القضية الأساسية التي تحرك أنظمة التربية الحديثة هي قضية بناء الإنسان وتنميته بما يتلاءم مع حتمية التغير الاجتماعي المستمر يستعرض أنس شكشك في كتابه «التربية صناعة الإنسان» أهمية التربية والحاجة إليها حيث تعد من ضرورات التعامل الإنساني ومجالات الحياة، فقد ظهرت مع أول علاقات إنسانية في مطلع تاريخ البشرية حيث شهد علم التربية في المراحل التاريخية تطورا واسعا شمل فعاليات الإنسان كافة.

ويعتبر المؤلف أن التربية تتناول جوانب شخصية الإنسان والمجتمع الذي يريد بناء إنسان تتوافر فيه صفات النضج والقدرة على الإسهام والمشاركة في مجالات الحياة لهذا يعمل على تطوير الجوانب الفكرية والخلقية عن طريق الأسلوب العلمي ومن المعروف أن الإنسان لا يعيش منعزلا عن الآخرين، لذلك اهتمت التربية بإعداد الفرد للحياة الاجتماعية ومقوماتها الاقتصادية. ويرى الكاتب أن القضية الأساسية التي تحرك أنظمة التربية الحديثة هي قضية بناء الإنسان «صناعة الإنسان» وتنميته بما يتلاءم مع حتمية التغير الاجتماعي المستمر حيث تركزت الجهود لإيجاد العملية التربوية الفعالة فالتربية هي الأداة والأسلوب المنهجي لإعداد الناشئة وتأهيلهم للحياة في حاضر متغير بشكل متسارع ومسؤولية التربية في العمل على تمكين الإنسان في فهم ظاهرة التغيير ومواجهتها بالإمكانات اللازمة.

وفي تعريفه للتربية يذهب الباحث إلى أنها تعني في المعجم الفلسفي «تبليغ الشيء إلى كماله» وهي تعني التنشئة والتنمية، وهي عملية ينقل فيها الجيل الراشد تجربته الواعية إلى الجيل الناشئ بهدف إعداده للحياة والعمل. فالتربية برأي الكاتب تقتصر على الجنس البشري وتعد فعلا يمارسه جيل بلغ النضج في الجيل الناشئ ولكل تربية غاية ووجهة وهي تخضع لقانون الغائية وتخلق لدى الكائن عادات سلوكية ايجابية.

ويؤكد شكشك على أن التربية ليست مهنة مجردة فحسب وإنما أصبحت علما وفنا لأنها تتعامل مع الإنسان من جوانبه الحيوية والعضوية والنفسية والاجتماعية وتستند على العلوم والنظريات الخاصة بحسب المراحل العمرية الناشئة، بحيث ظهرت في المجتمع الحاجة لتعميم تجربة التربية وإنشاء مؤسسات خاصة توفر للجيل الناشئ إعدادا أفضل للحياة ومخططا له.

وتطرق الباحث إلى تطور الفكر التربوي منذ العصور القديمة حيث كان يعمل على الحفاظ على قوانين وأنظمة المجتمع واحترام الآلهة والمعتقدات الدينية السائدة، مستعرضا خصائص التربية اليونانية والتي تمثلت في إعطاء الأفراد الحرية في الحكم وإبداء الرأي والابتكار، والاهتمام بالجانب الخلقي في شخصية الفرد، وتشجيع الذاتية، وانتقل شكشك إلى التفكير التربوي لدى قدماء الصين حيث اعتمدوا على تعريف الفرد بواجبه العام وتتضمن العادات والتقاليد والنظم.

أما التربية عند قدماء المصريين فكان للدين أثر واضح فيها لأن عقائدهم جعلت سعادة المرء في آخرته وهي مرتبطة بما يؤديه له أولاده من شعائر دينية وبما يقدمون باسمه من قرابين لإحياء ذكراه واسمه بعد وفاته حيث خلود الروح والثواب والعقاب في الدر الآخرة، لذلك اهتم المصريون القدماء بالتربية وقد برز فيها الجانب الأخلاقي والنظر إلى الآلهة.

وانتقل الكاتب إلى التربية في العصور الوسطى وارتباطها بالديانة السماوية ولاسيما المسيحية وكان هدفا بالدرجة الأولى هو إحياء أخلاقيات الفرد وإصلاح العالم من الفساد المادي والتوجه إلى الحياة الخالدة، وتم فرضها في الكنيسة، وتطرق شكشك من جهة أخرى إلى التربية العربية الإسلامية التي بدأت في القرن السابع الميلادي مع ظهور الإسلام وانتهت في القرن الثالث عشر حين قضى المغول على الخلافة العباسية في بغداد، وقد اعتمد فيها على تنمية الإسلام تنمية شاملة ببنائه بناء متكاملا من خلال المفاهيم والمعتقدات والفلسفات الأخرى، وتم التركيز على نشر الدين والأخلاق الفاضلة.

وفي الإطار نفسه تطرق المؤلف إلى التربية الحديثة التي بدأت من عصر النهضة ونمت في القرنين الخامس والسادس عشر والتي كان لها أعمق الأثر في التربية والتعليم الحديث ، وأخيرا وقف شكشك عند التربية المعاصرة التي بدأت في بداية القرن العشرين حيث صارت المناهج التربوية تقوم على تلبية حاجات المجتمع وأهدافه مع مراعاة القواعد السليمة لنمو الفرد الذاتي والاجتماعي وارتبطت العملية التربوية بعملية التنمية الاجتماعية الشاملة، وأصبحت التربية تعنى بجوانب شخصية الإنسان الجسدية والنفسية والعقلية والاجتماعية ، وتسهم في ذلك مؤسسات متعددة بدءا من الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام المختلفة.

ويرى المؤلف أن للتربية وظائف عديدة منها إكساب الفرد عادات فكرية سليمة كالإدراك والانتباه والمحاكمة واتخاذ القرار وحل المشكلات، وأيضا إيجاد الصلات الايجابية للتفاعل مع الآخرين وإقامة العلاقات على أساس التعاون والاحترام والمصلحة الجماعية، تنمية المشاعر العاطفية والوجدانية للفرد تجاه الأشخاص والأشياء بما يضمن التفاعل بين الفرد وبيئته، بالإضافة إلى نقل التراث الثقافي والحضاري عبر الأجيال في جوهره وثوابته الغنية البناءة.

وفي سياق آخر استعرض الباحث تكوين الشخصية لدى الفرد ودور كل من الوراثة والبيئة والطبع في تكوينها، فالفرد يولد حاملا معه الكثير من الصفات والاستعدادات الوراثية من الآباء والأجداد والعائلة والتي تحدد الكثير من صفاته السلوكية، والتي تنمو بعدها في محيط اجتماعي يلعب دورا رئيسيا في نضوج الخصائص الوراثية وتعديلها بحيث يكسبها الكثير من السمات التي تعبر عن شخصية المجتمع، وتلعب هنا البيئة الطبيعية والأب والأم والبيئة المدرسية بالإضافة إلى وسائل الإعلام دورا في تكوين الشخصية.

وأما الطبع فيذهب شكشك إلى أنه مجموعة من الصفات الثابتة المرتبطة بخصائص شخصية الفرد التي يحملها بالفطرة وتبرز في سلوكه وتتميز بها شخصيته وتمثل الحياة النمطية لصاحبها، ولهذا تم تصنيف الأفراد سلوكيا في مجموعات مختلفة تمتاز كل منها بصفات خاصة، فهناك العصبي والغضوب والعاطفي والجموح والدموي....

ويؤكد الباحث أن الصفات التي تميز بين الأفراد من حيث فطرية الطبع ووراثية النقل جعلت الكثيرين لا يجدون تمايزا واضحا بين الصفات الوراثية والطبع وبين البيئة والطبع، إلا أن خاصة الطبع هي التي جعلت الفرد مسؤولاً عن أعماله أمام المجتمع وليس المقصود بالفعل الوراثة أو البيئة، فالفوارق التي تميز بين الأفراد من حيث الطبع قضت ألا يبدل أحد الناس اتجاهه النفسي الأصلي والتبديل العنيف ينتهي بصاحبه إلى الاضطراب النفسي واختلال الشخصية.

يسلط المؤلف الضوء على مجالات التربية والتي تنطلق أولا من التربية الجسدية وذلك بتزويد الفرد بقدرة وطاقة حركية تمكنه من القيام بالمهارات اللازمة التي تعتمد بالدرجة الأولى على اللياقة البدنية والقوة العضلية وتمنحه النشاط اللازم، وثانيا التربية العقلية والتي تستهدف تكوين العقل من خلال التفكير والإدراك والانتباه والتذكر والتخيل والتجريد والتعميم والتحليل والتركيب والمحاكمة والإبداع والذكاء، فتعمل على توجيه نمو هذه العمليات ليكون الفرد أكثر قدرة على ممارسة وظائف القوى النفسية المعرفية.

ناهد رضوان

الكتاب: التربية صناعة الإنسان

تأليف: أنس شكشك

الناشر: دار الكتاب العربي ـ حلب 2006

الصفحات: 228 صفحة

القطع: المتوسط