ارتبط عدد الحمامات في دمشق بعدد سكانها وتوسعها العمراني، لهذا نرى أن عدد تلك الحمامات قد تناقص مع الزمن بدءاً من القرن الثامن وحتى القرن الحادي عشر للهجرة، ثم بدأ بعد ذلك يتزايد عما كان عليه في القرن الحادي عشر، بعضها داخل السور وبعضها خارجه...

أبرز الحمامات داخل سور دمشق هي: «حمام النايب» في محلة باب توما، «حمام منجك» بمحلة القباقبية، «حمام عيسى القارئ» و«حمام بني أسامة» بدخلة بني الصايغ، «حمام لصق البيمارستان النوري» حمام الأمير علي في محلة سوق القطن، «حمام المسك» في محلة طالع القبة، «حمام الناصري » بالشاغور الجواني، «حمام الخرائب» شرقي خان إسماعيل باشا، «حمام القيشاني» بالقرب من سوق البريد، «حمام الركاب» بمحلة الشاغور الجواني، «حمام سامي» و«حمام القلعة» بمحلة القباقبية، «حمام العتيق»، «حمام البابين» ويقع في حي القيمرية، «حمام الملكة» و«حمام السراجي» و«حمام الحاجب».

وأمّا الحمامات التي كانت موجودة خارج سور دمشق فهي: «حمام الفواخير» في الصالحية، «حمام القيشاني» في سوق الجركسية، «حمام القناطر» و«الحمام الجديد» في محلة القنوات، «حمام الورد» بسوق ساروجة، «حمام السنانية» و«حمام المحتسب» بالقرب من خان لالا مصطفى باشا، «حمام الزين» بالسويقة المحروقة، «حمام القرماني» بمحلة القلعة، «حمام التيروزي» في محلة قبر السيدة عاتكة، «حمام الحدادين» في محلة الدرويشية، «حمام الجديد» بمحلة القماحين، «حمام القلانسي» و«حمام الحاجب» بباب السريجة، «حمام الخانجي» و«حمام السلسلة» و«حمام الجوزة» في سويقة ساروجة، «حمام أمونة» بمحلة العمارة، «حمام السكاكيري».

وقد اختلف نمط بناء كل حمام من حيث الزخرفة والمواد المستخدمة وطريقة بنائه والمساحة التي بني عليها، إلا أن غالبها، يتألف من ثلاث دوائر هي: «البراني والوسطاني والجواني». وأجمع السّياح على أن تفضيل حمامات دمشق عن غيرها لما فيها من الإتقان ونظام الهندسة وغزارة المياه وإتقان الخدمة والاعتناء بالجسد وبخس الأجرة للمغتسل. على جانبي المدخل توجد غرفتان صغيرتان، تليهما مصطبتان مرتفعتان عن أرضية البراني بمقدار يصعد إليهما بدرج خاص، فيخلع عليها المغتسلون ثيابهم ويقدم لهم ما يلزم من البشاكير والمناشف.

وكان الأغنياء يضعون كسوة من الحرير فوق البشاكير، أما النساء فكن يجلبن بقجاتهن من بيوتهن، وكانت مصاطب الحمام مكسوة بالسجاد والبسط، وفي داخلها نوفرة ماء تطوّقها من جهاتها الثلاث مصاطب صغيرة لجلوس المستحمين عليها، وفي وسط المصاطب توجد بركة كبيرة، بها فسقية ونافورة مزينة بتماثيل من الأسود الحجرية التي تخرج من أفواهها المياه لتصب في البركة.

ويزود الحمام بالقباقيب العديدة التي تستخدم من قبل المغتسلين وعمال الحمام، وبه المرايا التي تعلق على الجدران، ولتأمين الإضاءة للحمام نهاراً توجد به فتحات علوية محكمة القفل من الزجاج. أما الدائرة الثانية فتكوّن من الوسطاني والجواني، وهي خاصة بالاستحمام، بها منافع، ويوجد في كل منها أجران، وهذه الأجران من الرخام أو الحجارة، تنصب فيها المياه من فتحتين، الأول حار والثاني بارد، تتحكم فيها قطعتان من الخشب، أما جدار البناء وأرضيته فغالباً من الرخام.

وتستمد هذه الحمّامات المياه من الطوالع القريبة التي تتزوّد بدورها من الطالع الرئيسي، وينتقل الماء بأنابيب فخارية إلى مرجل ناري وإلى صنابير المياه الباردة ودورات المياه والنوافير في داخل برك الماء. وكانت هندسة الحمام فيما يتعلّق بتدفئته وتسخين المياه فيه وتوزيعها على أقسامه في غاية الإتقان، فهناك الأقميم الذي يقع خارج الحمام (عبارة عن حفرة كبيرة وعميقة، تكون إلى جانبها مواد الاحتراق ).

وفي هذه الحفرة توجد أثافي يرتكز عليها قدران كبيران من النحاس، يصل بينهما أنبوب من الفخار، وهو محكم لا يسمح بتسرب المياه منهما، وعندما يسخن الماء فيه يندفع في أنابيب إلى صنابير المياه الساخنة ليصب في الأجران داخل الحمام في الوسطاني أو الجواني. ومن جهة أخرى اتخذت الحمّامات احتياطات هندسية خاصة من أجل استمرار تدفق المياه فيما إذا انقطعت المياه عن الحمام، بأن أقيم في داخل الحمام خزانات خاصة تملأ بالماء للطوارئ.

وكان الحمام يضم أدوات ومحتويات مثل: محارم بغدادية ومكاوية وبقجات يمنية، وبسط وسجادات مختلفة الأحجام وحرامات ومخدات وثريات وصناديق كبيرة وقباقيب وأراكيل ودولات نحاس ومناصب وملاقط وكاسات ومجالف وأباطبن وغيرها. أما الصابون المستخدم في الحمّامات فكان منه البلدي والمغشوش والنابلسي والجعفري، واستخدم الفلاحون والفقراء نبات «الشنان» في الحمام من أجل تنعيم الشعر وجلي الأوساخ عن أجسادهم.

والحمام يفتح لاستقبال الذكور من الفجر إلى الظهر، وكانت بعض الحمامات لا تستقبل سوى الرجال، بخاصة ما كان منها في الأسواق والشوارع. لم يكن الحمام آنئذ منشأة عامة يقدم خدمة للأفراد فحسب، بل مكان للقاء الأصدقاء والأقرباء وفي مناسبات اجتماعية عديدة، كما يحصل التعارف بين أبناء المجتمع الدمشقي، فيتناول الأصدقاء والأقرباء فيه الطعام مشتركاً كما يتناولون الشاي والقهوة والمشروبات المثلجة، ويتبادلون الأحاديث والسير ويتخلل ذلك أحياناً السماع للغناء.

كان الرجال يستخدمون دواء لإزالة الشعر الزائد، وبعد إزالة الدواء عن الجسم يجلس المغتسل على أرض الحمام في الجواني، ليقوم البلان بتدليك جسمه مع صب دفعات من الماء الساخن، وبعد ذلك ينتقل المغتسل إلى الوسطاني حيث ينشف جسمه بالفوطة وينتقل بالقبقاب إلى البراني، ليرتدي ثيابه، وعندما يكون الجو بارداً يرتدي فوقها فروته، ويشرب الشاي أو القهوة.

وغالباً ما يتم اللقاء في حمامات الحارة القريبة من منازل هذه الأسر، وبعض هذه الحمامات كانت وقفاً على فئات اجتماعية معينة، فحمامات حي الميدان كان يرتادها الفلاحون، وحمام الملكة كان يرتاده أغوات سوق ساروجة، وحمام الراس كان يرتاده الحجاج الأكراد والعربجية والحمالون وبعض نزلاء خانات الميدان.

... أما النساء فكن يجلبن بقجاتهن من بيوتهن، ويخصّص من الظهر إلى المساء لاستقبال الإناث، ويبدل طاقم الحمام بالعنصر النسائي لتشغيله، وكان الطاقم يتألف من:

1- المعلمة: وهي التي تقوم باستقبال الزبونات وتقبض الأجرة منهن.

2- الأسطة: وهي التي تقوم بغسل البدن والرأس للزبونة.

3- البلانة: وهي التي تقوم بتدليك البدن بالكيس، وتقوم بصبغ الشعر الشايب.

حفاوة نسائية

كانت النسوة يأتين إلى الحمام بكامل زينتهن مع حاشيتهن وغالباً ما يعد لهن الحمام مسبقاً يصطحبن معهن المغنيات، فينطلقن بمرحهن دون قيد. ومن جهة أخرى كان الحمام ملتقى النساء، ومكاناً خاصاً ومناسباً للأم التي تبحث عن زوجة لابنها، وتتعرف الأم على اسم الفتاة واسم والدتها وأسرتها ومكان سكنها ووضعها الاجتماعي.

وكانت كل امرأة تصطحب معها بقجة تحوي ملابسها النظيفة والمناشف والكيس وفيه الطاسة والصابونة والترابة الحلبية والمشط وكيس الحمام والليفة والحناء، وبعض النسوة كنّ يحملن معهن «الشدود» من أجل تدليك أجسادهن، فتنبعث منه رائحة الزنجبيل خاصة إذا كانت المرأة في فترة النفاس.

وكان حمام العرس، بالنسبة للنساء، يتم بتوجيه أم العروس الدعوة لأهل العروس والعريس من النساء قبل زواج العريسين ـ وما بعد الزواج تقوم أم العريس بتوجيه الدعوة بعد أسبوعين من الزواج سداداً منها لحمام أم العروس الذي قامت به الأخيرة قبل زواج ابنتها. ويطلق على حمام أم العريس «حمام الغمرة». وهناك «حمام الولادة» الذي يقام في اليوم السابع للولادة، ثم «حمام الأربعين» أي بعد الولادة بأربعين يوماً.

حوادث الحمامات

وتقع حوادث السرقة في الحمامات، ويقوم السارقون بسرقة ما تقع أيديهم عليه من ثياب ومناشف وأحذية وغير ذلك، ويتركون بديلاً عمّا سرقوه حاجياتهم البالية والتافهة. فالنساء السارقات كن يراقبن النساء الغنيات ويقمن بإبدال بقجاتهن ببقجات الغنيات في غفلة منهن أو ينتشلن من هذه البقجات ما يرونه من الأشياء الثمينة، وإذا ظفرت السارقة بما أرادت ولم يكتشف أمرها، تتسلل مسرعة بما حملت خارج الحمام.

ولم تقتصر أحداث الحمام على ذلك، بل كان يحصل تبديل الأطفال الرضع، حيث تقوم المرأة بتبديل طفلتها الأنثى بطفل غيرها ذكر، وذلك بتبديل اللفافة الخارجية في غفلة عن عين الأم، وأحياناً تقوم المرأة الزانية بترك ابنها غير الشرعي لمعلمة الحمام مقابل مبلغ من المال، لتخفي عارها.

تأمين المياه

تستمد هذه الحمّامات المياه من الطوالع القريبة التي تتزوّد بدورها من الطالع الرئيسي، وينتقل الماء بأنابيب فخارية إلى مرجل ناري وإلى صنابير المياه الباردة ودورات المياه والنوافير في داخل برك الماء. ومن جهة أخرى اتخذت الحمّامات احتياطات هندسية خاصة من أجل استمرار تدفق المياه فيما إذا انقطعت المياه عن الحمام، بأن أقيم في داخل الحمام خزانات خاصة تملأ بالماء للطوارئ.

المحارم البغدادية

يضم الحمام أدوات ومحتويات مثل : محارم بغدادية ومكاوية وبقجات يمنية، وبسط وسجادات مختلفة الأحجام وحرامات ومخدات وثريات وصناديق كبيرة وقباقيب وأراكيل ودولات نحاس ومناصب وملاقط وكاسات ومجالف وأباطبن وغيرها.

فيصل خرتش