طائران حران منفرطان خارج مدارات الخيال الراقصة اقتحمت عزلة الشيخ الجليل بوداعة حمامة والشيخُ صفق لها وكتب في دفتره سطور العشق الأخير. أنثى ورجل حطّا على جزيرة كاريبية مثقلين بالأوسمة والنياشين والنجاحات الكبيرة.
أنثى الموز الكولومبي إرزة خضراء نثرتها رياحٌ لبنانية في حكاية قديمة، فتبرعمتْ على ضفاف الباسفيك حورية ليل صاخبة، يتماوج الحب بين خصرها وسرّتها فيستقيم جسدها على دوائر موسيقية متقنة الإغراء. حكّاء كولومبيا الأول وكاتبها الشعبي الباهر، سليل القرون والخرافات، أسطورة ماكوندوية انخلقت من العدم وشاعت في أرجاء العالم، معماراً روائياً لم يكتبه أحدٌ من قبل. هي نتاج فورة جسدية غنائية حديثة وهو محارب قديم سيتقاعد بعد ايام قليلة.
الرجل فقدَ أصابعه في لحظة الكتابة الغرائبية حين «اخترع» ماكوندو وأسكن فيها المشردين الماكوندويين فوثّق حاراتها وبيوتاتها الصغيرة وعشاقها النزقين وثوراتها التي قتلتْ ثوارها المتطرفين ولياليها الماجنة وانقلاباتها المتكررة. بؤسها وشقاءها ونحسها ونعيمها. غجرها وجنرالاتها وأسرارها وتحولاتها السريعة من الصعود الأول إلى الأفول الأخير. الأنثى تبخر جسدها في رقصة البوب الماجنة ؛ في لحظة انفصال الوعي عن الذاكرة. فهي العارفة بأسرار لحظتها الراقصة وأسرار الجسد وبراكينه الحمراء ونزواته الشبقة المشابهة لنزوات الكولونيل أوريليانا بوينديا وهو ينتقي زوجاته بعشوائية رجل الغابة.
هو ماركيز.. غابرييل غارسيا ماركيز/ من مواليد 1928 - وهي شاكيرا.. شاكيرا إيزابيل مبارك ريبول / من مواليد 1977: ويوم وُلد ماركيز كانت شاكيرا نطفة في العماء. خمسون عاماً تفصل البجعة عن شاطئها والوردة عن عطرها. وأنا أوثق بينهما رعشة المطر بين الأصابع والجسد منساقاً مع لعبة الكتابة الراقصة، أتطلع إلى فصلين من فصول الإبداع في عالم قوامه الأدب والفن لعَلَميْن كولومبيين اجتاحا العالم بقوة ووصلا إلى مجرات الخلود. استفاقت شاكيرا على إيقاعات « خوليو إيغلسياس» وتدربت على سماع الموسيقى الإسبانية واتحد صوتها وجسدها مع أشهر الفرق الكولومبية كبوليو وكوير لتنضج « خوخة » الغناء في حنجرتها فيلتقط جسدها شفرات الصوت وارتعاشاته الاستثنائية في ربيع كولومبي غزير المطر والأعشاب؛
لكن ماركيز استفاق على صياح الديكة في الفجر الكولومبي الحار وعراك السكارى في الحانات القذرة آخر الليل وشجارات الأزواج العاطلين عن العمل. استفاق على الذباب بدل الزهور والبارات الرخيصة بدل الصالات المنعشة.
شاكيرا تعرف بورخيس وبودلير بعد ماركيز وتقرأ ما تسرقه من وقتها المليء بالعروض والسفر والغناء والجمال والشباب. وشباب شاكيرا نقيض شيخوخة ماركيز المليئة هي الأخرى بأنواع العروض، لكنها ليست كعروض طفلة الموز الراقص التي زارت حتى الآن 140 دولة وتجولت في خمس قارات وغنّت إلى كل لغات العالم بجسدها النافر كالغزالة وهي تصول في ميادين الجمال الموسيقي وساحات الطرب بحنجرة بطة مهاجرة ولكن بطريقة ( أنا أسدٌ في غابة ) كما قالت ذات مرة.
على طرف آخر من جزيرة الخريف الكولومبي يجلس الأب ماركيز يدخن سيجاره الكوبي، يحسب سنواته الطويلة التي انفرطت، متأملاً غصن الباسفيك المتأرجح في رقصة الخيال الجامح، مستعيداً روح الطفولة النافرة بين أراجيح الزمن وصياح الديكة في ماكوندو، ليستجمع موسيقى العزلة التي تركها على أطلال مدينته العجائبية بعد أن ابتناها بمخيلة أسطورية بيتاً بيتاً ونفخ فيها روح الحياة بين اصطفاق طلقات الثوار والمتمردين من الجنرالات ونزوات ريميديوس الجميلة.
في كل حياته السبعينية كان ماركيز يبني بين السطور حكايات الغجر الجوالين ومدن اليوتوبيا الخالدة بحرفية عالية ومهارة صائغ حياة ودنيا وشخصيات نافذة بطبعها وطبيعتها. عقلٌ احترافي وقلم نافذ إلى أعماق الإنسان وتقلباته المناخية ، فيما مواطنته شاكيرا تبني شاكيرا أغنيتها حسب معمار جسدها بناءً محكماً عندما تغني أغنية البرتقالة الكولومبية الثمينة..
عقلٌ راقص وجسد يتماهى في ألحان صوفية استوطنته عندما تعلمت النطق بالإسبانية ورأت آثار المتصوفة العرب في ساحات غرناطة وقرطبة، إضافة لما تمتلكه من جذر عربي « لبناني» جعلها قريبة من الموسيقى العربية الكلاسيكية فتغني بجسد ناري في رقصة الأفعى الساحرة، مستحضرة البعد الخرافي في تكوين طفولي قديم كان رثاً في يوم من الأيام وفقيراً إلى حد البكاء.. فهل تريد هذه الصبية أن تثأر من ماض ليس بعيداً تماماً عن ذاكرتها؟
قال عنها ماركيز «لا أحد بوسعه أن يغني ويرقص كشاكيرا.. إذ تبدو وكأن هذه الأحاسيس البريئة من اكتشافها هي وحدها..» وهذه شهادة براءة بحق طفلة فاتنة اخترقت القارات بأفعى جسدها واقتحمت مئات اللغات العصية وطوّعت ألسنتها كي تلهج معها وتتابع أنفاسها وتعوم في بخار جسدها القمحي.
وشهادات ماركيز كثيرة بحقها فهي « النموذج الأمثل لقوة أرضية في خدمة السحر..» بلاغة استعراضية لتوثيق لحظة الجمال في شاكيرا وهي تتمرأى على المسرح في عتمة شفافة، لا لتخفي ثورة الجسد المنتفض، إنما لترى سحر الجسد على التلقي الممغنط في ساعات الرقص والاحتفال. قوة أرضية راسخة، لكنها قوة قد تتلاشى وتتبخر وتذوب كقطعة الثلج في صخب البوب الماجن.
تقول شاكيرا « ماركيز مايسترو كلمات وفيلسوف كبير..» بالضبط هذا هو التشخيص «النقدي» لصانع الكلمات والصور والمواقف. صانع الدهشة المعجزة والخرافة والأسطورة.مايسترو وضابط إيقاع وموزع أدوار فريد ومنغّم استثنائي لألحان أمريكا اللاتينية كلها.
ليست شاكيرا ناقدة أدبية، لكن ماركيز جعلها تنتبه إلى فرادتها وجمال أغنياتها وهي تطوي الزمن والمسافات بحاسة إبداعية، وجعل منها أمثولة فنية على مدار المناخ الباسفيكي ودول المحور اللاتيني، لذا فهي تحتاج إلى مثل هذه الشهادات من رجل متواضع يبهره الجمال وتستفزه موسيقى الحياة، تلك الموسيقى التي تهدر من حنجرة « الخوخة » الكولومبية، فاعترفت شاكيرا « لقد أثّر بي ما كتبه ماركيز عميقاً..» والمؤثر هنا يأتي من سهم نافذ إلى قلوب الملايين. يتواضع ويكبر في آن واحد.
ماركيز يتواضع ليكبر في عيون الجميع حينما تبنى شاكيرا وهي في قمة مجدها، فصعّد من رؤيته للفن الغنائي وسحب ملايين شاكيرا إلى قاعدته الأدبية، لا ليزيد من مبيعات كتبه ويكسب قرّاء جدداً، بل ليسهم في تثوير الحس الجمالي والأدبي لدى هذه القاعدة التي تدربت على « السماع » لا على « القراءة» وتثقفت على الإشاعة وليس على الحقيقة؛ على الصورة وليس على الكلمة؛
ومن ثم فهو يدمج الفنون مجتمعة في حس راقٍ واحد لنسمّه ما نشاء رقصاً، فناً، غناء، فالتسميات لا تصمد كثيراً أمام الإبداع، فقبله قال غارودي « الرقص هو جُماع الفنون كلها..» وبعدهما قال « أميل شارتييه» وليس الرقص في أعماقه سوى تهذيب ولياقة. هكذا ينظر ماركيز إلى الفن برؤى جمالية فياضة بالحب والعشق ولا ينظر إلى الجسد بوصفه منطقة غرائز.
فجسد شاكيرا جسد وطني خالص « إنها اختراع كولومبيا الأبرز..» بآخر تصريح ماركيزي بعد إن وضعت له شاكيرا موسيقى وأغاني فلمه « الحب في زمن الكوليرا» لمخرج مايك نيويل فتدربت أن تستحضر روح القرن التاسع عشر وتقف على أعتاب أربعينات وخمسينات كولومبيا لتستحضر مناخ الحياة القديمة وأغنيات البوليرو الشائعة آنذاك، وهذا فصلٌ لم تعتده مطربة الملايين بأن تغادر إلى الماضي وتقرأه وتجتهد لوضع موسيقى تصويرية لفيلم تدور أحداثه في ذاك القرن.
هكذا يكون ماركيز قد أدخلها بدراية في البحث عن جذور الفن الأميركي اللاتيني لإستخلاص روحه القديمة بنكهة عصرية. ربما شاكيرا لم تكن قادرة على أن تنهض بهذه المسؤولية الفنية لولا « الحب في زمن الكوليرا» ومن ورائها ماركيز عبقري الأسطورة والخرافة والجمال الذي أحالها إلى البحث والإستقصاء في صميم فنها وعملها.
لأنه يدرك ضرورة أن يكون الفنان متكامل الأبعاد والزوايا بمنطق العصر الجديد الذي يحمل تسمية عصر الصورة بامتياز وشاعراً وشاعرياً في حياته اليومية، وقد تكون شاكيرا حملت نكهة هذه البذرة الجميلة عندما أخذت (تتحدث إلى الورود) وهي في حديقتها المنزلية!
بين عصرين
شاكيرا تنتمي إلى عصر الصورة وماركيز ينتمي إلى عصر الكتابة، وبينهما مساحة معلومة في فروقات الأداء الفني والتواصل النفسي في مشوار الإبداع من رؤى مختلفة ؛ فعصر الكتابة ؛ وإن لن ينحسر بعدُ ؛ هو مفتاح ماركيز القادم من ثلاثينات وأربعينات القرن الكولومبي الماضي، يوم كانت الكتابة اليدوية عملية شاقة في اختبار الذات المبدعة وهي تدبج مئات وآلاف الصفحات من أجل سرود قصصية وروائية وشعرية.
لكن عصر الصورة اختلف تماماً وهو يختلق ثقافة بصرية جديدة مغايرة للثقافة العامة لاسيما ثقافة التلفزيون والسينما والمسرح الغنائي والكليبات المرئية، فاستقبال الصورة « لا يحتاج إلى قراءة » بتعبير الناقد عبدالله الغذامي حيث جاءت الصورة « لتكسر ذلك الحاجز الثقافي والتمييز الطبقي بين الفئات فوسّعت دائرة الإستقبال وشمل ذلك كل البشر.» وبلا شك أن شاكيرا تنتمي إلى هذا العصر المباشر في مخاطبة جمهور يختلف في تلقيه ووعيه وثقافته فتفرض عليه نمطها وصورتها وبالتالي (شكلها) الفني في عالم الفن والرقص والغناء.
شاكيرا التي قدمت (صورتها) بجسدها المتمرد هي أنثى حالمة بالغناء وليست مغنية، وإذا فصلنا جسدها« عن « صورتها» ستكون مؤدية غناء لا ترقى إلى شهرتها الحالية التي كسبتها بالاثنين معاً، شأنها شأن الأخريات من فنانات الصورة كجنيفر لوبيز ومادونا وحتى مايكل جاكسون المتشبه بالإناث شكلاً وصوتاً وجسداً!
لغة الجسد ولغة الغناء
شاكيرا تغني بلغة لا يفهمها أكثر من نصف العالم لكن أرجوحة جسدها كافية لتكوين « لغة» عالمية قادرة على التواصل مع الآخرين بمرونة، اختصرت بها لغات العالم جميعها ؛ فصورة العصر التكنولوجي تعيد صياغة وعي المستقبل وثقافته وتلبي حاجاته النفسية والغرائزية وتطلق المكبوت الإجتماعي والجنساني من أجل التفاعل مع لحظة « جسد» الغناء بحد ذاته، وهنا الفرق الشاسع بين الصورتين، الخيالية الغرائبية التي تحرك وعي المتلقي وتجعله مشاركاً في صياغة المشهد الإنساني، وبين الغرائزية الملتهبة التي تنتهي بانتهاء الصورة ذاتها... لذا تقول شاكيرا بوضوح :« لا أقارن نفسي بغابرييل غارسيا ماركيز..»
الكتابة في الخيال
ماركيز قدم من عصر الكتابة والتحق بعصر الصورة في سبعينياته، لكنه لا تعنيه لعبة الصورة كثيراً، كونه كاتباً يعيش في الخيال الروائي ويغترف من هذا المعين بأكثر من خيال ليحقق (الصورة) الروائية المبتكرة كما في معظم قصصه ورواياته التي كرست مفهوم الخيال الإبداعي المحلق في فضاءات خارجة عن قانون الطبيعة وقوانين المفاهيم الأدبية القارّة.
فظل يسمو على الجاهز من معطيات تكنولوجيا الفن الحديث في آخر صرعاته، لا لأنه لا يتفاعل مع هذه المعطيات، بل كون مسرحه الشخصي هو الكتابة في أقصى درجات الخيال وجموحه الغرائبي كما في كل أعماله، خاصة في روايته الأخيرة « ذكريات غانياتي الحزينات» التي قدّم فيها «صورة» خيالية نابضة بالحياة الإنسانية..
شاكيرا التي لا تحلم
شاكيرا لا تحلم لأنها أنثى من عصر المانجو، أما ماركيز فهو غارق في الأحلام وليس آخر حلم له أن يبقى على قيد العمر السبعيني، ريثما تمر السنوات وتصله شاكيرا عجوزاً مثقلة بالعمر الطويل ليصحح وجهة نظره السابقة ويعترف من أن الحب ليس دائماً في زمن الكوليرا !
استيقاظ
استفاقت شاكيرا على إيقاعات « خوليو إيغلسياس» وتدربت على سماع الموسيقى الإسبانية واتحد صوتها وجسدها مع أشهر الفرق الكولومبية كبوليو وكوير لتنضج « خوخة » الغناء في حنجرتها فيلتقط جسدها شفرات الصوت وارتعاشاته الاستثنائية في ربيع كولومبي غزير المطر والأعشاب؛ لكن ماركيز استفاق على صياح الديكة في الفجر الكولومبي الحار وعراك السكارى في الحانات القذرة آخر الليل وشجارات الأزواج العاطلين عن العمل. استفاق على الذباب بدل الزهور والبارات الرخيصة بدل الصالات المنعشة.
حلم تحقق
اليوم تحقق الحلم، وباتت موسيقى شاكيرا تتمتع ببصمة شخصية لا تشبه بصمة أحد آخر ولا أحد مهما كان عمره يغني أو يرقص مثلما تغني هي وترقص بشهوانية بريئة. يقال بسهولة: «إذا توقفت عن الغناء سأموت». لكن الأمر عند شاكيرا جدي: إذا توقفت عن الغناء لا تعيش.
والشيء الوحيد الذي يعيد لها سلام الروح هو الوحدة وسط الحشود. فعندما تعتلي المنصة لا تشعر برهبة المسرح، بل عكس ذلك تماما: رعب ألا تكون هناك. تقول: «أشعر مثل أسد في غابة». فهذا المكان يمثل أحد تلك الفضاءات القليلة التي تحصل فيها على الفرصة الحقيقية لإظهار ما هي عليه وما كانت عليه وما ستكون عليه حتى الموت». مقطع من مقال لماركيز حول المغنية شاكيرا
وارد بدر السالم



