يقدم المؤلف في الكتاب تعريفات عامة وخاصة بعلم جمال الجسد من خلال المفاهيم الفلسفية التي سادت في الفكر الغربي الحديث ومن خلال هذا يتم تحديد الأسس المعرفية والسياق التاريخي الذي وُلد فيه مفهوم «التأنق».

ويتم تعريف «المتأنق» على أنه إنسان يحرص باستمرار على أن يكون في مظهر يوحي بـ «القيمة والتفرّد في طريقة الملبس وأسلوب الحديث أيضا». كما أن مفهوم التأنق يعني قيام علاقة خاصة مع الوجود ومع الحداثة، و لم يتردد بودلير من اعتبار التأنق «آخر أفعال البطولة».أما «المتأنقون» فهم يشكلون «أرستقراطية المظهر». وبودلير نفسه كان يرى من واجب المتأنق «العيش والنوم أمام مرآة».

ثم يدرس المؤلف مفهوم «التأنق» لدى الفيلسوف كيركيغارد الذي يرى «الشخص الساعي للتأنّق في مظهره»بمثابة كائن يعيش نوعا من المأساة في أعماقه. ذلك أنه في حالة بحث دائم عن أوضاع يراها «مهمة»، ولكنها ليست في الواقع سوى تعويض، عن الفراغ الذي عرفته المجتمعات الغربية ذات النزعات المادية المتطرفة و«الفراغ الروحاني».

إنه كائن «فقد مرجعياته» إلى هذا القدر أو ذاك، وبالتالي «يسد النقص في الشخصية» عبر «التأنق» في المظهر، وهو يحاول ذلك على أساس«وعي فلسفي»، أو ما يسميه مؤلف الكتاب بـ «فلسفة التأنق» التي يمكن وضعها بالتناظر مع مفهوم «الدون جوانية»، الأكثر تقليدا والأقل «وعياً» بالخلفيات المعرفية للظاهرة.

ثم يحاول المؤلف صياغة صورة للمتأنق كما كان يراها الفيلسوف فريدريك نيتشه الذي صاغ في كتابه الشهير «هكذا تكلّم زرادشت» صورة «الإنسان الممتاز، الفوقي، السوبر». ويصف المؤلف المسيرة النيتشوية نحو الدعوة لـ «التأنق» بأنها كانت بمثابة «بحث جمالي عن الحقيقة» أو «منظومة أخلاقية للعلاقات الانسانية» أو «فتح الأهواء الإنسانية كي يكتسب قدرا من البعد الروحاني». وفي هذه الحالات كلها يجد المؤلف لدى نيتشه دعوة إلى نوع من «الدون جوانية» المعرفية.

وفي ما يتعلق بأفكار نيتشه حول «التأنق» الذي يعطي صاحبه درجة من «التسامي»المعنوي عبر المظهر الخارجي، يناقش مؤلف الكتاب خاصة نظريته حول «الفيلسوف-الفنان». ويرى أنه في الوقت الذي كان كيركيغارد ينطلق فيه مما هو جمالي كي يصل إلى ما هو «ديني»، فإن نيتشه يقوم بمسيرة معاكسة تماما، إذ ينطلق مما هو «ديني» للوصول إلى ما هو جمالي.

ويتوقف المؤلف عند مفهوم »التأنق« كما ظهر في أعمال الشاعر شارل بودلير والكاتب اوسكار وايلد على الصعيد الشعري-الأدبي والمفاهيم الفلسفية ـ الجمالية. وبعد أن يشير إلى «الإهمال» الكبير لهذا الجانب في أعمال هذين الأديبين، يناقش مسألة «الرابطة» القائمة بين الروح والجسد. هذه الرابطة التي تمثل «فلسفيا» حسب رأيه، جوهر مفهوم «التأنق».

وينقل عن اوسكار وايلد قوله: «الروح والجسد، الجسد والروح. أية رابطة خفية بينهما. هناك شيء ما حسي في الروح وهناك لحظات روحانية لدى الجسد. والحواس بإمكانها أن تتأنق، كما يمكن للأفكار أن تنحط. ومن يستطيع أن يحدد أين يتوقف الاندفاع الحسي وأين يبدأ الاندفاع النفسي»؟ بشكل عام يبدو الحس العالي لـ «التأنق» لدى هذين الأديبين، كما يراه المؤلف، عبر تأكيدهما باستمرار وبأشكال مختلفة أن «الحقيقة» بحاجة إلى مبررات، أما «الجمال» فهو ليس بحاجة إلى أي تبرير.

وبالتالي يمكن لـ «المتأنق» عن وعي تجاوز المعايير الأخلاقية السائدة الموروثة باعتبارها المرجعية النهائية لأشكال السلوك. بهذا المعنى يصبح التأنق هو أن «مريديه» لا يتخلّون أبدا عن تأنّقهم مهما طالت بهم أحوال العيش. بل يسعون لربطه دائما تقريبا بفكرة السقوط و الموت. ويرى المؤلف أن متأنقا فلسفيا ينهي حياته وهو يرفل في أحضان الرفاهية إنما لم يكن متأنقا بالمعنى الكامل لهذه الكلمة.

وينقل في هذا السياق عن «باربي دورفيلي»،الكاتب والروائي والناقد الأدبي والشاعر الفرنسي الذي عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والذي يعتبره المهتمون رائدا في مجال التنظير لـ فلسفة التأنق قوله: كنت بائسا جدا في حياتي أحيانا، لكنني لم أخلع أبدا قفّازي الأبيض . وفي المحصلة العامة يحاول المؤلف البرهان على أن التأنق يلبي حاجات جمالية وأخلاقية، بل ومعتقدية، ويبلور البحث عن تحقيق الذات.

التصنع المطلوب

مفهوم التأنق ظهر أولا في إنجلترا خلال القرن الذي عاش فيه اللورد«بايرون». وقد رأى فيه العديد من النقاد آنذاك نوعا من «لتمرد من خلال التأنق»، أو ما يسميه مؤلف هذا الكتاب بـ «اللعبة العليا مع المظاهر». وينقل عن اوسكار وايلد قوله:«إن الواجب الأول في الحياة، هو أن يكون المرء متصنّعا بأكبر قدر ممكن». أنصار «فلسفة التأنق» هذه شكّلوا«أرستقراطية من نوع جديد».

الكتاب: فلسفة التأنق

تأليف: دانييل سالفاتور شيفر

الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية باريس 2008

الصفحات: 267 صفحة

القطع: المتوسط

Philosophie du dandysme

Daniel Salvatore Schiffer

PUF (Presses Universitaires

de France) - Paris 2008

P.267