في بداية السبعينات كنت في زيارة رسمية لكوريا الشمالية يومها كان يحكمها كيم آل سونغ الأب، المعروف بعدائه لأميركا والاستعمار عموماً، والذي خاض حرباً ضروسا ضده، انقسمت كوريا على أثرها إلى نصفين شمالي وجنوبي، أي دولة في المنظومة الاشتراكية، وأخرى في النظام الرأسمالي.

كوريا الشمالية سجن كبير للكوريين، ومعتقل للزائرين، حتى الفضاء ملغم فلا أحد يستطيع الحصول على محطة تلفاز أو إذاعة غير راديو وتلفزيون الحكومة الرسمي، في بيونغ يانغ، والناس لا يعرفون عن العالم الخارجي غير أن كوريا الشمالية هي جنة الدنيا والآخرة ولا جنة غيرها في الكون.

شاهدت العديد من الظواهر الجميلة التي ينبغي أن يعترف الإنسان بها، إلا أنه بالمقابل كانت الظواهر السلبية والهيمنة الديكتاتورية تشكل نسبة أضعاف الأضعاف في الطرف الآخر.. لا نريد التفصيل لأننا نحتاج إلى مساحات كبيرة من الورق قد أعود إليها ذات يوم لرصدها.

وجه الرئيس كيم آل سونغ دعوة عشاء رسمية لي، وكانت مراسيم حمل الدعوة حكاية غريبة لا يتسع لها المكان، كما أن آليات الذهاب إلى قصر الرئاسة والخضوع بالإجبار لفحص طبي شامل، يحتاج إلى صفحات، حكايات أغرب من الخيال، وأظرف من ألف ليلة وليلة.

دخلت قاعة الكريستال الرخامية في قصر ابن الشمس ابن الشعب..و..و.. وصاحب أكثر من مائة لقب كان يجب أن نذكرها قبل ذكر اسمه (كيم آل سونغ) وقفت مذهولاً من الجمال المعماري والفخامة البرجوازية لرجل الشيوعية الأول، وأجلست قبالته تماماً لا تفصلني عنه سوى مائتي سنتيمتر، وهي أقرب مسافة يمكن لضيف أن يدنو من (الرجل)المتوج على عرش كوريا.

وبدأت سيمفونية راقصة، دخلت على أثرها فتيات يحملن الأطباق وأخريات يحملن الصحون الفارغة على إيقاعات وأنغام شرقية راقصة. كان الطبق الأول من الشوربة، وكنت أظن أنها مخلوطة بشعيرية رقيقة، وحاولت أن أمعن النظر في نوعها، فوجدت أن فيها عيوناً صغيرة جداً..

فدققت كثيراً وأنا أضع ملعقة الشوربة في فمي، واكتشفت أنها ليست شعيرية إنما دود أرضي بكامل الشوارب والعيون، وانتابتني حالة من التقيؤ قاومتها حتى لا يقتلني حراس كيم المنتشرين على جوانب القاعة، وأكملت تناول الوجبات التي كانت تأتي تباعاً على أنغام رقصات الخادمات.

عند انتهاء حفل العشاء وفي طريق عودتي، إلى الفندق، قال لي مرافقي الذي يتكلم العربية الفصحى:

لقد أكرمك ابن الشمس.. ابن الشعب.. أبن.. ابن.... إلخ، إكراماً كبيراً وقدم لك أحسن لحوم الكلاب في كوريا.

قلت لمرافقي.. وأنا على وشك أن يغمى علي من المفاجأة.. كل الأطباق من لحم الكلاب..؟

قال مؤكداً وبفخر.. نعم.. نعم.. أنت رجل محظوظ أكلت أجود وألذ الكلاب.

abdulelah_q@hotmail.com