بين قائمة الأبواب والنوافذ قرابةٌ، يصعب تحديدها، لجمعها بين الأرضي والسمائي، حيث أيٌّ منا محكوم بالحركة على الأرض، والانتقال منها- إليها. الباب مختلَفٌ عليه: حجماً وشكلاً ومادة، مشدودٌ إلى الفضائي.
النافذة: المنفذ المعلق، لرؤية ما وراء الجدار الحائل بيننا وبين الخارج، في حالات مختلفة، ليتدخل التأمل والتخيل ومكاشفة ما يجري، يكون الاستسلام للذاكرة بفضاءات تتناسب وحالتنا النفسية والعمرية والثقافية... إن أيَّاً منهما يستوجب حضور الآخر ولو تخيلاً!
الأبواب تقسّم الأمكنة، بحسب وظائفها. كل باب انتقال من حيّز لآخر، تأتي عتبته، وما وراءها، يكون الخارج أماماً، والداخل وراء، الانفصال مستحدَثٌ، المكان ينشطر، يتطلب تكيفاً، لتقبل وضعية جسدية يفرضها الباب القائم. يمكن التحدث عن بوَّابة كونية: الباب الأعظم، يتكفل بأوصافها الخيالُ الأعظم، وما وراء الحسي:
معتقداً وثقافة، وباب الزنزانة: الباب الميكروسكوبي، إزاء السالف، فيكون عالم هناك- هنا، التحدث عن الباب بمصراعيه، كما هما دفتا الكتاب، فللكتاب، العمل التأليفي أبوابه، أو دونهما. وبمصراع واحد، وتسمية باب تفتحه يدي، يد سواي، باب مدرَكٌ بما يليه، يحمل مباغتات، يتآكل زمنياً، يُرمَّم، يُتلَف( أين تذهب ذاكرته؟)، أو يفتَح كثيراً، أو محكوم بالانغلاق، كما لو أنه محكوم بعقوبة مسبقة، وكأنه ملحق بالجدار.
الباب مرفَقٌ بجداره، ثباتاً وتحركاً، بالذي يفتَح، لمرة واحدة، ويغلق إلى أجل غير مسمى، إن جاز الحديث عن القبر، وبعالمه الثنائي: في برزخيته. بجواره، أو ضمن مسافة معينة، تكون النافذة، وما أكثرها تنويعاً من جهتها. كل باب يلوّح بظلٍّ، النافذة بهيئة وجهية ما. هناك الواقع أكثر، وهنا الخيال أكثر!
النافذة ساعية بريد للرغبات، الانتظار واقع، ومنها ما يتحقق جزئياً أو كلياً، المهم، أداء الدور فيها. النافذة ترمَّم بدورها، تجدَّد، تخلَع من مكانها، تتلَف كذلك ( أين تذهب ذاكرتها الفاصلة ببللوريتها؟). النوافذ غالباً، تصنع أسئلتها المكانية، وطبيعة الأبواب القائمة قرباً وبعداً. الباب المفتوح، بالكاد يذكّر بالنافذة، والباب المفتوح يهدد الداخل أكثر، لأنه مفتوح ببساطة، وربما يشي بهيبة، تتهدد القادم من الخارج، احتساباً بأن الداخل يمكن الولوج إليه بسهولة.
الفخاخ محتملة، الباب أكثر تعرضاً للمراقبة، ولو سجنياً، الباب محروسٌ. يمكنه كمفهوم أن يصبح صفة، كما في البوَّاب، إذ يسمح بالمرور، والاستعلامات عبارة مهذبة، مشتقة من الباب، أمامه أو خلفه مباشرة، خلاف النافذة، إذ لا صفة مرفَدة من قبلها، كونها لا تسمح بالعبور، كل دخول عبر النافذة وضع اشتباهي. هذه قاعدة!
النافذة في دلالتها، تحيل الناظر، ومن وراءها، يتعمشق بقضيب من قضبانها، إلى العالم الأكثر سرَّانية، مهاد الرغبات المُتشوَّق إليها. الباب أقرب إلى التفسير، والنافذة فإلى التأويل! هل يمكن اعتبار الأبواب حالات نثرية، والنوافذ شعرية، وهما معاً، تدونان تاريخاً للغة الحسية، عموم ما عشناه ورغبنا فيه؟.
من منظور محكوم بأفق محدد، يمكن الدخول في عالم متصور، متابعة ما يجري، ولو بتخيل، عبر الإصغاء الذي يمتد إلى النافذة، إلى منفذ، لمتابعة حركة الخارج. النافذة مرصد حيوي، في مفهومه المركَّب داخلياً صوب الخارج. إن الأنظار المتجهة صوب النوافذ، تمارس حوارات مختلفة مع ما هو قائم/ جار ، بصحبة أحاسيس ومشاعر مختلفة، وبنفس الحيوية، أو القيمة المسندة إليها، تكون الخطورة قائمة، من خلال فعل التسديد، أو القنص، أو ما يُتمنى حصوله.
الفنانون يدركون هذه العلاقة الحوارية وجماليتها أكثر، كما هو المحسوس في شغفهم المشروع، بتحويل شرائط أعمارنا، آمالنا وخيباتنا، إلى أبواب ونوافذ تتسلسل ألواناً وإيقاع أبعاد، وتنوع رهانات، وما هو طي المجهول، ومعاً: تقتسم العالم! نمضي! تختفي وجوهنا، وتبقى أبوابنا، نوافذنا المختلفة، مخلّفين، أطيافنا، أشباحنا، وهي تقيم في المسافة الفاصلة، بين الأبواب والنوافذ!
إبراهيم محمود
