حرصت مجلة «كونتنيوم» الثقافية المتخصصة على إجراء هذا الحوار مع الكاتب الأميركي توبايس وولف فور صدور مجلده «قصتنا تبدا» الذي يقع في أربعمئة صفحة، ويضم قصصاً مختارة وأخرى جديدة له، حيث ألقى الضوء بصفة خاصة على ما تعنيه الكتابة بالنسبة له وما الذي يدفعه إلى الاستمرار فيها والعلاقة بين أدبه وعمله في تدريس الكتابة الإبداعية بجامعة ستانفورد.

كما أشار إلى اهتمامه بكتابه المذكرات وتطرق إلى جوانب مهمة في إبداعه لقصصه وبصفة خاصة التوصل إلى نهايات محكمة للقصص، مشيراً إلى أن الحدس وحده هو الذي يقود الكاتب إلى معرفة اللحظة التي لا ينبغي أن يضيف فيها كلمة واحدة إلى القصة التي يعكف على كتابتها. وفيما يلي نص الحوار: ما هي الجوانب التي لا تحبها في عملية الكتابة؟

هناك في المقام الأول ذلك الشعور بالرهبة الذي يساورني، ولهذا فإنني أحتسي دائماً قدحاً إضافياً من القهوة كلما جلست للكتابة. وهناك أيضاً الشعور الاستهلالي بالإحباط. وإذا كنت محظوظاً فإنك ستعايش ذلك الإحساس بنسيان الذات مع بدء الكتابة، وسيغادرك ذلك التوقع الرهيب، وستتوحد مع شخص آخر يختلف عن ذلك الشخص الذي يشعر بالقلق والانزعاج والذي ينصب شعوره على التفاصيل الخاطئة.

وستجد نفسك في غمار نوعية أوسع رحاباً من الذهن مقارنة بتلك التي تجد نفسك فيها عادة. وذلك هو السبب في أننا نكتب، فنحن لا نكتب لإنتاج قصة أو رواية فقط، وإنما نكتب بالفعل لمعايشة تلك القداسة التي تحظى بها أحياناً عندما تكتب، فيما أنت تنتقل وتسمو على نحو ما. وهذا هو ما يجعلك تستمر في معاودة الكتابة. وذلك يجيء لك في البداية طواعية ولكنك بعد ذلك ينبغي أن تكدح وتشقى من أجله.

كيف تستطيع إثارة القارئ بمثل هذا الخيال المتوهج؟

هناك فقرة شهيرة في إحدى الرسائل التي بعث بها أنطوان تشيكوف إلى أخيه والتي يتحدث فيها عن كتابة الوصف ويقول فيها: «عندما تصف ليلة مليئة بالنجوم، لا تتحدث عن جمال السماء فحسب، وعن التألقات الجميلة للنجوم ملء السماء، وإنما بادر إلي وصف قطعة مكسورة من الزجاج وتألق القمر عليها، وانطلاق ذئب فجأة متجاوزاً إياك مثل كرة سوداء من الليل».

إن تلك النوعية من زاوية الرؤية الغريبة هي حقاً التي تمسك بتلك الأشياء التي تجدها في قصة جيدة، ذلك الزجاج المكسور. وهذا شيء مميز عند تشيكوف. وأنا أترجم ذلك إلى وصف الشخصية أيضاً. فأنت يمكنك إنارة الشخصية بنوعية مماثلة من النظرة الجانبية التي يمكنك استخدامها لإنارة ذلك الليل المقمر. وهناك نوع من المخزون الذي ينبع من الدراما، وفي المقام الأساسي الإيماءات والأفعال التي يقوم بها الناس في القصص، من قبيل مزج الشراب، عبور الغرف، إشعال السجائر. والشيء الخطأ فيها هو أنها بلا هوية، ولا تكشف لنا عن الكثير الذي نتوقعه منها. فما تريده هو إيماءة تحدثك بشيء محدد.

باعتبارك كاتباً لليوميات بشكل خاص هل تجد نفسك ملزماً بالحقائق؟

إن الكتاب لا يمكنهم أن يدعوا أنفسهم يصبحون خدماً للأساطير الرسمية، ويتعين عليهم أياً كان ما يتكبدونه أن يقولوا الحقيقة التي ينبغي عليهم قولها، وهذه الحقيقة يمكن أن تكون شيئاً يقلق بلداً بأسره، على نحو ما فعل كتاب »أرخبيل الجولاج« لألكسندر سولجنتسين، أو قد تكون حقيقة تقلق عائلة، لكنك تظل مهووساً بالحاجة إلى قول الحقيقة، ولا يمكن أن تسمح لنفسك بان تصحح لك ما تقوله تلك الصياغة المسموح بها للأمور.

كيف يقيم المرء توازنا بين التدريس والكتابة ويلبي متطلبات الجانبين؟

يعد مجتمع التعليم مثالياً للكاتب، فنحن نتحدث باستمرار عن الأمور التي نهمنا ونتبادل الكتب، والأمر يشبه إلى حد كبير شحذ السكين من خلال تمريرها المستمر على حجر. ونحن نقوم بهذا دوما على نحو لا ندركه. والأمر نفسه ينطبق بالنسبة للطلاب الذين قمت بتعليمهم، فهم كتاب شبان أفذاذ وقراء متحمسون لهم تجربتهم.

ويعد مصدراً للإلهام بالنسبة للكاتب أن يعايش تلك النوعية من عشق القراءة وحب الكتابة. فهي تساعدك علي المضي قدماً بكتاباتك حيث تعرف أن هناك عالماً بأسره يهمه ما تقوم به. وفي سنوات مضت تركت التدريس، وأحسست بالتوق إلى العودة إلى الصف الدراسي مجدداً.

ما الذي يحدث عندما تتعرض يومياتك للتحدي؟

إن ذاكرتنا هي التي تحدد لنا هويتنا، وهو أمر لا يمكن تحقيقه من خلال عمل اللجان أو باستشارة الآخرين فيما يتعلق بما حدث. وذلك لا يعني أن الذاكرة تحدثنا طوال الوقت بالحقيقة المطلقة، ولكنها تظل النبع الرئيسي لهويتنا، سواء أكانت ذاكرة معيبة أم لا.

والكاتب مسؤول عن تلك القصة التي ترويها لك الذاكرة عن نفسك. وهذا هو ما تقوم به اليوميات، فهي ليست عملاً وثائقيا، إنها ليست عملاً تاريخيا، بل هي شيء مختلف، هي القصة التي ترويها لك الذاكرة عن نفسك وعن هويتك وستكون مختلفة عن القصة التي ترويها ذاكرة شخص آخر، من دون أن يعني ذلك أن قصته هي كبد الحقيقة أيضاً.

تتميز قصصك بنهايات فذة للغاية. هل تتلقى إلهامها جنباً إلى جنب مع فكرة القصة أم أنك تعمل للوصول إليها؟

عادة بحلول الوقت الذي أصل فيه إلى نهاية قصة ما أكون قد غيرت كثيراً من مفهومي عن القصة في غمار عملية الكتابة وإعادة الكتابة الفعلية لها بحيث أنها لا تشبه ولو من بعيد النهاية التي كنت قد فكرت في أنها ستكون عليها. فهناك أشياء تحدث لي في غمار عملية الكتابة لكي أغير أفكاري عن القصة، وإلا فإنها لسبب ما لن تنبض بالحياة. وعندما أكتب قصة وفقاً لخطة، وعندما أفرغ منها بالطريقة التي كنت أعتقد أنها ستنتهي بها عندما بدأت في كتابتها فإنها تكون على الدوام قصة سيئة.

المؤلف في سطور

نشأ الكاتب الأميركي توبايس وولف في برمنجهام بولاية ألاباما، وتخرج بمرتبة الشرف من جامعة أكسفورد، وحصل على الماجستير في الأدب الانجليزي من جامعة ستانفورد، التي يعمل حالياً استاذاً للغة الانجليزية والكتابة الإبداعية بها، بعد أن أمضى سبعة عشر عاماً في تدريس الكتابة الإبداعية في جامعة سيراكيوز.

قدم ثمانية كتب، أشهرها كتابان في قالب اليوميات عن خدمته في صفوف القوات الأميركية خلال حرب فيتنام، وهما «في حديقة شهداء أميركا الشمالية» 1981 و«في جيش فرعون» 1994. واقتبس كتاب يومياته عن شبابه المبكر «حياة هذا الفتى» في فيلم شهير عرض عام 1998 قام ليوناردو دي كابريو بأداء دور وولف فيه. أصدر روايته القصيرة «لص الثكنة» ثم روايته الطويلة «المدرسة القديمة» فلقيتا تقديراً كبيراً، لكن شهرته تستند أساساً إلى يومياته وقصصه وتدريسه للكتابة الإبداعية، أصدر مؤخراً مجموعته «قصتنا تبدأ» التي انتظرها القراء عشر سنوات.

حصل على العديد من الجوائز وألوان التكريم وفي مقدمتها جائزة اتحاد الكتاب العالمي وجائزة ريا عن التميز في كتابة القصة القصيرة، وجائزة كتاب صحيفة «لوس انجلوس تايمز» وجائزة اتحاد الكتاب العالمي فوكنر، وحصل ثلاث مرات على جائزة أو هنري في القصة القصيرة.

منى مدكور