أول ما اشتهر به الكاتب الأميركي توبايس وولف هو انتماؤه إلى تلك المجموعة الشهيرة من الكتاب التي أدرجها عدد من النقاد ضمن تيار الواقعية القذرة في الأدب الأميركي، والتي كان على رأسها ريتشارد فورد وريموند كارفر وجين آن فيليبس، غير أنه نجح في أن يحقق لنفسه نوعاً من التميز والتفرد داخل هذا الإطار الذي لم تعترف به المؤسسة الرسمية الأدبية الأميركية قط، وظلت أعمال كتابه تصدر خارج أميركا، إلى أن تمكنوا بعد عقود طويلة من الإفلات من لعنة التجاهل.

اليوم لا تتردد مجلة «إسكواير» في وصف توبايس وولف بأنه «أحد أروع كتاب القصص الأميركيين»، واليوم أيضاً يطل توبايس عبر مجلد «قصتنا تبدأ» الذي يعد أول مجموعة قصصية تصدر له منذ مايزيد على عقد من الزمان، متضمنا عشر قصص جديدة له بالإضافة إلى مختارات من قصصه في أربعمئة صفحة، تجسد تمكنه من ناصية فن القصة على امتداد أكثر من ربع قرن. والواقع أن أول كتابين أصدرهما وولف، وهما «في حديقة شهداء أميركا الشمالية» و«العودة إلى العالم» كانا إفصاحين قويين عن الكيفية التي يمكن بها للقصة القصيرة «أن تثير تقديرنا المفعم بالدهشة على نحو ما عبرت مطبوعة «نيويورك تايمز بوك ريفيو» آنذاك.

وخلال السنوات التي انقضت منذ ذلك الحين، كتب وولف مجموعة ثالثة بعنوان «الليلة المعنية» وكذلك ألف كتابين في قالب اليوميات، وإن كانا يستعصيان على محاولات تحديد القالب الأدبي الذي ينتميان إليه وهما «حياة هذا الفتى» و«في جيش فرعون» وألف أيضاً رواية قصيرة بعنوان لص الثكنة، ومؤخر رواية «المدرسة القديمة».

الآن يعود إلينا وولف عبر هذا المجلد الذي يضم عشر قصص جديدة وواحدة وعشرين من قصصه الكلاسيكية، حيث تتنوع الإضاءات التي يقدمها وتتعدد، ما بين إزجاء المرء لوقته، خوض غمار الحب لأول مرة، دفن المرء لأمه، وهي تجارب تعيشها نوعيات متعددة من الشخصيات في ظروف تجمع بين الغرابة والانتماء إلى الحياة اليومية العادية والمألوفة في آن.

ها هنا سنلتقي بأمرأة متقاعدة من الخدمة في صفوف المارينز لتلتحق بالدراسة الجامعية، فيما ابنها يتدرب للذهاب للقتال في العراق، ونحن على موعد مع محام يخوض غمار موقف بالغ الصعوبة، ونمضي مع أميركي في روما يعيش التجربة الأكثر غرابة مع الغجرية التي نشلت حافظة نقوده.

في هذه القصص، تماماً كما في القصص السابقة التي قدمها وولف والتي أدرجت في كتب مختارات لا حصر لها، يعود الكاتب الأميركي ليبرهن على اقتداره الذي طالما توقف النقاد عنده، بحيث تبادر صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»إلى وصفه بقولها: «كاتب من أرفع طراز، قاص أحياناً، فيلسوف أحياناً أخرى، منغمس بعمق في طرح الأسئلة الأكثر صعوبة، التي تستغرق عمراً لحسم الإجابات عنها».

الواقع أن القارئ سيجد نفسه أمام نطاق هائل من التجارب المعاصرة، التي يتم استقطارها، فتتحول إلى أعمال درامية فذة تثير فينا مشاعر حادة وتدعونا إلى المزيد من التأمل والتساؤل. في قصة «الكاذب»، على سبيل المثال، سيجد القارئ نفسه أمام تجربة فتى مراهق، وهو يخوض الأحداث الأكثر غرابة في طريقه إلى النضج.

وفي قصة «الأخ الثري» ذات الإيقاع الجميل سنجد أنفسنا أمام قصة ثلاثة رجال تقدم لنا من خلال حبكة بديعة الصلات المحبطة بين ثلاثة أخوة. وتتناول قصة «صيادون في الجليد» الاخفاقات التي يتعرض لها جندي محترف لا يحلق إلى سماء ما هو متوقع منه وانعكاسات هذا كله على مشاعره حيال نفسه وحيال الآخرين.

وحتى عندما تسود التفاصيل الفكاهية، فإننا نظل أمام رؤى معتمة تصل إلى حد الضراوة في أحيان كثيرة. وإذا قارن القارئ بين القصص الإحدى عشرة الجديدة والقصص الواحدة والعشرين الكلاسيكية فإنه لابد له من أن يرصد الحيوية التي يتدفق بها نثر وولف وأن يلحظ تمكنه من وجهات النظر ذات الزوايا الغريبة كما في قصة «كلبها» وقصة «قبلة عميقة» التي يمكن مقارنتها بقصة «الكاذب».

وشأن أفضل أعمال ريموند كارفر وريتشارد بيتس وروبرت ستون، فإن مجلد وولف يفصح عما في إبداعه من ثراء وعمق كلاسيكيين، ويؤكد لنا أن هذه النوعية من الإبداع الأدبي شيد صرحها لكي تبقى طويلاً وتدوم وتتوالى على قراءتها والإعجاب بها أجيال وراء أخرى.

ربما لهذا على وجه الدقة تتوالى أصوات النقاد في منظومة من الإشادة بهذا المجلد، فها هو الناقد فينس باساروا في مجلة «أوبرا» يذهب إلى القول: «قص رقيق، متألق، يمس القلب من كاتب متمكن من الحقائق العميقة والانعطافات غير المتوقعة. وهذه المجموعة تقدم جولة متألقة وسريعة في قصص وولف الشهيرة الأقدم عهداً وتنتهي بعشر قصص جديدة، كل منها جوهرة مصقولة أكثر بريقاً من سابقتها».

ويقول جو وودوارد في مجلة «بويتس أند رايترز» بدوره عن هذه المجموعة: «يكتب توبايس وولف بالدقة البالغة التي ينجز صانع القنابل عمله بها. وهو بيدين ثابتتين وطموح مخيف يصوغ أفضل قصصه في قالب مصغر، مفجراً حياة شخصياته في الوقت الذي تقتضيه قراءة فقرة واحدة، محكما صياغة حكايات تدور حول جملة واحدة شيطانية. وقصص وولف مفعمة باستقطار بالغ للحظات الحادة التي تغير مجرى حياة الشخصيات. وهذا المجلد يقدم أفضل الأمثلة من كتاباته على امتداد ربع القرن الماضي».

ويذهب براد هوبر في مجلة «بوكليست» الالكترونية إلى القول عن هذه المجموعة إن «وولف يتعمق عبر نثر نظيف لا تشوبه شائبة جوهر حياة الناس العاديين ونقاط ضعفهم». وتقول مجلة «كيركوس» المتخصصة بدورها: «هذا المجلد يظهر الثراء والعمق الكلاسيكيين لأعمال وولف».

أما مجلة «ببلشرز ويكلي» فهي تلفت نظرنا إلى ملاحظة للمؤلف تهم القراء بقدر ما تشكل مصدر اهتمام لدارسي أدبه ولدارسي تيار الواقعية القذرة بشكل عام، حيث يشير وولف إلى أنه قام بإعادة تحرير بعض الفقرات في قصصه الإحدى والعشرين الكلاسيكية التي اعتقد أنها مرتبكة أو زائدة عن الحاجة. وتلفت المجلة نظرنا إلى أن وولف يستخدم بكثير من البراعة عنصري المفارقة والتقمص لاستكشاف مختلف جوانب الحياة المعاصرة.

في المصرف

لم يستطع أندرز الوصول إلى المصرف إلا قبيل إغلاقه، ولذا فقد كان الصف، طبعاً، ممتداً بلا انتهاء، ووجد نفسه وراء امرأتين وضعه حوارهما العالي، السخيف، في حالة مزاجية قاتلة. وعلى أي حال فإنه لم يكن في أفضل حالاته المزاجية قط. وهو ناقد للكتب معروف بضراوته المفعمة ضجراً، التي يتناول بها كل الكتب التي يقوم بمراجعتها تقريبا فيما كان الصف لايزال مزدوجاً حول الحبل الفاصل، قامت إحدى الصرافات بوضع لافتة «مغلق» أمام مكتبتها، ومضت إلى مؤخرة المصرف.

مقطتف من رواية « قصتنا تبدأ»

الكتاب: قصتنا تبدأ

تأليف: توبايس وولف

الناشر: نوف نيويورك 2008

الصفحات: 400 صفحة

القطع: المتوسط

Tobias Wolff

Our Story Begins

Knopf, N.Y. 2008

P.400