مؤلف كتاب «البخلاء» أديب العربية الأكبر «أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ» الذي ولد بالبصرة حوالي سنة 160 هجرية. وبها كانت وفاته أيضاً سنة 255 ه. وقد لقب بالجاحظ لجحوظ عينيه، وقد ضرب به المثل لشدة قبحه. وقد روى الرواة أنّ مجلداته المصفوفة وقعت عليه وهو عليل ـ أصيب بالفالج ـ فتلته.
أما كتابه «البخلاء» فإنه يمثل خير تمثيل روحه الساخرة، وأسلوبه المرح الفكه، جمع فيه أخبار البخلاء
ومن الكتاب: قصة زبيدة بن حميد: وأما زبيدة بن حميد الصيرفي فإنه استلف من بقال كان على باب داره درهمين وقيراطاً، فلما قضاه بعد ستة أشهر، قضاه درهمين وثلاث حبات شعير، فاغتاظ البقال. فقال: سبحان اللهّ أنت رب مئة ألف دينار. وأنا بقال لا املك مئة فلسا وإنما أعيش بكدي.
ونقدت عنك درهمين وأربع شعيرات، فقضيتني بعد ستة أشهر درهمين وثلاث شعيرات، فقال زبيدة: يا مجنون أسلفتني في الصيف فقضيتك في الشتاء وثلاث شعيرات شتوية ندية، أوزن من شعيرات يابسة صيفية وما أشك أن معك فضلاً.
وسكر زبيدة ليلة، فكسا صديقاً له قميصاً فلما صار القميص على النديم خاف البدوات، وعلم أن ذلك من هفوات السكر. فمضى من ساعته إلى منزله. فجعله بركاناً لامرأته. فلما أصبح سأل عن القميص وتفقدّه. فقيل له: إنك قد كسوته فلاناً، فبعث إليه، ثم أقبل عليه. فقال: ما علمت أن هبة السكران وشرائه وبيعه وصدقته وطلاقه لا يجوز؟ وبعد، فإني أكره ألا يكون لي حمد، وان يوجه الناس هذا مني السكر، فردّه عليّ حتى أهبه لك صاحياً عن طيب نفس، فإني أكره أن يذهب شيء من مالي باطلاً.
فلما رآه قد صمم، أقبل عليه فقال: يا هناه! إن الناس يمزحون ويلعبون ولا يؤاخذون بشيء من ذلك. فرد القميص عافاك الله، قال له الرجل: إني والله قد خفت هذا بعينه فلم أضع جنبي إلى الأرض حتى جيبته لامرأتي. وقد زدت في الكمين. وحذفت المقاديم. فإن أردت بعد هذا كله أن تأخذه فخذه. فقال: نعم آخذه لأنه يصلح لامرأتي كما يصلح لامرأتك. قال فإنه عند الصباع. قال فهاته: قال ليس أنا أسلمته إليه.
فلما علم أنه قد وقع قال: بأبي وأمي رسول الله «صلى الله عليه وسلم» حيث يقول: جمع السر كله في بيت عليه، فكان مفتاحه السكر. وعبر هذه القصص يقدم الجاحظ لنا كتاباً لعله من أجمل كتب التراث العربي.
