ذات يوم ضربت حمى «كساندرا» المنطقة العربية فالتهبت لها مشاعر المراهقين، وأشعلت وجدان أجيال متنوعة بالسهر والترقب، وراح ضعفاء السمع والبصر يلصقون رؤوسهم بالتلفزيون، علهم ينالون من رضا كساندرا ما لم ينله غيرهم، وامتلأت الأسواق ببضائع تحمل اسم كساندرا معظمها يصب في خانة الاستهلاك النسائي من تنانير وحقائب وأغطية أسرة وأمشاط وملاقط غسيل وغيرها.
كساندرا هو اسم مسلسل مكسيكي عرض منتصف التسعينات مدبلجا إلى اللغة العربية، حبكته ميلودرامية تشبه إلى حد بعيد الأفلام الهندية، فتاة فقيرة تعمل خادمة تقع في غرام ابن عائلة غنية، ثم تكتشف بعد عدة مفارقات تشبه خيال الصغار أنها ابنة عائلة نبيلة وان الغجر سرقوها من مهدها لتكبر بينهم وتصبح خادمة لولا تلك القلادة في عنقها لما عُرف سر دمها النبيل.
في حمى كساندرا تلك أقنعت مراهقة أمها الذهاب في رحلة إلى المكسيك لمشاهدة أبطال المسلسل الوسماء الذين يلبسون ثيابا فاخرة ويرتادون مطعماً رائعة ويرفلون بعشب أخضر سندسي في حدائق تجري حولها الخيول، وغيرها من السيارات الفارهة والقصور العالية وكل ما تحلم به مخيلة المراهقين الذين يستمدون شكل مستقبلهم من التلفزيون وأبطاله.
قام الزوج (محدث النعمة) بتمويل رحلة زوجته وابنته إلى بلاد «اغناسيو» احد أبطال مسلسل كساندرا، وعبر رحلة طويلة تجاوزت عشر ساعات وعدة محطات استقر المقام بالحالمتين (الأم والابنة) في مكسيكو سيتي وفي أحد أفخر فنادقها، حيث سارعتا إلى طرد وعثاء السفر عن نفسيهما وبثياب باهظة وحقيبتين تلمعان تحت الضوء سارعتا إلى الشارع المقابل لتلمس عالم كساندرا عن كثب.
أحد رجال الأمن في الفندق نصح الأم وابنتها توخي الحذر وعدم حمل مبالغ كبيرة والتخفيف من بريق الأنوثة الذي يفيض عطرا في باحة الفندق لأن الشوارع مليئة باللصوص والعصابات وخاصي الحقائب، فشعرتا، بالخوف والتصقتا بالجدران وهما تشاهدان بؤسا وعوزا وتسولا وقذارة وازدحاما في كل مكان فسارعتا العودة إلى الفندق وأمضتا ليالي قليلة في المكان بانتظار العودة إلى البيت لمتابعة كساندرا في الحلم.
اليوم تعود حمى الحلم المراهق عبر مسلسل (سنوات الضياع) التركي الذي ينقل للناس واقعا مخمليا لبطل وسيم الطلعة أغرمت به المراهقات وبعض الأمهات وبقصة لا تخلو من سذاجة وبعدد من الحلقات يفوق كساندرا، وبسؤال عن حالنا لماذا نستورد هذا الشكل من الفن ونسوقه بين مراهقينا، والأدهى لماذا نتعلق بهذه النوعية من الدراما القادمة من بقاع متخلفة مليئة بالسطحية ولا تكتفي بالتطبيل والتزمير لها فقط بل نخصص لها محطات فضائية تحمل اسمها، اسمها وبس.
