تقوم الباحثة بسمة قضماني في كتابها الجديد «تدميرالجدران» بتحليل الحركات التي تشهدها المجتمعات العربية منذ سنوات عديدة، وتحاول أن ترهن أن العالم الشرق أوسطي الذي يسود الاعتقاد أنه محكوم بالجمود والمراوحة في المكان، هذا إذا لم يكن التراجع، قد دخل بالأحرى في دورة جديدة «تبعث على الأمل».
تتحدث المؤلفة في البداية عن طفولتها «السورية» وذكرياتها عن حرب 1967. بعدها أصبح الأميركيون، والغرب عامة، هم «الأعداء». وذلك بسبب موقفهم «المتواطئ» مع إسرائيل. وما تؤكد عليه المؤلفة هو أن «منعطفا» كبيرا قد استجّد آنذاك بين العالم العربي ـ الإسلامي والغرب. ويتم تكريس فصل كامل في هذا الكتاب لمحاولة الإجابة على سؤال: «أية هوية عربية»؟ وتقول قضماني في معرض الإجابة إن العالم العربي يجتاز أزمة تعريف هويته، وهذا يعود لعدة أسباب تاريخية في مقدمتها «السيطرة الأوروبية» والمواجهة مع الخارج. وفي مثل هذا السياق برز دور العامل الديني وتعزز دوره في الوعي العام. وبالتالي أصبح مكوّنا أساسيا من مكونات الهوية.
وتحت عنوان: «العالم العربي والجدران» ترى المؤلفة أنه «تتناوب في تاريخ العالم العربي فترات الانفتاح على الخارج وفترات الانغلاق، كما هو الوضع القائم اليوم». وتعيد الجدران التي شيدت خلال القرن العشرين بين هذا العالم والغرب، وكذلك داخل المجتمعات العربية نفسها، إلى سلسلة الهزائم العسكرية. على العكس ترى المؤلفة أن فترات الانفتاح قد تناظرت مع «قوة الجيوش» العربية. وهي تؤكد على أن هذه الظاهرة يمكن التحقق منها خلال فترات مختلفة من تاريخ هذه المنطقة من العالم.
المعادلة التي تقيمها المؤلفة تقول إنه طالما كان العرب والمسلمون فاتحين ومتطورين اقتصاديا ويتمتعون بإشعاع فكري، فإنهم يبدون انفتاحا على الثقافات الأخرى. المرحلة العباسية أحد الشواهد على ذلك. وحتى في زمن الحروب الصليبية احتفظ العالم العربي بـ «الثقة بالمستقبل» ذلك أن التعبئة العسكرية الفعالة جدا بزعامة صلاح الدين أدّت إلى استعادة الأرض وإحلال الاستقرار والازدهار الاقتصادي وفي المحصلة الثقة بالنفس. وتصل المؤلفة إلى القول إن «آلام الحروب الصليبية ينبغي البحث عنها في الواقع لدى الغربيين أكثر مما هو لدى العرب».
بالمقابل تعتبر المؤلفة أن التهديد الحقيقي الأول للإسلام جاء من المغول الذين احتلّوا في القرن الثالث عشر بلاد فارس ثم العراق وسوريا وأخيرا فلسطين. وجاء بعد ذلك الفتح العثماني للعالم العربي في القرن الخامس عشر. وتشير المؤلفة إلى أن «الحنين» الذي يبديه بعض العرب للحقبة العثمانية يعود إلى أن »الآلام« التي أثارتها القوى الاستعمارية الغربية التي تبعت تلك الحقبة كانت أكثر عمقا مما تركته السلطة العثمانية التي تميزت بقدر كبير من اللامركزية.
مع ذلك تؤكد بسمة قضماني أن العرب أرادوا التخلص من نير العثمانيين في نهاية القرن التاسع عشر، ذلك أن الباب العالي جعل من العرب مجرد «رعايا للإمبراطورية». ثم تضيف أن العالم العربي، وفيما هو أبعد منه الإسلامي، دخل مرحلة «شبه نوم» عميق على الصعيد الثقافي. وكانت أوروبا من تلك الحقبة تعيش «نهضتها»، ولكن كان هناك «جدار» يفصل بينها وبين العالم الإسلامي.
وتتم الإشارة إلى أن أجيالا من العرب رأت أن القوى الأوروبية حبكت مؤامرة من أجل تقسيم العالم العربي. وكان من أبرز «عناوين» هذه المؤامرة معاهدة سايكس بيكو عام 1916 ثم وعد بلفور عام 1917. ثم كان قيام إسرائيل في قلب المنطقة أثناء فترة عرف فيها العرب، وجيوشهم، حالة من العجز والتقهقر. ومثل ذلك السياق أنتج بدوره نزعات التسلط والقمع على صعيد ممارسة السلطة.
وتشرح المؤلفة على مدى فصل كامل ما تسميه «التغيّر في الرؤوس» حيث تعتبر أن المجتمعات العربية بدأت منذ مطلع القرن الحادي والعشرين مسيرة للخروج من حالة الهمود المسيطرة منذ عقود. وتعيد هذه «اليقظة الخجولة» إلى حركتين أساسيتين يتمثلان في الانتفاضة الفلسطينية الثانية في خريف عام 2000، ثم تفجيرات 11 سبتمبر 2001. وترى المؤلفة أن «11 سبتمبر نتيجة مباشرة لحالة التسلّط منذ عدة عقود والتوترات الاجتماعية والسياسية التي تمزق المجتمعات المعنية». وتحمّل مسؤولية كبرى في «انغلاق هذه المجتمعات« للمنظومة التربوية».
وفي خاتمة الكتاب تقول بسمة قضماني «إن تدمير الجدران، وأولها تلك التي بنيناها حول أنفسنا، ينبغي أن تكون له الأولوية». وهي تعيد هذا «الانغلاق» إلى عقود من النزعات التسلطية ولّدت بنفس الوقت أجواء من الخوف ومن الإحساس بالعجز، هذا إلى جانب الحرمان من أبسط الحقوق لأوسع الشرائح ورفض القيام بأية عملية نقد ذاتي. باختصار غياب أي نقاش حقيقي. ويتم في هذا الإطار التأكيد على ضرورة هدم جدار آخر، هو «جدار العلاقة مع الآخر». أما الخطوة الأولى فتراها في الفعل والتفاعل مع العالم الذي نعيش فيه.
المؤلفة في سطور
بسمة قضماني باحثة سورية الأصل، عملت لعدة سنوات في إطار المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في باريس. وهي تدير الآن «المبادرة العربية للإصلاح» المؤلّفة من مجموعة من معاهد البحث العربية العاملة على التحوّل الديمقراطي في العالم العربي. تعيش حاليا في باريس. قدّمت بسمة قضماني العديد من المؤلفات حول الشرق الأوسط من بينها: »الشتات الفلسطيني« و«لبنان أو جنوحات مسيرة السلام» و«المغرب، السنوات الانتقالية» و«أي أمن للخليج».
نظرة حرة
تقول «ناديم فاسور» الصحفية والكاتبة في تمهيدها لكتاب «تدمير الجدران» لمؤلفته بسمة قضماني إنه من المهم في السياق الراهن الذي تُشاد فيه الجدران بين الغرب والعالم العربي الإسلامي (...) الاستماع إلى صوت بسمة قضماني التي تلقي نظرة حرّة وثاقبة على التوترات التي تقسم عالم اليوم، دون أن تنفي أبدا أنها امرأة عربية تلقّت تكوينا غربيا وتربّت في إطار الأخلاق الإسلامية.
الكتاب: تدمير الجدران
تأليف: بسمة قضماني
الناشر: ليانا ليفي باريس 2008
الصفحات: 127 صفحة
القطع: المتوسط
Abattre les murs
Bassma Kodmani
Liana Levi - Paris 2008
P.127

