غزت السطحية معظم الفن، وتربعت على عرش (الناس عايزة كدة)، ولم تبخل على الإعلام بأصنافه وحقوله فغزته بطريقة أو أخرى حتى تحول إلى مجلة حائط مدرسية. وكادت السطحية أن تكون هدفاً غير معلن لعدد كبير من المشتغلين في الفن والاتصال الجماهيري، سطحية تستخف بالعقول وتضحك على الناس ولا تضحكهم.
كان الأدب ذات يوم عصياً على السطحية، فقد استطاع السطحيون التقليل من شأن الفكر ونفذوا إلى المسرح والسينما والتلفزيون وقنواته، ولكنهم لم يستطيعوا النفاذ إلى الأدب طيلة عقود، ليس لأن الأدب عصي على السطحية فقط، بل لأن الأدب أدواته أكثر تعقيداً من إطلاق النكات وقوفاً وجلوساً على المسرح، أو التهريج أمام الكاميرا.
لكن ذلك الاستعصاء لم يدم طويلاً، فقد دانت الصفحات لكتابة سطحية قليلة الشأن فكرياً أو نقدياً، حتى امتلأت الأرفف بطبعات متكررة من رواية لا تتخذ من السطحية هدفاً فقط، بل تروج لها وفي الجوار جوقة من المطبلين والمزمرين المرتزقة الذين لا يدخرون جهداً للتهليل والتعظيم لعمل اتخذ من السطحية مذهباً للكتابة وطريقاً للدخول إلى حلقة الأدب.
ليس سهلاً أن تصبح ممثلاً تلقي النكات أو مهرجاً تتشقلب في الهواء، لأن آلية صنع ممثل باتت شديدة التعقيد وتحتاج إلى جهد ودعم ومال، بينما لتكون كاتباً ليس عليك سوى دفع صفحاتك إلى ناشر ما مشفوعة بألفي دولار مثلاً وسرعان ما يحولها إلى رواية وتتحول معها إلى كاتب لا توفرك المجلات الثقافية والمهرجانات الأدبية والبرامج التلفزيونية لتدلي بدلوك في السياسة والاقتصاد وأسعار البندورة!
لماذا الرواية؟
لأنها الجنس الأدبي الأكثر تعرضاً للاعتداء عليه، ولأن الكتابة (أي كتابة) يمكن أن تتحول إلى رواية، تحت بند اختلاف الأساليب وطرق التوصيل، وهكذا لدينا مئات الروائيين، ولكن لا توجد عشر روايات تستحق القراءة، ولدينا عدة نقاد نصفهم يطبل ويهلل للسطحية، والنصف الآخر صامت متبرم، وعليه أصبحت السطحية أسلوباً للشهرة والنجومية، والسماء العربية مليئة بالنجوم المشهورين.
