يعتبر كتاب (حول المسألة العرقية في أميركا) بالتاريخي لمرشح الرئاسة في أميركا باراك أوباما وتنبع هذه الأهمية في الواقع أن هذا الكتاب بالأساس هو نص الخطاب الذي كان قد ألقاه أوباما يوم 18 مارس في فيلادلفيا.
ولم يتردد العديد من المراقبين الموزعين بين معسكر «اليسار»، و«اليمين» الأميركي عن وصفه بأنه تاريخي وأنه يعادل الخطاب الذي كان قد ألقاه ذات يوم «مارتن لوثر كينغ»، القس الأسود، وردد فيه: «يخامرني حلم». معلّقون آخرون وجدوا فيه «تأملات فكرية» تتجاوز كل الحسابات السياسية «السريعة»، بل وتتجاوز «الإطار الأميركي» كي تكون ذات فائدة كبيرة بالنسبة للعديد من المجتمعات الأخرى التي تواجه مسائل لها علاقة بالمسائل العرقية وما يترتب عليها من تمييز عنصري.
ويعلّق «فرانسوا كليمنصو» الفرنسي المقيم في واشنطن والذي قام بترجمة النص إلى اللغة الفرنسية، على الخطاب بالقول: «إن الخطاب الذي ألقاه باراك اوباما في فيلادلفيا قد يكون الأكثر أهمية في مسيرته السياسية كلها. وهو أيضا نص استثنائي ضمن المقياس الذي لم يتحدث فيه أي رجل سياسة منذ سنوات الستينات بمثل هذا الوضوح وهذه البصيرة النافذة حول العلاقات العرقية في الولايات المتحدة الأميركية».
يبدأ «باراك اوباما» خطابه بالجملة التالية: «نحن، الشعب، نريد صياغة اتحاد أكثر كمالا». ثم يعود إلى تاريخ سابق ب221 سنة ليشير إلى أن مجموعة من البشر رددوا هذه الجملة التي بدأ بها خطابه في فيلادلفيا. وتابع قوله: «أولئك المزارعون وأولئك العلماء وأولئك الساسة وأولئك المواطنون الذين كانوا قد اجتازوا المحيط هربا من الطغيان ومن الاضطهاد توصلوا إلى صياغة إعلان استقلالهم أثناء مؤتمر انعقد في فيلادلفيا واستمر حتى ربيع عام 1787».
ولم يتردد باراك اوباما في القول إن الوثيقة التي تم التوصل إليها كانت «ناقصة» إذ بقيت «ملطخة بالخطيئة الكبرى للأمة، أي العبودية». كانت هذه المسألة، «العبودية»، سببا في قيام حالة انقسام بين المستعمرات دفعت «الدستور» إلى الطريق المسدود. مع ذلك أقرّ «الآباء المؤسسون» لأميركا السماح بتجارة العبيد لعقدين قادمين وتركوا للأجيال اللاحقة مهمة «وضع حد نهائي لها». لكن «كان لا بد من التزام أجيال وأجيال من أجل ردم الهوّة بين ما تعد به المبادئ وبين حقيقة الزمن الذي عاشوا فيه»، كما يقول اوباما.
وبعد تقديم نبذة تاريخية عن الواقع الذي شهدته ظاهرة العبودية في التاريخ الأميركي يتحدث اوباما عن نفسه قائلا: «أنا ابن رجل أسود من كينيا وامرأة بيضاء من كنساس. وقد أشرف جزئيا على تربيتي جدّي (...) الذي خدم في صفوف الجيش الأميركي أثناء الحرب العالمية الثانية، وكذلك جدتي البيضاء التي كانت عاملة في مصنع للطائرات المقاتلة.
لقد تعلّمت في أفضل المدارس الأميركية وأقمت في أكثر بلدان العالم فقرا. وتزوجت من امرأة أميركية سوداء تحمل في عروقها دم العبيد وأسيادهم ونقلنا هذا الإرث إلى أبنائنا. ولي إخوة وأخوات وأعمام وأبناؤهم من مختلف الأعراق ومختلف الألوان يعيشون في ثلاث قارات، وبمقدار ما يُكتب لي العمر لن أنسى أبدا أنه ليس هناك أي بلد آخر في العالم كان سيجعل قصتي ممكنة».
ويشير اوباما إلى العديد من التعليقات ذات الطابع العنصري التي سبقت خطابه في فيلادلفيا ليؤكد قوله: «إن الآراء التي برزت من جديد خلال الأسابيع الأخيرة تعكس المشكلة العرقية ـ العنصرية ـ في هذه البلاد والتي لم نجد أبدا حلاً نهائيا لها». ثم ينقل كلمة للكاتب الأميركي الشهير وليام فولكنر قال فيها: «الماضي لم يمت ولم يتم دفنه. إنه في الواقع حتى لم يمض».
ويحمّل باراك اوباما مسؤوليات كثيرة من المساوئ التي عرفتها أميركا للتمييز العنصري، إذ يرى أنه هو الذي أنتج «مدارس أدنى مستوى» وخلق «تفاوتا كبيرا في الثروة والمداخيل بين السود والبيض». وكان وراء «نقص فرص العمل المتوفرة للسود».
والنتيجة هي أن «المسألة العرقية والعنصرية لا تزال تحدد بشكل عميق رؤية العالم لدى السود» حتى أولئك الذين أصبحوا في موقع جيد حيث لا يزال يخيّم لديهم «الخوف والشك والغضب والمرارة». يقول اوباما: «إن ذلك الغضب يتم استخدامه أحيانا من قبل رجال السياسة من أجل كسب أصواب الناخبين عبر لعب الورقة العنصرية، أو ربما من أجل أن يخفي البعض فشلهم».
ويصل اوباما في تحليله لظاهرة العنصرية إلى القول: «لقد أصبحنا أمام طريق عنصري مسدود وأسرى له منذ عدة سنوات». ويؤكد المؤلف ـ المرشح للرئاسة الأميركية في النهاية أن حل المشكلة العنصرية لن تتم أبدا تسويتها خلال فترة رئاسية أو عبر ترشيح «أسود» مثله للمنصب الرئاسي. بالمقابل يؤكد أنه سوف يطرح المشكلة بكل أبعادها، وهذا ما فعله تحديدا في هذه الصفحات. إنه يطرح برنامجا توحيديا ل«كل الأميركيين».
المؤلف في سطور
باراك اوباما، هو أحد أشهر الشخصيات الأميركية، وبالتالي الدولية، اليوم فهو مرشح الحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر القادم ضد المرشح الجمهوري جون ماكين.
باراك اوباما، من مواليد عام 1961، وهو سناتور عن ولاية الينوا الأميركية، سبق له وقدم كتابا تحت عنوان «حلم أبي»، نال شهرة كبيرة وتمت ترجمته إلى عدة لغات. وكتاب آخر تحت عنوان «جسارة الأمل: مفهوم جديد للسياسة الأميركية» .
الفوز الأكثر بياضاً
يشير اوباما إلى أنه رغم محاولات الكثيرين تقديم «ترشيحه» للمنصب الرئاسي الأميركي الأعلى من منظور «عرقي» حصريا فإن الواقع أظهر فوزه في الولايات «الأكثر بياضا» في أميركا مثل كارولينا الجنوبية. لكن هذا لم يمنعه أيضا من ملاحظة أن المسألة «العرقية» لعبت دورا فالبعض حكموا عليه أنه «أسود أكثر مما ينبغي» بينما رأى الكثير من السود أنه «أسود أقل مما ينبغي».
؟
الكتاب: حول المسألة العرقية (العنصرية) في أميركا
تأليف: باراك اوباما
الناشر: غراسيه باريس 2008
الصفحات: 87 صفحة
القطع: الصغير
De la race en Amérique
Barack Obama
Grasset - Paris 2008
P.87

