ا بين عام 1897 و1900 لاستقبال «المعرض الكوني بباريس». وفي عام 1964 قرر اندريه مالرو الكاتب الفرنسي الكبير ووزير الثقافة آنذاك في ظل الرئيس شارل ديغول عند التقاء القمتين «السياسية والثقافية»، كما يقال ـ تحويل قسم من المبنى إلى صالات لإجراء معارض مؤقتة ذات طابع عالمي.
المعرض الأول الذي شهده «القصر الكبير» ما بين شهري يونيو وأغسطس من عام 1966، كان مكرساً لفن بلدان إفريقيا السوداء. وقد شهدت صالاته بعد ذلك أكثر من 250 معرضاً فنياً ليصبح الأهم في هذا الميدان بفرنسا وأحد الأكثر أهمية على صعيد العالم كله. ليس من المبالغة القول ان جميع معارض «القصر الكبير» عرفت احتشاد الزائرين أمامها بـ «طوابير» طويلة. ولا يقتصر الأمر على الفرنسيين وإنما من مختلف الجنسيات الأوروبية وأيضاً بأعداد مهمة من اليابانيين، وما قل وندر من عرب.. رغم أن «القصر الكبير» يقع جغرافياً بجانب جادة الشانزليزيه التي «تعج» بهم.
المعرض الأخير في سلسلة المعارض الطويلة التي شهدتها صالات «القصر الكبير» يخص الرسام الفرنسي الشهير غوستاف كوربيه، وذلك خلال الفترة الواقعة بين 13 أكتوبر 2007 و28 يناير 2008. ومثل العادة لابد من الانتظار في الصف الطويل حوالي الساعتين «على أقل تقدير» قبل الدخول إلى المعرض.. لكن هذا لا يمنع الجميع من «الصمود» مهما كان البرد قارساً بكل الحالات. من المألوف في باريس أن نرى الناس «طوابير» طويلة أمام المتاحف والمسارح وحتى المكتبات أحياناً. «غوستاف كوربيه» هو أحد نقاط الاعلام البارزة فنياً في فرنسا خلال القرن التاسع عشر. لم تمتد حياته أكثر من 58 عاماً ولكن لوحاته عرفت، ولا تزال تعرف، طريقها إلى مختلف متاحف الدنيا الكبرى.
كان كوربيه عنيداً ومغروراً وموهوباً.. وعبر هذا المزيج «المتأصل» لديه استطاع أن يحدث انقلاباً في مسيرة الفن الأكاديمي في عصره ويفرض «الواقعية» كما رآها. لا شك أن كوربيه كان شديد الاعتداد بنفسه بل والإعجاب بذاته حتى حدود «النرجسية» تقريباً.
لقد أمضى السنوات العشر الأولى من مسيرته الفنية وهو يستلهم من ملامح وجهه عشرات الصور الذاتية من مختلف الأحجام وفي مختلف الأوضاع. ان العديد من لوحات سنوات البداية في معرضه بالقصر الكبير تمثل اعتزازه بشبابه وبمظهره.. ومن بينها تلك التي تمثله مع «كلبه الأسود» التي شارك فيها للمرة الأولى في «صالون الرسم» لعام 1842.
وإذا كان «كوربيه» قد تخلى بعد ذلك عن رسم ذاته كي ينحو نحو الآفاق الرحبة للرسم «بالمعنى الأشمل للكلمة.. فإنه استمر في التأكيد على مظاهر «القوة» لديه، بوسائل أخرى.. هذا ما تمثله لوحته الشهيرة «سنديانة فلاجى» العملاقة و«المسيطرة» على حقل من السنديانات الصغيرة.. انها اللوحة التي اختارها معرض «القصر الكبير» عنواناً له وهي من مقتنيات «متحف موراشي الفني» بطوكيو.
ما هو أكيد في مسيرة «كوربيه» الفنية هو أنه ظل «مسكوناً» طيلة حياته بأرض مولده وبأصوله.. هكذا رسم ينابيع منطقة «أورنان» وكهوفها وطبيعتها.. ورسم أفراد أسرته وناس البلدة العاديين وكأنهم «أبطالاً». هذا ما نراه كله في لوحته الشهيرة «عملية دفن في أورنان» التي صدمت الكثير من معاصريه من الفنانين والنقاد والفنيين وإنما التي كانت بمثابة كوربيه أي «الواقعية» في مواجهة التيارات السائدة من رومانسية ومثالية.
عاش كوربيه في فترة كانت فيها الفلسفات الوضعية والمادية تزدهر وتتعزز.. وقد تبنى الأفكار الأساسية لهذه التوجهات في مواجهة نزعات الحنين إلى الماضي.. وقد تواكب ذلك لديه مع الميل نحو التمرد على الكنيسة الكاثوليكية.
سمة «التمرد» هذه دفعت «كوربيه» إلى الدخول في العديد من التحديات ومن الجدل مع أقرانه ومع الأفكار السائدة في محيطه. هكذا أثناء «المعرض الكوني للرسم عام 1855» قبلت اللجنة المسؤولة عن تنظيمه 11 لوحة من لوحاته للمشاركة في المعرض. لكن ذلك لم يمنعه من أن يعتبر نفسه «مرفوضاً» وقام بتنظيم معرض «موازٍ» لأعماله تحت عنوان «حول الواقعية».
غوستاف كوربيه أطلق ذلك التحدي في وجه «عتاة» الأكاديمية مؤكداً بذلك على استقلالية الفنان في مواجهة النظام. لم يتسابق الزائرون لحضور «المعرض الموازي» لكن كوربيه فاز بـ «تميزه» وهذا ما عبر عنه هو نفسه بالقول: «ان لوحاتي الأربعين ستناضل ضد الـ 5000 لوحة التي يضمها المعرض الكوني، وسوف أقاتل وحدي ضد فرنسا وانجلترا وبلجيكا وإسبانيا وألمانيا.. «غرور» ولكن في محله.
وهل كان يمكن لفنان أن يرفض طلب نابليون الثالث إمبراطور فرنسا آنذاك؟ لا أحد باستثناء غوستاف كوربيه الذي رفض رفضاً قاطعاً أن يقوم برسم لوحة «حسب الطلب» الذي عبر عنه نابليون وكلف مدير كلية الفنون الجميلة بنقله إليه.. والذي سمع الرسام يقول له: «أنا الرجل الأكثر اعتداداً بنفسه والأكثر غروراً في فرنسا». بعد عدة سنوات رفض غوستاف كوربيه قبول «رسام الشرف» الأعلى في بلاده.
الترجمة الفنية للتوجه «الواقعي» لدى غوستاف كوربيه تبدت في العديد من لوحاته التي رسم فيها الناس البسطاء والمسحوقين في محاولة للتعبير عن التزامه بقضاياهم العادلة.. مثل «كسارو الحجارة» و«فقيرة القرية» و«صدقة الشحاذ».
لكن اتهامات كثيرة جرى توجيهها لغوستاف كوربيه خلال الفترة الأخيرة من حياته بأنه «خان طبقته» وتنكر للبؤساء كي يغرق في أجواء «التبرجز» والبحث عن المتع الفردية بعيداً عن أي التزام. وآنذاك رسم لوحته الشهيرة «أصل العالم». لعل الأمر لم يكن كذلك.
والدليل هو أن كوربيه قد شارك بنشاط في كومونة باريس العمالية الشهيرة التي تشكل إحدى المحطات الأساسية الكبرى في تاريخ فرنسا الحديث حيث ذهب ضحيتها الآلاف من البشر.. لعله لم يتنكر أبداً لأفكار سنوات شبابه، وإنما أراد الانغماس أكثر في الطبيعة العذراء وتأملها بعيداً عن الناس لساعات وساعات.. كل ما يمكن تأكيده هو أنه قد أنتج في تلك الفترة لوحات «شاعرية» جعلت البعض يصنفونه على أنه آخر الانطباعيين.
ولد غوستاف كوربيه عام 1819 وتوفي عام 1877.
سيرة ذاتية
ـ من مواليد بلدة دورنان في منطقة »دوبس« الفرنسية.
ـ أمضى دراساته حتى الثانوية في مدينة بيزانسون قبل »الصعود« إلى باريس.
ـ اهتم أولاً بمحتويات متحف اللوفر ثم سافر إلى هولندا كي يعمق معرفته بالرسام الكبير رابرانت.
ـ عرض في صالون عام 1944 بباريس، وأصبح يتردد على الشاعر بودلير والاشتراكي الفوخوي برودون ورسمهما.
ـ رفض صالون 1855 عرض لوحته الشهيرة »ورشة الفنان«، فما كان منه سوى أن عرضها مع 40 لوحة أخرى في بيت متواضع أطلق عليه تسمية »معرض الواقعية«.
ـ نال الاعتراف الباهر به أولاً في انجلترا ثم في ألمانيا.
ـ عرف السجن سبب آرائه السياسية.
ـ انسحب بعد ذلك إلى سويسرا حيث وافته المنية.
كوربيه والكتب
يفوق عدد الكتب التي تمّ نشرها عن غوستاف كوربيه في اللغة الفرنسية وحدها 500 كتاب، وهناك عشرات الكتب عنه باللغة الإنجليزية واللغات الأخرى ـ هل من بينها اللغة العربية؟. عالجت هذه الكتب مجمل أعمال الفنان تحت توصيفات مثل »آخر الرومانسيين« أو »شاعر الطبيعة« أو »فنّان الحرية« أو »كوربيه وكومونة باريس والسياسة«. وهناك كتب عديدة كرّسها مؤلفوها لعمل واحد من أعمال الفنّان وفي مقدمتها لوحته الشهيرة »أصل العالم«، الجريئة، المعروضة في متحف »أورسي« بباريس.
آخر الإصدارات عن كوربيه كتاب باللغة الإنجليزية نُشر في أواخر شهر يونيو ـ 2008 تحت عنوان »غوستاف كوربيه«. مؤلفه هو مؤرخ الفن »جورج ريات« الذي يرى في كوربيه أحد أكثر فناني القرن التاسع عشر تعقيدا ولكنه أيضاً محرر الرسم من القواعد التقليدية على صعيدي الشكل والمضمون.
على شاطئ المتوسط
بعد معرضين كبيرين جرى تكريسهما لغوستاف كوربية وجذبا مئات الآلاف من البشرفي باريس ونيويورك ،ستشهد مدينة مونبليية الفرنسية الواقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط معرض كوربيه بدورها.
كان كوربيه قد أقام في مونبلييه مرّتين ما بين عام 1854 وعام 1857 واكتشف أثناءها جمال شمس المتوسط وطبيعته. وهو صاحب الجملة الشهيرة القائلة: »الجمال موجود في الطبيعة ونصادفه في الأشكال الأكثر تنوعا للواقع. وعندما يتم العثور عليه يصبح ملكا للفن أو بالأحرى ملك للفنان«.
هكذا رسم كوربيه آنذاك سلسلة من اللوحات الشهيرة التي ليس أقلّها شأنا »جسر امبروسوم« و»ذكريات الأكواخ« و»منظر على برج فابر«. غادر كوربيه مدينة مونبلييه نهائيا عام 1857 ليكون موعده الجديد معها هذا الصيف وحتى 19 سبتمبر المقبل.
متحف ومعهد غوستاف كوربيه في أورنان
أنشأت جمعية أصدقاء غوستاف كوربيه التي قامت عام 1938 متحفاً خاصاً باسم الفنان في المنزل الذي رأى النور فيه ببلدته اورنان. فتح المتحف أبوابه عام 1971، وقد قامت الجمعية بوهب جميع ممتلكات الفنان وأعماله الرئيسية لمجلس محافظة المنطقة الذي أصبح مسؤولاً عن صيانته وتطويره، وفي عام 1999 تحولت جمعية أصدقاء كوربيه إلى معهد كوربيه للتأكيد على تطلعاتها الثقافية وتنشيط هذا البعد في المتحف.
هكذا وخلال عدة سنوات أصبح اسم المتحف والمعهد معروفين لدى الأوساط الفنية العليا في أوروبا وأميركا كما في آسيا. أظهرت احصائية جرى نشرها عام 2004 في «صحيفة الفنون» ان متحف كوربيه يحتل المرتبة 75 من بين الـ 250 متحفاً فرنسياً من حيث عدد زائريه. يشرف معهد كوربيه على إدارة مكتبة المتحف التي تهتم بالكتب والدراسات الصادرة عن كوبيه.. وينشر أو يعيد نشر الأعمال الفنية والبطاقات البريدية والنشرة الدورية الصادرة عن اصدقاء الفنان.
د. محمد مخلوف


