كانت دائماً الاتجاهات المطروحة في كل من المجالين ـ الفن والديكور ـ يغلب عليها وجهة نظر الفنان و«الديكوريست» (العاملين في مجال الديكور الداخلي أو الخارجي).

أما اليوم يبدو أن هؤلاء الفنانين أعادوا حساباتهم وعدلوا من اتجاهاتهم الفنية حتى لا تكون رسالة الفن تحمل شعار «الفن للفن»، أو الدخول في مسابقات ومقارنات لأجمل بيت وأفخم حمام سباحة داخل حديقة تتوجها فيلا تعكس الجمال والثراء معاً ـ حساباتهم الفنية اليوم ـ وضعت في المقام الأول والأهم: الإنسان المعاصر. وكأنها رسالة تعاطف «جميلة» معه لإخراجه من أزمته «المعاصرة» التي التفت كل خيوطها حوله من صخب وإيقاع سريع لاهث مجنون، والتزامات وارتفاع أسعار، وساعات عمل تصاحبه في اليقظة وتطل في أحلامه وكأنها تحفزه على مزيد من التنافس، أسفار هنا وهناك، هواتف أجراسها تصم الأذان، إعلام رسالته أن يكون المتفرج مجرد متلقي، كل هذا وغيره الكثير بيئة ضاغطة على إنسان كل قدره أنه «معاصر»، ولكن أين المفر؟!

هذه هي رسالة الفن والديكور في مرحلتنا هذه، وهي رسالة قد تتيح الهدوء لإنسان هذه المرحلة، تحتويه وتفرض حضور الحميمية التي يبحث عنها دوماً. أحد نماذج الفن التشكيلي والديكور، هو معرض الفنان البريطاني «فريز شاميان» )54 عاماً)، والذي فاز بالعديد من الجوائز المحلية؛ بريطانية وعالمية عن طريق اشتراكه بلوحاته وديكوراته المميزة ذات الرسالة الموجهة لإنسان هذه المرحلة.

يوضح «فريز» أن معرضه الأخير في العاصمة البريطانية ـ لندن ـ يخرج من تحت عباءة الرومانسية، مع بعض التجديدات والتحديثات التي تعكس هدوء حركة الخطوط وغياب الألوان الصارخة التي تقع في البصر بقوة، وفلسفته تعكس ضرورة تحقيق الراحة والسكون النفسي والحسي، و«فريز»، خلال استقباله لجمهوره الكبير في معرضه الأخير ـ حرص على هدوء ملامحه لإضافة مناخ من الراحة على المكان الذي تعرض فيه لوحاته وديكوراته التي تعكس بدورها الرسالة «الهادئة» نفسها.

والطريف أن «فريز»، صحب معه لمعرضه أشياء حميمية لقلبه تشاركه يومه في منزله، ومنها تسع من القطط السيامية الصغيرة التي تعشق اللعب في «كرات الصوف»، وأيضاً اصطحب معه الطنجرة التي يستعملها دائماً في تحمير البطاطا وأصابع السمك (فيش آند شيبس)، وهي أكلته البريطانية التقليدية المفضلة.

وعندما وجه إليه أحد الحضور سؤالا حول اصطحابه لهذه الأشياء إلى معرضه، أجاب بابتسامته الهادئة، إن هذه الأشياء ضمن ديكوره اليومي، فالديكور هو مفردات من أشياء يومية يحبها الإنسان ويلتصق بها ويعقد معها صداقة مباشرة، لذلك أنا استخدم هذه المقلاة التقليدية القديمة رغم ظهور أجهزة حديثة بالأسواق، خاصة بعملية التحمير، ولكنها لا تبدو بالنسبة لي حميمية أو قريبة مني.

ويضيف ان الاتجاه الجديد في عالم الفن التشكيلي والديكور الداخلي للمنازل، لا يشترط أن يكون في شكل لوحات أو منمنمات تنثر هنا أو هناك، وإنما استخدام مساحات جدران المنزل للرسم عليها، فهي تبدو قطعة ديكور دائمة يتعايش معها الإنسان ويكون معها حوارا صامتا لأنها جزء من المنزل يصعب إزالته، وأوضح ان هذه النوعية من الديكور لا يتدخل فيها الفنان برأيه، وإنما يترك الرأي لأصحاب المنزل، ولتنفيذها يحتاج لورشة عمل تنتقل للمنزل وتقيم فيه حتى انتهاء العمل الفني المطلوب.

أما حركة الخطوط والألوان في لوحاته التي جذبت جمهوره الكبير، فهي حركة هادئة وشاملة، وليست حركة جزئية ضيقة الحيز، وإنما تحتوي مساحة عريضة في الصورة يجسدها اللون وحركة الفرشاة، ويبدو ذلك واضحاً في جدارية تعكس تموجات بنفسجية داكنة استخدم فيها الفنان بالاستعانة بفنان آخر يعمل معه هو «جاسون مارتن» متخصص في تركيبة استخدام المعادن السائلة مع الألوان.

فتعكس تجسيداً هائلاً للوحات والجداريات، ويتميز هذا الاتجاه بإضفاء عمق وتجسيد عالٍ للوحات والجداريات، معها تتحرك حواس الإنسان وليست عيناه فقط، تترك بداخله شحنة هادئة ومميزة، ومن هنا جاءت فكرة تجسيد اتجاه «الحركة والسكون» في معرض «فريز»، وهو اتجاه جديد حميم وقوي يتعايش معه الإنسان بكل رحابة.

لوحة باللون الرمادي مع إيماءات الأزرق، وقف الجمهور أمامها طويلاً، فقد استخدم الفنان فيها الخيوط الحريرية مع الألوان، أما الخلفية فهي مزيج من الحرير والورق، تنعكس معها إيماءات النعومة والتجسيد، وهي تعلق على الجدار باستخدام أزرار مغناطيسية تلتصق بسهولة على الجدار، وهذا هو اتجاه جديد في سهولة نقل اللوحات من مكان لآخر داخل المنزل من دون إحداث أي خدوش في الجدار.

ومع ظهور هذه النوعية من الاتجاهات الفنية سواء في الفن التشكيلي أو الديكور، والتي تراعي بالدرجة الأولى الحالات المزاجية للإنسان المعاصر، تراجعت نسبياً الاتجاهات الأخرى التي كانت تتخذ من شعار «الفن للفن» اتجاهاً لها، وإن كانت تتصدر أيضاً المعارض العالمية كاتجاه كلاسيكي يصعب اختفائه أمام ظهور اتجاهات أخرى وإن كانت تمس الإنسان عن قرب وخاصة الإنسان المعاصر.

«فريز شاميان» هو صاحب المعرض الذي زاره آلاف المتفرجين وأعجبوا بكل ما قدمه من جديد ورائع والذي وصفه النقاد والصحافيون بأنه المعرض الأكثر احتواءً للإنسان والذي يخاطبه عن قرب، وقد عبر أحد رواد المعرض بأن نوعية اللوحات والديكورات المعروضة تشعر كل إنسان بأن «فريز» يخاطبه هو على حدة، ومن هنا كانت خصوصية هذا الاتجاه الفني الرائع الذي يعتنقه فنان مثل «فريز» مفرط في الإحساس والشعور بالآخرين.

ويوضح «فريز» أن الاتجاه الجديد في الديكور وطريقة رسم وتوزيع اللوحات بالإضافة إلى رسم الجدران بالمنزل، تكفل لمساحة المنزل الظهور في رحابة وامتداد، يحتاجها الإنسان المعاصر للخروج من كل الضغوطات التي تحط برحالها عليه، ويضيف بأن المساحات الخاوية في المنزل تساعد على التركيز وتقوي الذاكرة، خاصة في مراحل العمر المتأخرة نسبياً، لأن تكدس الأشياء حتى وإن كانت لوحات فنية، فهي تشتت انتباه الإنسان وتجعله متردداً وتشعره بالضيق وكأنها تحاصره من كل مكان.

ويفجر «فريز» حقيقة غريبة ضمن تعليقه على المعرض الخاص به، وهي أن كل شيء في المنزل يحبه الإنسان ويعتبره حميماً بالنسبة له هو بمثابة لوحة فنية أو الانطباع نفسه عند التعامل مع هذا الشيء الحميم، حتى وإن كان حيواناً منزلياً أليفاً كالقطط أو الطيور، فهي ـ كما يقول ـ لوحات طبيعية متحركة من صنع الخالق، وعلى الإنسان فقط تأملها.

ولأن الفنان «فريز» فناناً رومانسياً ـ فيؤكد بأن رسالة الفن الهادئ، لا تقل أهمية عن العلاج النفسي لمن يعانون من اضطرابات سلوكية ونفسية نتيجة طبيعة العصر الذي نعيش فيه، فهناك لوحات يمكن للناظر إليها أن يُخرج ما بداخله من انفعالات سلبية، وهذه الطريقة تعرف في علم النفس السلوكي باسم «ترشيح الدماغ».

أما عن الألوان المستخدمة في معظم لوحات «فريز» ـ ليست على الإطلاق ـ هي الأزرق الباهت الممزوج بالرمادي الفضي، ولون اللؤلؤ، والأرجواني الممزوج بالمعادن المنصهرة ـ وهو اتجاه جديد ـ لتجسيد اللوحة وغالباً ما تكون «موْجِية» الخطوط، والزهري الداكن مع تأثيرات أرجوانية بدرجات لونية أفتح.