أن النهار بلوغ سن الرشد في عملية أمامية ليس إلا، ذلك وهو ممهور بحكمة النهار الجوفاء، من يطلب وساعة أفق، رحابة مدى في كل شيء ما عليه إلا بالليل، يمكن لليل أن يكون الجامع الأكبر للحَكم، وذلك من خلال صمته الذي يشتعل من الداخل، حكمة الليل تتجلى في أنه لا يدع شيئاً إلا ويغطيه، ليحسن مواجهة نفسه، ليأخذ بالبدايات دورياً بصورة متسلسلة.

أنه يظل في حالة من الشعرية المستمرة، دون أن يسمِع كلمة واحدة، إن ما يتراءى به، وما يسربل به كونَه، ويتميز بلغة تتلاشى دونها اللغات كافة، ما تنثال به ذاكرته الخاصة، عبر حبر يسوّد كل الثغور، حتى من يريد تحويله مداداً، تذويبه داخله، لهي الحكمة الكبرى هنا!

كل الشعوب، الأمم، الكائنات تنطلق من الليل، وترتد إليه، ما يشهده الليل، أكثر مما يشهده النهار، النهار يُخرِج المرء من ذاته، يلزمه بالكلام، يعرضه لسواه، يكون للآخر بالذات، وهو يجمع بين أمرين اثنين، كلاهما عليه وليس له: مكاشفته من قبل المحيطين به، وشعوره الاضطراري بضرورة الكلام، الحركة، ليكون المحيطون به على علم أنه غير مبتعد عنهم. هو المنادى اسم العلم الأكبر، لا شريك لنعماء سواده المهيب، إذ يستغيث به العشاق، من ينشدون فرَجاً، يتكور داخله من يتحرى حقيقة باطنية، وبسرية تامة، من يستثير موتاً أو حياة في آن !

الليل يمنح الحركة، تجسيد الفعل، أي فعل، أخطر الأفعال، حضوراً، مجالاً مفتوحاً. ليس هناك من يأمن جانب الليل، وإن كان يرتاح إليه، إنها ازدواجية فظيعة وأثيرة، ليلية بامتياز: أن يكون فرح بقدوم الليل، وخوف من بقائه، وفي الليل الحالك تحديداً. في الليل يخرج الإنسان الحقيقي، يواجه المرء إنسانه الآخر، أكثر من النهار، فالحقيقة تعرَف كثيراً في مضاء الليل، ولكن من يبصرها، وهي في عتمة الليل؟ لا بد من قوى أخرى، داخليه، تألف الحلكة، وترى الحقيقة من داخل العباب المدلهم، إنها خاصية اليقظة، محفّز الليل في إبراز ما هو خفي إنسانياً!

من الليل، إليه يدرك المحاط بالأزمات، مدى وطأة الليل، طوله الزمني، مخاوفه الكثيرة. يتعرض في ضوء هذه الإقامة الليلية والمهددة له، لجملة الحالات التي يصطدم بها، وخصوصاً، حين يتلمس فيها، ما ليس معهوداً، ومن يتوقع الأسوأ، أو يخطط للأسوأ، يعلم بالحقيقة هذه كثيراً.

ما يشهد في الليل، سلسلة من الولادات، اتّباع قوانين مختلفة، مسلكيات أعراف خاصة، تجسيد تصرفات، نجلي مشاعر، قيامات رغبات مباغتة، بحسب الوضعية التي يتَّخذها الإنسان، وموقعه في المجتمع، إن التاريخ الذي يراد له تغييراً، يُعد له ليلاً، إن الفرز بين قيمة وأخرى، بين امرئ في هذه اللحظة وتلك، وآخر، بين الرجل والمرأة، امتياز ليلي، إن حكمته تعلمنا كثيراً، يبقى علينا تجويد القراءة الخاصة ليلاً.

خذ مثالاً، أو أكثر،يمكن اقتباسه من نار الحكمة الليلية، مثال المأزوم والمعرَّض لأسوأ الاحتمالات، أو وهو يعيش أكثر أزماته المجتمعية، كيف ينقلب عليه كل من الليل والنهار، ويمكن ضبط القول هكذا: يكون هو الخارج عن دورة كل من الليل والنهار، وبدقة أكثر دقة، صوابية، كيف ينقلب على مفهومه، وصلته بكل منهما.

لنأخذ العراقي، اللبناني، الفلسطيني، وسواهم، في دائرة التمزقات والافتئات المجتمعي، مثالاً على نفاذ فعل الحكمة الليلية، ما يمكن أن لليل أن يتعهد به، ويباغت به من يأتنس به. ليس من أحد من هؤلاء، ومن يرادفهم، براغبٍ في الليل، إلا هرباً من عراء النهار، النهار هجاء لاذع مهدّد بالقتل، والليل مدَّاح ذاتي، مضياف بالسكينة، ولكنه لا يضمن السلام لأحد.

يدرك من عنيتُهم، سمَّيتهم بالاسم، ذلك الفارق الكبير بين كل من النهار في شفافيته القناصة، والليل في غوايته الجاذبة، كل ما يجري في أعطاف الليل، قد يؤاسي، ولكنه لا يعلم أحداً بالنقيض، وهذا ما يعلم أولئك. إن القائمين في دائرة التجاذبات الليلية، يقدّرون حكمة الليل، لأنهم يتوارون عن الأنظار، ولكنهم لا يبحثون عن وضع محاكاة، عن تماه شهرياري، إن شهرزاد تجاوزت فتنتها الجسدية، غواية الأنثى المركَّبة فيها.

وقد ملأت التجاعيد وجهها، وفقدت الصوت الرخيم، وفتنة السرد المُرضية للذكَر الشهرياري، فالحكايات الخاصة بها، مستحدثة، إنها ابتلاعية، برمودية، تبعث الرعدة في قلب المصغي، تنتفي فيها صور النساء المخادعات والفاتنات، الحضور الأتمّ للرجال المموَّهين، والمسلحين، والمباغتين لسواهم،وشهريار ذاته، مجردٌ من هيبته الشهريارية، من تلك القيمة التاريخية التي كان يعرَف بها، لا شهريار هنا، إنما منطق العبثية القاتلة، والليل مفتوح على احتمالات كبرى، وكل إضاءة إشهارٌ بمفاجأة لا يُتوخى منها الخير، بسبب خبرة الجاري، ليس من استثناء لأحد. الليل لا ذاكرة له، بحسب تعبير أحدهم، إنه التاريخ المدوَّن على طريقته. هو النقيض المباشر للانضباط، وللقواعد المرعية، كأنما يركّب النهار صاعقياً.

لا أحد يتمنى أن يشرق النهار، عندما يدخل بين حجري رحى التجاذبات الفاتكة، حيث النهار يعِد بالمزيد من الطحن للأجساد، وتذرير الذاكرات، مثلما أن لا أحد يتمنى إطالة الليل، وفي وضع إحراجي، تردُّدي، خوفاً من طعنة مباغتة، وإن كان جسده على أشد ما يكون يقظةَ قوى نفسية، وبين الوضعين، يفقد الجسد خاصيته البشرية المعتادة، ويستعيد ما ليس محسوباً في التاريخ، تلك البرّية غير المألوفة، وحشيته، توثبه للانقضاض على الآخر غير المرئي.

وهو ملفَّع بالصمت، وقد يكون أقرب المقربين إليه، بحسب درجة الخطر، أو سوء الحالة. تكون الذاتية في أشد حالاتها ضراوة، أمضى مقاماتها تكشيراً عن عنف يترقب ضحيته المرتقبة، في منطق تبادلي، يتنقل العنف من جهة إلى أخرى. لأن قانوناً ينتظم فيه ما هو معتبَر إنسانياً، يمثَّل فيه، وعلى قدر التمثيل، يكون المقابل: استشراف هاوية العتمة، والفتك الأكثر تسارعاً، في تصفية الآخر.

إن الاستهانة بالليل، كما هو الممكن ملاحظته هنا وهناك، ليلنا الشرقي بامتياز، أو بجلاء، هي الحقيقة الوالغة في دماء ضحاياها ممن يستخفون بها. ولعل إطلالة على تاريخنا الشرقي، ومن خلال نهاراته ولياليه، تعلمنا بمفارقات مرعبة، وهي التراكم الكمي الكبير، لضحايا النهار، بسبب عدم إيلاء الليل، ودلالاته الحد الأدنى من القيمة. إن مقبرة النهار مسماة من قبل حفار ليلي، لكن ذلك عائد إلى المتجاهل لحقيقته، وهو يستسلم لليله الداخلي، يطلق العنان لرغباته، ويهنأ داخلياً بالليل، وهو يعوم في بحر استهوائياته، غير مواجِه لصورته في مرآته الداخلية، مرآة الليل التي تستطيع أن ترى المتمرأي، وبدقة، ما وصل إليه من سوء، وعبث بالذات.

للنهار كامل المديح، زهو التاريخ المتباهى به، بينما الليل، فهو كصمتِه الأسود، لا يشار إليه، إلا بإيماءات مقتضبة، وكأن مفهوم العماء، حقيقةً، عائد إليه، وأنه طفولة الطبيعة العييَّة، إن النهار بلوغ سن الرشد، في عملية أمامية ليس إلا، ذلك وهو ممهور بحكمة النهار الجوفاء، من يطلب وساعة أفق، رحابة مدى في كل شيء، ما عليه إلا بالليل، من يبتغي اكتشافاً لخطيئة، لتجنب عثرة قد تكون مميتة.

يمكن مقاربة ذلك من خلال الليل، هذا ما يمكن التوقف عنده، من خلال التاريخ الطويل الذي دوّن تحت ضوء ساطع، نور الحقيقة، وكأن المكتشف أصل الحقيقة، وسرعان ما ينقلب المكتشَف حقيقة زلة قدم مروعة، كما هو أصل إقامتنا الشرقية المديدة في متن النهار، كما هو المعيش النهاري، بينما يهمَل الليل، وهو المتجذر فينا، بسلطة لم تدرَس كما يجب.

تقتضي حكمة التاريخ المشرقية، وكما نحن عليه الآن، أعمال النظر في هذا التاريخ، والقيام بمراجعة كلية، لأصول معرفتنا دلالياً، وكيف نقيم علاقتنا، وبتفاوت مريع، مع كل من الليل والنهار، كيف ننسّب أنفسنا لما هو نهاري، بينما الليلي يتحكم في قوانا بلجمها في الغالب.

إبراهيم محمود