أن تكون مكروها من قبل بعض الأشخاص المعنيين هو دليل على مدى أهميتك هذا ما قالته الروائية الاسترالية مايلز فرانكلين التي كتبت روايتها الأولى مهنتي الرائعة حينما كانت في التاسعة عشرة، وحققت نجاح واسعا في استراليا لدى نشرها عام 1902.
ولدت ستيللا ماريا ساره مايلز فرانكلين قرب نيو ساوث ويليز في استراليا عام 1879، وأمضت السنوات الأولى من طفولتها في منزلهم في المحطة في إقليم مونارو. بعد نشرها لروايتها الأولى بفترة قصيرة كتبت الجزء الثاني من الرواية بعنوان مهنتي الرائعة درب مسدود ، لكنها لم تنشرها إلا عام 1946، وذلك بسبب الإزعاجات التي تعرضت لها بعد كتابها الأول لاعتبار الجميع أن ما كتبته سيرتها الذاتية. حاولت بعد ذلك العمل في مهنة التمريض، ثم كخادمة. وتحت اسمها المستعار عازب عجوز و فيرناكولار ، كتبت في الديلي تيليغراف وسيدني مورنينغ هيرالد كصحفية متعاونة.
وجدير بالذكر أن فرانكلين ابتعدت عن مهنتها ككاتبة لسنوات طويلة، وذلك لعملها منذ عام 1906 وحتى 1915 في عصبة اتحاد المرأة القومي التجاري الأميركي في شيكاغو، ثم لمدة تسع سنوات في لندن كما عملت كممرضة خلال الحرب العالمية الأولى. وحينما عادت إلى استراليا عام 1932، تفرغت للكتابة وتجاوزت حالة الإحباط التي واجهتها في لندن نظرا لرفض نشر مجموعة رواياتها الست بعنوان برينت.
وحازت عام 1936 على جائزة أدبية عن روايتها كل شيء يختال مما جعلها تشعر أنها هدرت حياتها هباء في أميركا ولندن، إذ لم تجد نجاحا أدبيا إلا في موطنها الأم، ونشرت حينها رواية بلاستوس العجوز من بانديكوت و لعودة إلى بول بول . في عام 1948 قبل وفاتها بستة أعوام، خصصت فرانكلين جزءا من إرثها لتمويل جائزة أدبية دعيت باسمها لاحقا. وقد حولت مهنتي الرائعة! إلى فيلم سينمائي عام 1979.
تتمحور أحداث رواية مهنتي الرائعة ، حول بطلتها سيبيلا ميلفين، الفتاة المراهقة العنيدة المشاكسة لنفسها وللمحيط من حولها، التي ترصد الحياة من حولها بعين الطفلة أولا ثم المراهقة، ليرفض عقلها تقبل المسلمات التي تحكم مجتمعها ابتداء من علاقة الزوج والزوجة وانتهاء بفوارق المجتمع الطبقية وحقوق المرأة في اختيار مسار حياتها، ولتشقى روحها بآلاف التساؤلات التي لا تجد لها إجابات إلا في مراحل نضجها.
كان أصدقاؤها المخلصون في تلك المرحلة الكتاب والطبيعة والبيانو، أما في علاقاتها وتفاعلها مع المحيط، فكانت ردود أفعالها مفاجئة لا يمكن التنبؤ بها. وكثيرا ما دهشت هي نفسها من حدة انفعالاتها وسلوكياتها التي لا تجد مبررا لها في أغلب الأحيان. ترصد الطفلة سيبيلا في البداية حياتها العائلية المستقرة والسعيدة في كنف والديها في أحراش منطقة بروغابرونغ، حيث كانت أشجار المطاط تحيط بهم.
وتذكر أنها كانت في التاسعة من عمرها حينما بدأت حياتها تنقلب رأسا على عقب، وذلك حينما قرر والدها الانتقال إلى مهنة أخرى في إحدى الضواحي الأكثر رقيا من القرى. منذ البداية رفضت سيبيلا طبيعة المكان الجديد وشعرت بالنفور من المحيط بجغرافيته المسطحة الخالية من التلال وأشجار المطاط، كذلك الأمر كان مع والدتها التي كانت تستقبل المزارعين الذين كانوا يقضون في ضيافتهم ساعات طويلة يهدرونها في الثرثرة.
وفي المكان الجديد عمل والدها في السمسرة وبيع المواشي وكان يتغيب بضعة أيام كل أسبوع. ومع تدهور عمله بسبب تعاطفه الدائم مع الزبائن ثم إدمانه الكحول، بدأت الأم وسيبيلا وإخوتها العمل في المزرعة ومع سنوات الجفاف خسرت العائلة كل ما تملك. كانت سيبيلا ترقب وتحاول أن تفهم وتحلل ما يدور حولها، فسلطة الأب هي التي آلت بهم إلى ما هم عليه في حين أن والدتهم هرمت قبل أوانها نتيجة تهور زوجها.
كما كانت علاقتها مع والدتها محكومة بضغوط الحياة، فكانت الأم تفرغ خيبتها في ابنتها التي كانت تصفها بأنها غير نافعة لشيء لا سيما وأنها لا تملك أية مسحة من الجمال. مع اشتداد الأزمة أرسلت الأم ابنتها للخدمة، ثم انتقلت بعدها لتعيش في كنف جدتها المقتدرة ماديا لتبدأ مرحلة جديدة من الحياة. وفي كلا المرحلتين كانت الكتب والروايات الرومانسية أصدقاءها الوحيدين.
في مرحلة المراهقة تلتقي بحب حياتها الشاب هارولد بيشام، الثري الذكي واللطيف، الذي يطلب يدها للزواج. لكن طرحه الموضوع عليها بصورة عملية خالية من أية عاطفة وهي التي تشبعت برومانسية الكتب، جعلها تشعر بالخيبة. وحينما حاول تقبيلها ضربته على وجهه بالمهماز، لتشعر مباشرة بالندم والدهشة من سلوكها العنيف، ثم تطلب منه مهلة للتفكير.
وبعد مضي عامين يجدد طلبه بعد أن ظنت أنه عاشق لأختها الصغرى، وحينما تدرك خطأها ترفضه هذه المرة وهي تستغرب رفضها السريع، فعقلها يبحث عن رجل أكثر خبرة وقوة منه ليكون موازيا لها. وتخبره أنها غير مناسبة لأي رجل لأنها اختارت مهنة الكتابة. وفي الحوار الأخير يتجلى الصراع الذي تعيشه البطلة مع نفسها وفي ذات الوقت نضجها الفكري في فهم نفسها ومن حولها. وتنتهي الرواية وسيبيلا تعيش مع الوحدة والأمل.
الكتاب: مهنتي الرائعة!
تأليف: مايلز فرانكلين
الناشر: أنغوس وروبرتسون 1986
الصفحات: 248 صفحة
القطع: المتوسط
My Brilliant Career!
Miles Franklin
Angus and Robertson 1986
P. 248

