إن المجتمعات العربية وخاصة المجتمع المصري هي المجتمعات التي قد شهدت أربعة مشاريع للتحديث دون أن يحقق أي منها الهدف المنشود وهي ظاهرة تستلفت الانتباه إذا ما قورنت بالمجتمعات الأخرى، فقد شهدت اليابان مشروعا واحدا للتحديث وهو مشروع الإمبراطور ميجي عام 1868 والذي عاصر المشروع الثاني للتحديث في مصر وهو مشروع الخديوي إسماعيل، وشهدت الهند مشروعا واحدا 1947 والصين أيضا شهدت مشروعا واحدا 1949.
يقول د.أحمد عبد الجواد: إن تحليل ضعف الجماعات العلمية في مصر وتدني درجة فاعليتها على الرغم من مرور قرنين من الزمان على نشأتها يعود إلى ثلاث عوامل هامة يتعلق العامل الأول منها بالنشأة التاريخية للجماعات العلمية في أوروبا مقارنة بتلك النشأة التي ميزت الجماعات العلمية في مصر، أما العامل الثاني فيتعلق بمفهوم الجماعة ونوعية الروابط التي تقوم عليها في الثقافة العربية مقارنة بتلك السائدة في الثقافة الأوروبية.
ويتعلق العامل الثالث وهو ذو طابع فكري بموقف نظرية الجوهر الفرد من البنية النظرية التي تقوم عليها الجماعات والمؤسسات العلمية الحديثة في الدول المتقدمة، وهو نفس العامل الذي يفسر أسباب عدم القدرة على تكوين المؤسسات العلمية والبحثية ذات الفعالية حتى الآن في مصر. ويضيف: يعد ضعف الإنفاق على البحث والتطوير من أهم العقبات أمام تحديث الصناعة في الوطن العربي خاصة في عصر المعلوماتية.
فقد أصبحت الصناعة والتقنية تعتمد بصورة أكثر على العلم كما أصبحت تتميز بازدياد المكون العلمي بها مع تراجع القيمة النسبية لعنصر رأس المال وتوافر الخامات، وبذلك أصبح الاتجاه إلى الإنفاق على البحث والتطوير اتجاها عالميا ليس لصيقا بالدول فقط وإنما بمختلف الشركات العالمية التي تريد البقاء في سوق الأصلح.
كما يعد مقياس النشر العلمي مؤشرا مهما على مستوى الإنتاجية العلمية، وتشير الإحصائيات المنشورة إلى ضعف النشر العلمي العربي مقارنة مع إسرائيل، ففي عام 1995 بلغ عدد الأوراق العلمية العربية المنشورة 6665 ورقة بحثية مقارنة ب10206 ورقة بحثية نشرتها إسرائيل بمفردها وقد بلغ نصيب مصر من هذه الأبحاث المنشورة 2242 ورقة بنسبة 24% من جملة الأوراق العربية المنشورة.
ويعكس ضعف النشر العلمي العربي وتدني مستواه ضعف القدرة على تسجيل براءات الاختراع وهو المؤشر الثالث على وضع إنتاجية العلم والتقنية في العالم العربي وحسب دليل الإنجاز التقني لدول العالم والمنشور ضمن تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأم المتحدة الإنمائي والذي يبين براءات الاختراع الممنوحة للمقيمين {لكل مليوني شخص \عام1998} والذي يعكس القدرة على خلق التقنية فقد أظهر التقرير: عدم وجود أي دولة عربية سجلت أي براءة اختراع.
بينما حصلت كل من الهند والصين وإيران على واحدة، أما إسرائيل فقد حصلت على 74 براءة اختراع والتي يجيء ترتيبها الثامن عشر القادة بالنسبة للإنجاز التكنولوجي والذي يضم ثماني عشرة دولة. وإذا نحينا جانبا ضعف إنتاجية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر والوطن العربي مقارنة بالدول الأخرى مثل الهند والصين أو بدول النمور الأسيوية الخمس {ماليزيا وأندونيسيا وسنغافورة وتايوان وكوريا} فأن تلك القاعدة العلمية والتكنولوجية تعاني من ضعف بنيوي وهيكلي يعيق قدرتها على البحث والتطوير والذي يبدو في مظهرين جليين هما أولا خضوع تلك القاعدة لنمط العلاقة الأبوية سواء من ناحية نظم الإدارة أو التمويل والاستثمار ثانيا الانفصال بين المدخلات والمخرجات أي بين التمويل والنتائج المرجوة.
ويري د.عبد الجواد أنه على مدى قرنين من الزمان لم يتمكن المجتمع المصري من الانتقال من جماعة أو عصبية تعتمد على روابط النسب والعلاقات الشخصية إلى جماعة أو عصبية تعتمد على الروابط المعنوية والمشاركة في الالتزامات الأخلاقية والفكرية والمنهجية.. ويقول: إن هذا الانتقال يستلزم تبني نموذج نظري وميتافيزيقا حديثين وهو ما لم يحدث، ويمكن القول هنا بحضور نظرية الجوهر الفرد ورؤيتها للواقع، أن المؤسسات الحديثة تعتمد على الروابط المعنوية.
هذه الروابط هي من المعدومات حسب رؤية نظرية الجوهر الفرد، والمعدومات لا شيء ولا ينتج عنها شيء، إن ابن خلدون في توصيفه لعصبية الخلال والتي تقوم على الروابط المعنوية بدأ من المعدومات وفي رؤيته لقوة العصبية من حيث هي قوة فاعلة فهو يبدأ من الكليات والتي تنكرهما نظرية الجوهر الفرد.
إن ابن خلدون في رؤيته للبنية التي تقوم عليها عصبية الخلال يبدأ من المبدأ العام أو المبدأ الأساسي التي تشترك فيها الجماعة وتعبر بها من خلالهما عن قوتها ولا يبدأ من العلة الأولى، إن ابن خلدون في رؤيته لعصبية الخلال في تكوين الجماعات عنده يتبنى ميتافيزيقا مغايرة لميتافيزيقا نظرية الجوهر الفرد كما أنه يؤسس لبنية نظرية جديدة تقوم عليها الجماعات في المجتمع العربي.
إن الأخذ بتلك الميتافيزيقا وراء التعثر المستمر في بناء المؤسسات العلمية الحديثة في مصر والعالم العربي، وهو السبب الذي كان وراء ضعف تكوين الجماعات العلمية في مصر منذ القرن التاسع عشر وعدم قدرتهم على تبني النموذج الميتافيزيقي لفيزياء نيوتن أو النموذج الميتافيزيقي لفيزياء الكوانتم والذي كان وراء عدم قدرتهم أيضا على تبني نموذج كوني، فهذه الجماعات لم تستطع تبني أيا من هذه النماذج أو الدفاع عنه وهو ما انعكس سلبا على الإنتاجية العلمية بوجه عام.
المؤلف في سطور
الدكتور أحمد عبد الجواد أستاذ ورئيس قسم الطفيليات بكلية الطب البيطري، جامعة القاهرة، حاصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة جامعة عين شمس عام 1986، وعضو اللجنة الثقافية العلمية بالمجلس الأعلى للثقافة وعضو لجنة العلم والتكنولوجيا بمكتبة الإسكندرية وعضو الجمعية العلمية لتاريخ العلوم، من كتبه (إشكالية البحث العلمي والتكنولوجيا في الوطن العربي) الحائز على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية، و(أضواء على الثقافة العلمية)، و(موضوعات في الثقافة العلمية).
محمد الحمامصي
الكتاب: تاريخ وفلسفة العلوم في مصر منذ القرن التاسع عشر
تأليف: د.أحمد عبدالجواد
الناشر: الهيئة العامةلقصور الثقافة القاهرة 2008
الصفحات: 272 صفحة
القطع: المتوسط
