يحاول الكاتب رفيق الصبان أن يثير في كتابه «مد وجزر» دهشتنا وتأملنا ونحن نقرأ مقالات نقدية له حول أفلام سينمائية كان شاهدها، فيأخذ على السينما المصرية أنَّها صنعت مجدها اكتشفت نفسها عندما أخذت حكاياتها من روايات وقصص نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، ويحيى حقي، ويوسف إدريس.
أما اليوم فيُصاب المرء بالحيرة والذهول أمام موقف سينمانا القومية من نبذ قصَّاصينا الشبَّان، الذي يبدو أنَّ السينما المصرية ما زالت مصرَّةً على تجاهلهم رغم الثراء الكبير الذي تمتاز به قصصهم، ورغم الطابع الدرامي الحاد الذي يميِّز بعضها. ثمَّ ينتقل د. رفيق الصبان إلى موضوعٍ من أكثر وأخطر المواضيع حساسيةً؛عندما تجيِّشُ السينما المصرية عدداً كبيراً من أفلامها فنرى فيها (البطل) وقد أصابه اليأس والإحباط من عدم تحقيق العدالة، فيضَّطر لأن يختار طريقاً فردياً للانتقام، فيقرُّ فيها سفك الدماء،فيقتل خصومه غير مبالٍ بما سيحصل له، ما دام قد استردَّ كرامته الجريحة وحقَّه المهضوم.
وكأنَّ السينمائيين المصريين يعلنون عن يأسهم الكامل من وجود عدالة في بلدهم، تقف معهم وتشدُّ من أزرهم وتدافع عن حقوقهم؟ وكأنَّهم يريدون أن يشيروا إلى أنَّ عصر «المدنية والحضارة» قد انتهى من بلدنا، وحلَّت محلَّه قوانين الغابة وشريعة الأقوى، وكلٌّ عليه أن يدافع عن حقِّه بطريقته، ما دامت وسائل الأمن والحماية قد أعلنت عجزها؟. ويذكر د. رفيق الصبان عدداً من هذه الأفلام: التخشيبة، والبريء، وكتيبة الإعدام لعاطف الطيب. وعدم كفاية الأدلة لأشرف فهمي، وأيام الغضب لمنير راضي.
وهي أمثلةٌ بسيطة ونفَّاذة لظاهرةٍ مخيفة ذات دلالة، أصبحت تشكِّل ما يشبه الأسلوب الفكري في سينمانا الجادة، ومن خلال أكثر الأفلام موهبة، وأشدِّ المخرجين التزاماً وفنيةً ووعياً. ويبقى السؤال: هل نخرجُ إلى المجتمع حاملين سكاكين، وقنابل ومسدسات لندافع عن حقوقنا، بعد أن عجزت الدولة ووسائل الأمن عن توفيرها لنا؟. وهل نعلن بصراحة موت الحضارة والمدنية، وبدء عصر الغابة والفوضى وشريعة القوي؟ أم نغمض أعيننا عن الفساد ونسير كالقطيع دون سؤال أو مواجهة أو عراك؟
الموضوع الآخر الذي لا يقلُّ سخونةً، بل يشكِّل عصب الأفلام العربية والعالمية هو (الجنس) فيشير د. الصبان إلى فيلم (الصمت) لأنغمار برغمان الفيلم القنبلة الذي فجَّر موضوع الجنس؛ الفعلُ الفاضح في السينما، حيث لم يكن يجرؤ أحد على طرحه بهذه المباشرة، إذ استطاع «برغمان» وبهذا الفيلم أن يفتح أمامنا أبواب جهنَّم والجنَّة معاً، ويتركنا أمام مسؤولياتنا: كيف نقدِّم الجنس في السينما؟ وإلى أي حدٍّ يمكن أن نصل به؟ وأين يمكن أن نتوقَّف؟ وما هو الفاصل الدقيق، والمعيار الذي يجعلنا نميِّز بين فيلم «بورنوغرافي» رخيص ومشهدٍ جنسيٍ فني له قيمته الدرامية والجمالية ، ولا يخجلُ فنانٌ سينمائي كبير مثل أنغمار برغمان من وضع اسمه عليه؟.
عربياً الفعل الفاضح ـ ممارسةُ الجنس وفي السينما المصرية كما يقول د. الصبان كان مجرَّد جملةٍ في حوار، أو مشهدٍ خاطف سريع كما فعل حسين كمال في فيلمه (بعيداً عن الأرض)، الذي رأينا فيه من خلال كابوس تقع فيه نجوى إبراهيم ـ مديحة كامل وهي تمارس الحب عاريةً مع ممثِّلٍ شاب في فراش مبعثر.
أو كما فعل صلاح أبو سيف في فيلمه المشؤوم (حمام الملاطيلي) الذي عبث فيه الرقيب على مدار السنين، والذي يكاد يكون الفيلم العربي الوحيد الذي قدَّم فيه ما يُسمى بالفعل الفاضح في إطارٍ شعري وجمالي معقول. هذا دون أن ننسى مقدِّمات الفعل الفاضح التي أبرزها صلاح أبو سيف بصورةٍ شبقية ذات طابع شرقي محض في (شباب امرأة).
المخرجون الشباب الجدد يحاولون كسر القيود التي صنعها المخرجون الذين سبقوهم، في أن يعبِّروا بطريقتهم الخاصة عن هذا الموضوع الحارق الذي أصبح سمةً من سمات العصر الذي نعيش فيه، ولكنَّهم حيثما تحرَّكوا،وجدوا القيود والموانع ،من الرقابة التي تسلِّط عليهم سيفها الحديدي، ومن الممثلين الذين يرفضون حتى القُبلة!!. وموانع من المجتمع الذي يتهمهم بالانحلال وإفساد الجيل، وموانع من داخل أنفسهم تدفعهم للتساؤل عن جدوى كلِّ هذا العناء وفي سبيل ماذا.
بعد ذلك يطرح د. الصبان موضوع سينما «المطربين» إذ إنَّ الجمهور العربي بطبيعته يميل إلى المرح والقهقهة العالية، وهذا يفتح باباً واسعاً على الرقص والغناء. لذلك لم يكن غريباً أن يكون أوَّل نجوم السينما الذين تعلَّق بهم الجمهور الجديد هم المطربون والمطربات؛ عبد الوهاب، وفريد الأطرش، وأم كلثوم، وليلى مراد. الذين حقَّقت أفلامهم أكبر نسبة من الإيرادات رغم أنَّ معظمهم لا يعرف التمثيل ولا يجيده. لكنَّه رغم الطبيعة الراقصة التي تكاد تكون عفوية لدى المتفرِّج، فإن نجومية الراقصات تأخَّرت كثيراً قبل أن تصعد إلى سماء السينما العربية.
بل إنَّها لم تستطع إثبات وجودها إلا بعد أن تسلَّقت هرم الغناء، وسارت فوق كوبري المطربين. ومن أهم الراقصات كانت تحية كاريوكا، وسامية جمال، ونعيمة عاكف. وكاريوكا بكل ثقلها الفني ، وانفرادها المدهش بأسلوب راقص مميَّز وحضورها الطاغي، لم يشتد عودها إلا بعد أن استندت إلى جدار فريد الأطرش، الذي عرف كيف يصقلها ويهندسها ويقدِّمها في إطار شرقي خلاب من موسيقاه وأغانيه.
كذلك الأمر في حورية الرقص ذات الذراعين الطويلتين اللتين تمسَّان السحاب سامية جمال، كان عليها أن تعتمد في بناء مجدها على دعم هذا المغني ذي الصوت القوي والشجن العميق. وهاتان الراقصتان كانتا أوَّل من رسما معالم السينما الاستعراضية الراقصة، ومن بعدهما كانت هند رستم أوَّل من حاول أن يجعل من الرقص أداةً درامية، وكذلك «نادية لطفي» التي جعلت حركة الجسد تعبر عن حركة الروح في فيلم (أبي فوق الشجرة) وفي (قصر الشوق).
والممثلة «نيللي» كانت أوَّل راقصة استعراضية على الشاشة الصغيرة ودامية على الكبيرة، ونادية الجندي، ويسرا، ومديحة كامل حين رقصتا حتى الثمالة في فيلم(درب الهوى)، ونبيلة عبيد، وفيفي عبده، وسحر حمدي. راقصاتٍ يمثِّلن، ممثلاتٍ يرقصن، والمعركة حارَّة، والميدان واسع، والجمهور هو الحكَم.
إنَّ معركة الكرة الراقصة التي تدور في استوديوهات القاهرة الآن، شبيهةٌ بلعبة الكرة المائية، لا هي سباحة ولا هي كرة. والراقصات اللواتي يُشهرن سيفهن الفضي في وجه الممثلات اللواتي ينافسنهن في ميدانهن؛ يدخلن معركةً وهميةً ليس فيها غالب ولا مغلوب في صفوفهن، لأنَّ اللاعب الوحيد الذي سيدفع الثمن هو ـ مع الأسف ـ جمهورهن المسكين.
الفهم الخاطئ
ما دام الفعل الفاضح في السينما المصرية لا يزال منظوراً إليه كعمل مبتذل، يقوم على أساس حركاتٍ حيوانية وهدفه تجاري محض، فإنَّه ما من سبيل أبداً لأن نرى بين مخرجينا بزوغ نجم «بازولينان» جديد أو «أوشيما» خاص بنا، أو حتى «لويس مال» على أبسط الحدود.
المؤلف في سطور
د. رفيق الصبان كاتب وناقد مسرحي وسينمائي سوري له العديد من المؤلفات ، أسس في عام 1959 فرقة المسرح القومي في سوريا، ولمع اسمه في عقد الستينات كأفضل المخرجين المسرحيين السوريين، حيث قدم روائع المسرح العالمي الكلاسيكي بإعداد معاصر، ثم ذهب إلى مصر وكتب سيناريو لأكثر من 25 فيلما سينمائيا، بدأها بفيلم «البؤساء» عام 1978 من إخراج عاطف سالم للكاتب الفرنسي «فيكتور هوجو».
وفي عام 1978 حول عمل الكاتب الروسي الشهير ديستوفسكي «الأخوة كارمازوف» إلى فيلم سينمائي بعنوان «الأخوة الأعداء» من إخراج حسام الدين مصطفى. يعمل رفيق الصبان أستاذا في معهد السينما قسم السيناريو، ويعد واحدا من أهم نقاد السينما في العالم العربي.
أنور محمد
الكتاب: مد وجزر
تأليف: د. رفيق الصبان
الناشر: المؤسسة العامة للسينما ـ دمشق 2007
الصفحة: 176 صفحة
القطع: الكبير
