تصاعدت في الآونة الأخيرة حدة النقاش في الأوساط الثقافية المغربية بين دعاة توظيف العامية المغربية بكثافة في وسائل الإعلام والاتصال والترفيه وأنصار التشبث باللغة العربية الفصحى. يرى الفريق الأول أن العامية مرآة عاكسة لصورة المغرب الثقافية وتنوعه الحضاري على مر العصور فيما يرى الفريق الثاني أن الفصحى جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والدينية للمغاربة.
علاوة على ذلك ينحو المدافعون عن العربية إلى اتهام دعاة استعمال العامية بالتآمر على اللغة العربية الفصحى في إطار «مخطط استعماري» يهدف إلى القضاء عليها وإصابة العرب والمسلمين «بمزيد من التشتث». ظهرت بعض العناوين في المغرب في السنتين الأخيرتين تخاطب القارئ المغربي بلغته العامية أو «اللهجة الدارجة» كما يصطلح عليها المغاربة كما ظهرت عدة إذاعات في مناطق البلاد تبث بالدارجة كليا أو جزئيا مستفيدة من بعض الانفتاح الذي شهده قطاع الإعلام السمعي البصري في المغرب في السنوات الأخيرة.
واصدر العاهل المغربي محمد السادس مرسوما في أغسطس من عام 2002 يقضي بإنشاء «الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري» التي تعتبر إطاراً قانونيا وتشريعيا لتحرير قطاع الإعلام وتأهيله للمنافسة واستقبال قنوات وإذاعات أجنبية للبث في المغرب. ومنحت الهيئة العليا للاتصال منذ أكثر من عام الترخيص لنحو 11 إذاعة محلية للبث في المغرب اغلبها يبث بالعامية أو يزاوج بينها وبين العربية والفرنسية.
وتقول إيمان لعرايشي وهي مسؤولة للتواصل في إذاعة «هيت راديو» بالرباط التي بدأت البث منذ أغسطس الماضي في كل من الرباط والدار البيضاء والجديدة والصويرة وسطات ومراكش «اللهجة الدارجة هي لغتنا الأصلية والجميع يفهمها». وتضيف «كان قرار اختيار اللهجة الدارجة منذ بدء البث لا رجعة فيه لماذا لا نسأل صحافيا في القناة الفرنسية الأولى لماذا يبث برامجه باللغة الفرنسية».
وظهرت عناوين أيضاً في المغرب تكتب باللهجة الدارجة كأسبوعية «نيشان» وتعني بالعامية المغربية «كما هو» وبدأت في الصدور منذ العام الماضي وتعتبر العامية السمة الطاغية على مقالاتها السياسية والاجتماعية الناقدة. ويقول محمد السيدي رئيس شعبة اللغة العربية وآدابها في جامعة محمد الخامس اكدال بالرباط «يجب أن نحدد الهدف من الإعلام الذي نريده هل الترفيه أم هو أداة لنقل المعرفة وتنمية المجتمع ثقافيا».
ويجيب السيدي في مقابلة مع رويترز «إذا كان المقصود هو الترفيه فالعامية صالحة في هذه الحالة لكن إذا كانت الغاية هي التنمية الثقافية ونشر المعرفة فيجب استعمال لغة اقرب ما تكون إلى اللغة الأكاديمية أو المستعملة في مجال التعليم». ويوضح السيدي أن استعمال اللغة العربية «ليس بالضرورة استعمال لغة العصر الجاهلي أو العباسي فاللغة غير متحجرة وشأنها شأن باقي اللغات تتطور وتكتسب خصائص تجعلها مواكبة للعصر».
ويعتبر عدد من المحللين الاجتماعيين أن الأقوام والحضارات التي تعاقبت على المغرب على مر العصور وموقعه الجغرافي المتجذر في إفريقيا والقريب من أوروبا لعب دورا أساسيا في تنوع لهجات أهله. وتعتبر «الدارجة» المغربية خليطا من الامازيغية التي يتحدثها سكان المغرب الأصليون والافريقية والعربية وعدد من اللغات الأوروبية التي تعاقبت على استعمار المغرب كالبرتغالية والاسبانية والفرنسية. كما يتكلم الامازيغية عدد من المغاربة يقدرهم «المعهد الملكي للثقافة الامازيغية» بنحو 30 في المئة من عدد السكان حسب إحصائيات 2004.
وأعلن العاهل المغربي في عام 2001 إنشاء «معهد ملكي للثقافة الامازيغية» الذي يعتبر مؤسسة أكاديمية للبحث في شؤون اللغة الامازيغية والاهتمام بثقافتها. جاء هذا القرار بعد سلسلة من تحركات الجمعيات الامازيغية بدأت بالخصوص ثقافية بغرض إحياء اللغة والثقافة الامازيغيتين ثم بدأت تنحو إلى مطالب سياسية على رأسها الاعتراف الدستوري بالامازيغية والحق في الإعلام.
و يقول إبراهيم باوش وهو ناشط حقوقي «بالنسبة لي تعلمت اللغة العربية في المدرسة إذن من الطبيعي أن أجدها في وسائل الإعلام لكن ماذا بالنسبة لمن لم يتعلم ولا يتقن سوى الامازيغية أو الدارجة المغربية». ويضيف باوش «مع الأسف في المغرب لدينا ثقافة الإقصاء واحتقار الذات يجب أن نؤسس فعلا لديمقراطية اجتماعية وإعلامية وتثقيفية لان الإقصاء يولد الفتنة».
ويتساءل «لماذا نفهم المصريين واللبنانيين مع أن لغاتهم أيضاً خليط من العربية والتركية والارامية وعدد من اللغات الاسيوية والافريقية والأوروبية» ، وأردف قائلا «لانهم استطاعوا فرض منتوجاتهم الفنية والثقافية يجب أن نقوم بنفس الشيء وألا نقصي أنفسنا بأنفسنا». ويرى محمد يتيم وهو نائب برلماني من حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعتدل المعارض أن «الحديث عن العامية هو حديث مغلوط لأنه لا توجد عامية واحدة وإنما عاميات في المغرب إذن عن أية عامية نتحدث؟.
ولا يستغرب أن تكون «اللغة العربية مستهدفة لأنها جزء لا يتجزأ من هويتنا وشخصيتنا العربية والإسلامية فالشعوب العربية من المحيط إلى الخليج لها لغة توحدها وهذه مسألة نحسد عليها بينما في الاتحاد الأوروبي على سبيل المقارنة نجد عددا من اللغات الفرنسية والانجليزية والألمانية والاسبانية». ويذهب السيدي في نفس الاتجاه عندما يعتبر أن فرضية التآمر على اللغة العربية «أمر غير مستبعد».
ظاهرة قديمة
كان وجود عناوين تصدر في المغرب بالعامية ليس جديدا إذ عرف المغرب في السبعينيات والثمانينيات بعض العناوين أشهرها «أخبار السوق» التي وظفت الرسوم الكاريكاتورية باللغة العامية لانتقاد الوضع الاجتماعي والاقتصادي المحتقن في تلك الفترة.

