماذا يوجد بين الماء والطين. أقصد ذاكرة الحمائم وحدها تجد الخيط السري غير المرئي بين الماء والطين فتلوذ به. فلا الشارع يعرف لماذا وضعوا له رصيفاً ولا الرصيف يفسر كيف أنه صار أعلى من الشارع!

وإن أردنا الاقتراب لمعاينة ثقافة الأرصفة في شوارع دبي على سبيل المثال سنترك الحد الفاصل بينها وبين الشوارع لذاكرة السابلة أو ذاكرة السيارات إذا أردنا أنسنتها بطريقة ما. فالذاكرة هنا مفردة وجمعية، لها ما لحمائم الجواهري من قوة تشخيص على استحضار الغامض من الأشياء التي تراها بعين خاصة لا نراها عادة كما هي، أما إذا تركنا الحد الفاصل بوصفه حداً إسمنتياً أو قيرياً فالمعنى سيختلف كثيراً لسببين. الأول نكون قد شخّصْنا سلفاً (نوع) الحد المطلوب فإما هو إسمنت وإما هو قير وهنا تنتفي معاينة «ذاكرة» الرصيف بوصفه خرج عن قانون التأويل.

وثانياً ينبغي أن نتعامل مع ما يحمله الرصيف من كائنات مادية وغير مادية بعين محايدة تتطلع إلى النوع الثقافي الذي يعرضه الرصيف لنرى شكل النسق الثقافي العام الذي تؤلفه تلك الكائنات المجتمعية المتحركة، مختلفة المناشئ والتي تنتج ثقافاتها الخاصة بطريقة العرض الاستهلاكي المختلف وبالتالي تجتمع قيم أخلاقية متعددة في نسق ثقافي واحد هو نسق المدينة الجامعة لكل هذه الكائنات على أرصفتها الكثيرة. - النسق الثقافي للرصيف: الشارع للسيارات في فرضية التنظيم المروري كما هو الرصيف للسابلة وكما هي حركة الناس التي يتطلبها الوعي الجمعي بضرورة احترام القوانين المرورية العامة وكما هي المحلات المتراصفة على واجهات الأرصفة التي تعرض منتوجاتها الثقافية في مجتمع استهلاكي قائم على العرض والطلب المحلي والوافد على حد سواء ومن أوجهه المتعددة.

يمكن أن نرصد حركة الرصيف في دبي من زوايا مختلفة واتجاهات عديدة عبر محورين. الأول افتراضي والثاني واقعي. فالأول يحيلنا إلى حمائم الجواهري وذاكرتها الغامضة في العثور على الحد الفاصل بين الماء والطين. والثاني يحيلنا إلى طقس حركي يومي يتوفر على الكثير من المشاهدات العيانية المنظمة والعشوائية لحركة الناس في مساراتهم المختلفة إلى الاتجاهات كلها.

وكما أن شوارع دبي تكتظ بحركة السيارات فإن أرصفتها تكتظ بحركة البشر وتكتظ بالمحلات والمطاعم والفنادق لاسيما في بؤرتها الاجتماعية «ديرة» المركز العاصف بالحركة الجماعية العشوائية التي تشكل نسقاً ثقافياً منتظماً في صيرورة دبي عامة كمدينة ذات عدسة جامعة لهذه الأنساق الثقافية.

أرصفة الماضي.. أرصفة الحاضر

حينما نبحث عن أنواع الأرصفة الكثيرة في دبي يتوجب أن لا نبحث عن أشكالها، فالشكل لا يحدد النوع مهما كان، فأرصفة دبي متحولة بسبب الإعمار والبناء اليومي الذي تنشغل المدينة به على مدار الوقت، لكن علينا الإمساك بأرصفة لها ديمومة يومية تجاوزتها خطة البناء وهي كثيرة لاسيما في وسط دبي القديمة التي تحتفظ بذاكرة حمائم الجواهري لأنها شاهدٌ على تاريخ مضى وحاضر جاء بمستجداته الكثيرة والكبيرة وتحتفظ بالحد الفاصل بين الرصيف والشارع.

فسوق نايف مثلاً صنعته الشوارع والأرصفة ورسمت حدوده بخريطة محلية لها سمات الماضي المعروفة، ومع أن شيئاً من العمارة الحديثة امتدت على أرصفته المتداخلة إلا انه ظل كما هو محتفظاً بسماته الشخصية والاجتماعية، فكانت الأرصفة تحمل الكثير من آثاره وما تزال تؤجج فيه العودة إلى الماضي وكأنما ترفض خطوات التحضر الذي تحيط به من كل جانب.

هناك أرصفة الماضي وهناك أرصفة الحاضر وهناك أرصفة عاشت بين الزمنين. وكل هذه الأنواع لها وقفات قصيرة في مستقبل هذه الكتابة حينما نشرع بالبحث عن ثقافاتها المتعددة في مدينة تحاصر الجميع بجمالياتها المختلفة ؛ فالرصيف المسافر هو النوع القريب إلى تشخيص زمني الماضي والحاضر كرصيف خور دبي الضاج بسفنه المسافرة كما أرصفة الموانئ والمطارات والحدود، فعلى امتداد الكورنيش وحتى خور دبي والى «العَبْرَة» يتجمل الرصيف المسافر بهواء البحر وشتلات الزهور المحيطة به ويحتضن السفن التجارية وسفن الصيد وسفن المطاعم المتنقلة.

حركة دائبة توحي بالسفر عبر البحار كما توحي بالزمن المتسارع. صناديق وبضائع وأكياس وأخشاب ومواد غذائية. رصيف مسافر هو الآخر لكن عبر الزمان في مكان ثابت. تتغير عليه المواسم والفصول والوجوه واللغات والمراكب لكنه يبقى في سفره الثابت متطلعاً إلى حركة المدينة وهي تنهض في كل لحظة وتتزين بأزياء الحضارة.. عمارات شاهقة تصطف وتكنولوجيا تحرر الحياة من رتابة الروتين وتدخلها إلى فضاءات أوسع وأذكى في سبيل الالتحاق بعصر ينمو بسرعة مذهلة.

نسق الأرصفة

الرصيف الاجتماعي هو من أرصفة الماضي ودبي القديمة تعج بالأمكنة القديمة المتوارية خلف حداثة البناء الجديد وقد يأتي مثالنا على مناطق «ديرة» لأنها الأقرب إلى هذا النموذج الباقي بصلاته التراثية والاجتماعية اليومية، مع أنه فقد الكثير منها بسبب كثافة الوافدين الآسيويين الذين استوطنوا مناطقه لرخص أجور السكن فيه، لكن دبي القديمة بشقيها على سبيل المثال، تشكل العلامة الأبرز في النوع الاجتماعي، فأرصفتها دائرية تشرف على دكاكين صغيرة وفنادق بخمس نجوم وشقق جماعية للعزاب وبيوتات متخاذلة أمام دورة الزمان.

سوق نايف نموذج للأرصفة المتكاتفة التي تخلق بؤرتها حوله وتجعل منه مركزاً مطلوباً لا غنى للآخرين عنه. سلعهُ مطلوبة للاستهلاك السريع. أثمان بضائعه مناسبة للجميع. رصيف الخور يتقارب معه في وحدة اجتماعية مضمونة.. النسق الثقافي آسيوي بامتياز مع خليط أفريقي وعربي يتكامل في دورة حياتية تشبه الإبداع على أرض دبي.

يشكل الرصيف الاجتماعي ذاكرة اجتماعية عامة لمدينة دبي وكونها مدينة بحرية يأتي نسقها الثقافي الاجتماعي بخليط من حكايات البحر والغوص والصيد واللؤلؤ. قد لا يفقهه العابرون في المدينة، لكن قدامى الساكنين هنا يستطيعون استحضار الماضي ويتذكرون: أن لا أرصفة كانت تحدد مسالك الطرقات، بل كانت الرياح البحرية هي التي تحدد مسالك الحياة!

أرصفة الأشجار

الرصيف السياحي نوع من الأرصفة الخاصة التي تحرص المدن المتحضرة على تنقيته من شوائب كثيرة، فالسياحة في دبي عصبٌ مهم في استقدام الآخرين من القارات كلها، لذلك فالرصيف السياحي إيقونة دالّة على فاعلية ثقافية مستديمة بكامل تجلياتها المختلفة، وقد لا تسعفنا المساحة لتأشير هذا النوع من الأرصفة بشكل دقيق لكن أمامنا مؤشرات معلومة عليه، فأرصفة الجميرا مثلاً تقود إلى أكبر صرح معماري فندقي هو برج العرب ومعه بقية الفنادق ذات الطرز المعمارية المستوحاة من تراث المدينة، الشراع. الموجة. السفينة. الخيمة.

ولو عدنا إلى داخل دبي سنجد الكثير من الأرصفة تؤشّر على وجود فنادق ذات قيمة عمرانية تشي بجماليات شتى، وقريباً من مطار دبي (المبنى 2) والى نفق الراشدية ثمة رصيف أخضر لوّنه خضار الحشائش وأشجار الآس المعمولة بأشكال جاذبة فتلاشى الإسمنت أمام بهجة الزرع ولم يبق منه إلا مسار ضيق بمسافة قدمين، كذا الأمر للرصيف الواقع أمام فندق نوفوتيل فهو الآخر متماه مع اخضرار فاقع يبث لون الصباحات الجميلة في عيون الناظرين.

وأرصفة الأشجار يمكن مشاهدتها في كل مكان من المدينة مكتسية بالورود وشتلات الأزهار المختلفة، وهي كلها أرصفة سياحية تحقق الربط النفسي بين المدينة وبين زائريها من شتى الأصقاع. أرصفة الأشجار الخضراء مزيج سياحي من الورود والأزاهير والشتلات تشغل الرصيف بمناظر الطبيعة الملخَّصَة كأنما هي حدائق متنقلة تتماوج مع موج الأرصفة الداخلة والخارجة مع شوارع دبي.

ولو تدرجنا إلى أرصفة الماضي، إلى بؤرة دبي، سنجد الكثير من الأرصفة الغنية بمتطلبات اجتماعية وسوقية تجتذب السياح الأوربيين على وجه الخصوص، فأرصفة ديرة تقود إلى مسالك سوق الذهب مثلاً أكبر تجمع تجاري لبيع وشراء الذهب وهذه الأرصفة تندرج ضمن قائمة أرصفة السياحة، ومع أن المكان حافظ على قيمته التراثية ولم تدخله موضة الحداثة المعمارية والعمرانية، إلا أنه بات سوقاً جاذبة للسياح والمقيمين والمواطنين. وكذا أرصفة الخور من الضفة الثانية حيث تقود وتحصر مدناً صغيرة لها قوام تراثي محلي لا يزال باقياً كما كان كالبستكية والشندغة.

الرصيف كمرآة اجتماعية

رصيف العلاقات العامة أو رصيف العلاقات الاجتماعية رصيف يتحرك بحركة السابلة ذهاباً وإياباً راصداً بسرية تامة أفكار الآخرين، نساءً ورجالاً، وهذا الرصيف هو كل الأرصفة مجتمعة، كونه الوحيد الذي يشهد زيجات غرامية عابرة أو تحرشات عاطفية مبعثها التوترات النفسية لطول الكبت والحرمان أو يسجل ذكرى لامرأة ورجل التقيا في مساحته الصغيرة مصادفة فتوطدت المصادفة إلى حضور اجتماعي عميق المعنى والدلالات. وثمة مَن تعرف على آخرين في مصادفات الأرصفة لعلاقات إنسانية لا هدف من ورائها سوى تثبيت الحضور الشخصي في أفكار الآخرين أو الوصول إلى محطات أخرى في العالم عبر صداقات ظريفة كونتها أرصفة دبي التي تحتضن الجميع..

ثقافة الرصيف تعكس ثقافة سالكيه، والرصيف مرآة مجتمعية يمكن أن نرى عبرها ثقافات كثيرة عبر الموديلات والموضات الوافدة من مناشئها، في الألبسة والكهربائيات والصحف والمجلات ورسومات الواجهات الصغيرة منها والكبيرة والتسميات والعناوين والرموز والإشارات واللغات ؛ فشيوع مقاهي الإنترنت بات علامة من علامات المدن ذات النسق الثقافي المعاصر.

فمع الأمتار الممتدة على طول الأرصفة لابد من وجود مقاهٍ أنترنيتية تتعاقب باضطراد وتستوعب زبائنها مع ساعات الليل والنهار، فثقافة الكومبيوتر ومشتقاته المثيرة أضحت هاجس الجميع على مختلف مستوياهم العلمية والثقافية ومختلف لغاتهم الوافدة إلى دبي. وهذا الجانب يحقق أهدافاً جمة لشرائح وافدة مختلفة ليس أقلها الاتصال المجاني بالدول كلها وتحقيق نوع من التواصل الاجتماعي الأسري في المشاهدة الحقيقية للآخرين، ولا نريد الخوض في هذا التفصيل المفهوم لكننا نقول أن سهولة وجود هذا النوع من المقاهي يوفر انفتاحاً نفسياً للشرائح ذات الدخل المحدود التي تضطرها ظروف العمل على إقامة طويلة الأمد.

أرصفة المتسولين لا وجود لها في دبي وإن يحاول بعضهم التسلل إلى الأنفاق الصغيرة لكسب بعض الدراهم لاسيما من النساء، غير أن الظاهرة محاصرة بالرقابة اليومية. أرصفة الماضي والحاضر تجتمع في فصول المدينة. تنمو معها وتستطيل تحت إعمار لا ينتهي. أرصفة داخلية وخارجية. عامة وخاصة. رسمية وشعبية.

أرصفة للتاكسيات وأخرى للحافلات وغيرها للمقاهي والكافتيريات ومحلات التجارة والماكياج والحلاقة. أرصفة الذكرى والغرام. أرصفة الأمل واليأس القديم. أرصفة للعبور وأخرى للتأمل وثالثة لسفر لا ينتهي.. أرصفة الليل أكثر الأرصفة حركة وتواشجاً مع الحياة المستمرة لكنها غامضة بعض الشيء.. أرصفة النهار مكشوفة وجليّة ومنها كانت هذه الرحلة القصيرة..

لكن يبقى البحر وحده بلا رصيف.. لكنه ذاكرة الأجيال المتعاقبة.. واسألوا حمائم الجواهري.. لماذا؟

أرصفة سوق نايف

سوق نايف صنعته الشوارع والأرصفة ورسمت حدوده بخريطة محلية لها سمات الماضي المعروفة، ومع أن شيئاً من العمارة الحديثة امتدت على أرصفته المتداخلة إلا انه ظل كما هو محتفظاً بسماته الشخصية والاجتماعية.

وارد بدر السالم