«مارتن لوثر كينغ» موضوع هذا الكتاب هو ذلك القس الأسود الذي كان من دعاة عدم العنف ولكن أيضا من المطالبين بحقوق السود من الأميركيين وغيرهم من الذين كانوا ضحايا الاضطهاد. وقد جاء في تقديم هذا الكتاب عن سيرة حياته أنه «دون وجود مارتن لوثر كينغ، ما كان لمثل هذا الحدث ـ المقصود ترشيح أسود هو باراك اوباما لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية ـ ممكنا (...)، هكذا إذن غيّر ذلك القس الأسود مستقبل أمة كاملة».

إن مؤلفي كتاب «مارتن لوثر كينغ.. الرائي» ومن خلال تقصّي سيرة حياة هذا الرجل الذي ترك أثرا مهما في أميركا، إنما يقدمان في واقع الأمر صورة للمجتمع الأميركي في أواسط العقد الماضي (العشرين). ذلك المجتمع الممزق بما كان يجتازه وينخر فيه من أشكال العنصرية والجريمة التي كان ضحيتها الأخوان كينيدي، أي الرئيس وأخيه. أما بالنسبة لحركة المطالبة بحقوق السود في أميركا تلك فقد استطاع مارتن لوثر كينغ أن يجمع صوتها رغم ما واجهته من أشكال الحقد، ولكن أيضا من لحظات المجد وحيث أنه دفع حياته ثمنا للمواقف التي اتخذها وعاشها عندما «صنع حلما»، حسب أطروحته الشهيرة.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين 21 فصلا ومقدمة تحمل عنوان: «رجل حاضر دائما». ثم تتسلسل الفصول واحدا بعد الآخر تبعا لمسيرة حياة مارتن لوثر كينغ منذ الطفولة الأولى وحتى «الفراغ الكبير» الذي أحدثه اغتياله، ومرورا ببعض المحطات الكبرى من حياته عبر فصول تحمل عنوان «لدي حلم» و«بداية حقبة كينيدي» و«جائزة نوبل للسلام» و«المعركة من أجل السلام» و«تعاظم كل الأخطار»، الخ.

في البداية يتم الحديث عن مارتن لوثر كينغ «عبر باراك اوباما» الذي ما كان لأحد أن «يتجرا» قبل فترة قصيرة من الزمن تصور أن يكون، وهو الأسود، مرشحا للرئاسة الأميركية، ذلك أن منظمات عنصرية من نمط «كو كلوكس كلان» كانت لا تتوانى عن قتل «العبيد» وكان «أصحاب القمصان الحمراء» يقومون بـ «شنق» ضحاياهم من السود، بل وكانت مجموعة جون بيرتش «ترميهم» في المستنقعات.

وهنا تتم الإشارة إلى أن مارتن لوثر كينغ الذي توفي قبل 40 عاما لقد عاش 39 سنة فقط ـ لا يزال «يخوض معركته» اليوم عبر ما خلّفه من أفكار يتبنّاها إلى حد كبير باراك اوباما. كذلك تتم الإشارة إلى أن القس الأسود رفض آنذاك أن يكون مرشحا للرئاسة مع أن العديدين من الذين كانوا حوله طلبوا منه ذلك. ومنذ البداية أيضا تتم العودة إلى تاريخ 28 أغسطس 1963 حيث اجتاحت جموع من المتظاهرين السود المروج العشبية المحيطة بالبيت الأبيض للمطالبة بحقوقهم المدنية.

وكانت الأجواء، كما يتم رسمها، تنم عن تنامي قوة حركات اليمين المتطرف التي كان زعيمها جورج والاس قد فاز بمنصب حاكم ولاية الاباما ويتهيأ لخوض المعركة الرئاسية تحت شعار: «التمييز العنصري اليوم، والتمييز العنصري غدا والتمييز العنصري دائما». وفي مثل تلك الأجواء أيضا قال مارتن لوثر أمام جمع كبير من السود والبيض أيضا جملته الشهيرة «لدي حلم» التي أصبحت فيما بعد لازمة تتكرر على لسانه في كل مكان.

وعندما قال تلك الجملة للمرة الأولى، وضع «النص المكتوب» جانبا ثم تابع قائلا: «أحلم أن يجلس ذات يوم على هضاب جورجيا الحمراء أبناء العبيد القدامى وأبناء الذين استعبدوهم حول مائدة الأخوّة. وأحلم أن تتحول ذات يوم ولاية الميسيسيبي التي ترزح تحت شمس الظلم الحارة وشمس الاضطهاد، إلى واحة من الحرية ومن العدالة. وأحلم... وأحلم...». ثم رفع مارتن لوثر كينغ يديه نحو السماء في النهاية وقال «لتعمّ الحرية في كل مكان» وختم قائلا: «أحرار أخيرا، أحرار أخيرا». واستدار القس بعد ذلك وابتعد عن المنصّة.

ويشير مؤلفا الكتاب إلى أن الرئيس الأميركي آنذاك جون كينيدي كان يشاهد الخطاب عبر التلفزيون في البيت الأبيض «مذهولا». وفي ذلك اليوم بالذات «دخل مارتن لوثر كينغ التاريخ» ومن أوسع أبوابه. ويفهم القارئ عبر الفصول أن مارتن لوثر كينغ من مواليد نهاية عقد العشرينيات من القرن الماضي، وعلى الأرجح يوم 15 يناير 1929. وقد عاش طفولة سعيدة. وكان الحدث الأكبر في حياته آنذاك هو اقترابه من الكنيسة التي أصبحت «بيته الثاني» كي يصبح بعد ذلك سقسّاء.

نقرأ: سكان القس كينغ طيلة حياته رجلا جديّا في المحافل العامّة. واللحظات النادرة للإعراب عن السعادة أو للضحك وللمتعة كانت دائما لحظات حميمة، وفي السر . هكذا ومنذ سنوات شبابه الأولى انكبّ على دراسة اللاهوت المسيحي. وفي عام 1958 استقبل الرئيس الأميركي ايزنهاور القس الأسود مارتن لوثر كينغ في البيت الأبيض. وكان ايزنهاور محافظا جدا لم ينس أبدا أصوله من تكساس، الولاية الجنوبية.

لكنه كان بنفس الوقت أكثر انفتاحا من سابقيه حيال الحقوق المدنية للسود. كانت هذه الحقوق قد أصبحت «معركة حياة» مارتن لوثر كينغ. وكان من بين أولى الخطوات التي قام بها اتخاذ قرار زيارة إفريقيا و»إعادة الصلات مع أرض الأجداد». وكانت فترة الرئيس جون كينيدي هي فترة تساؤلات كبرى حول مستقبل الحركة السوداء في أميركا.

وقد كانت حياة مارتن لوثر كينغ باستمرار مرجعية أساسية في نضال السود من أجل نيل حقوقهم في أميركا وصولا إلى ترشيح باراك اوباما لرئاسة الولايات المتحدة، كما يؤكد المؤلفان في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب.

أحرار أخيرا

قال مارتن لوثر كينغ أمام جمع كبير من السود والبيض جملته الشهيرة «لدي حلم» التي أصبحت فيما بعد لازمة تتكرر على لسانه في كل مكان..وأحلم أن تتحول ذات يوم ولاية الميسيسيبي التي ترزح تحت شمس الظلم الحارة وشمس الاضطهاد، إلى واحة من الحرية ومن العدالة. وأحلم... وأحلم... ثم رفع مارتن لوثر كينغ يديه نحو السماء في النهاية وقال لتعمّ الحرية في كل مكان وختم قائلا: أحرار أخيرا، أحرار أخيرا . واستدار القس بعد ذلك وابتعد عن المنصّة.

الكتاب: مارتن لوثر كينغ، الرائي

تأليف: ليلاس دوكيرون، فرانسوا فوريستييه

الناشر: ميشيل لافون باريس 2008

الصفحات: 305 صفحات

القطع: المتوسط

Martin Luther King, le visionnaire

Lilas Desquiron, François Forestier

Michel Lafon - Paris 2008

P.305