تتمثل إحدى الموضوعات الأساسية في هذا الكتاب في أشكال المقاومة التي تبديها بلدان أميركا اللاتينية ضد «الليبرالية الجديدة». وتتم بنفس الوقت مناقشة التحديات والتناقضات التي تطرحها المسارات الاجتماعية ـ السياسية الجارية في المنطقة المدروسة.
كذلك تركّز بعض المساهمات على تحليل ديناميات الحركات الاجتماعية ورهانات بعض التجارب الخاصة بعملية الإصلاح الزراعي وأشكال التكامل الإقليمي ومسائل الديون. وبالطبع تحظى العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية باهتمام خاص في مجمل التحليلات المقدّمة.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين. يحمل القسم الأول عنوان «الوطن الكبير»؟ مقاربات على مستوى المنطقة كلها. ويخص القسم الثاني دراسة مجموعة من الحالات العيانية في أميركا اللاتينية وذلك من خلال التجارب اليسارية والحركات الاجتماعية التي يتم وصفها أنها «موزاييك من التجارب».
وبالإضافة إلى القسمين السابقين يضم هذا الكتاب ثلاث مساهمات أخيرة تطرح بعض المواضيع لـ «التأمل والنقاش» مثل: إعادة الاختراع الديمقراطي، الليبرالية الجديدة والحركات الاجتماعية في أميركا اللاتينية، وأميركا اللاتينية: نحو اشتراكية القرن الحادي والعشرين وأخيرا: الديون الأميركية ـ اللاتينية وبناء الاشتراكية في هذا القرن.
يتم التأكيد في مساهمات هذا الكتاب على نقاط أساسية عدة في مقدمتها القول إن أميركا اللاتينية هي في «حالة حركة»، بل ويرى البعض أنها تعيش «عصرا ذهبيا». والنقطة الثانية هي أن هذه المنطقة تعيش منذ مطلع القرن الحادي والعشرين «حالة من السلام» لم تعرفها طيلة تاريخها الحديث، فالنزاع الوحيد المستمر هو في كولومبيا. هذا إلى جانب حالة من الازدهار ومن تعزيز المسارات الديمقراطية وللمرة الأولى أيضا منذ حوالي قرنين من الزمن.
هذه الصورة «الوردية» لأميركا اللاتينية تقابلها أيضا في التحليلات المقدمة صورة أخرى «أقل تفاؤلا» إذ يتم التأكيد أيضا أنه من الصعب على أميركا اللاتينية الخروج من حالة التخلف بسهولة لاسيما من حيث عدم قدرتها على تجنب «الخلل في آلية العمل» التي تتسم بها المنظومة الرأسمالية على الصعيد العالمي. وليس من السهل عليها أيضا أن تقوم بقطيعة حقيقية مع ممارسات اجتماعية تعود إلى قرون خلت. وليس من السهل عليها أيضا، كما يقول البعض، تدعيم مكانتها كثيرا على المسرح الدولي إذا بقيت أسيرة التبعية الاقتصادية.
ومن بين المواضيع التي يتم التأكيد عليها كعامل في «التفاؤل» هناك الإحساس السائد في أميركا اللاتينية بالاستقلال عن الجار «العملاق» المتمثل في الولايات المتحدة الأميركية التي أكّدت مرارا وتكرارا أن أميركا اللاتينية هي «ساحة فنائها الخلفية».
بتعبير آخر يبدو أن حق تدخل «العم سام» في هذه الساحة قد انتهى، خاصة في أميركا الوسطى ومنطقة حوض الكاريبي. هذا يعني أن سياسات استمرّت طيلة قرن كامل وتميّزت بدعم عدة أنظمة دكتاتورية باسم «الأمن الوطني» و«مكافحة الشيوعية»، قد انتهت هي الأخرى.
ويتم التأكيد في المساهمات التي تعالج الحركات اليسارية في أميركا اللاتينية على أن انتخاب هوغو شافيز رئيسا لفنزويلا عام 1998 شكّل منعطفا في ترجمة الدينامية الاجتماعية إلى أصوات في صناديق الاقتراع. هكذا ما بين عام 2005 وعام 2007 جرت سلسلة من الانتخابات الرئاسية في أميركا اللاتينية فاز بها اليسار كلها ففضلا عن إعادة انتخاب شافيز في فنزويلا ولولا في البرازيل وصل إلى الرئاسة يساريون في الاورغواي وبوليفيا والإكوادور والأرجنتين حيث خلفت السيدة كريستينا كيرشنر زوجها.
لكن هذا لا يمنع واقع أن بلدانا كبيرة في تلك المنطقة ظلت محكومة من قبل اليمين مثل المكسيك والسلفادور وغواتيمالا والهندوراس. هذا يعني برأي عدة محللين في هذا الكتاب ضرورة «التريث» عند الحديث عن «منعطف نحو اليسار» في أميركا اللاتينية. لكن بالمقابل يؤكد آخرون أن هناك عودة إلى الأفكار الطوباوية ذات الطابع التحريري ولما يسميه البعض ب «اشتراكية القرن الحادي والعشرين».
هكذا بعد سقوط جدار برلين وانهيار معظم الأنظمة الشيوعية وفشل العديد من التجارب الثورية، ظهرت أصوات عديدة في أميركا اللاتينية تنادي بضرورة تبنّي نوع من «الاشتراكية» التي ترفض هيمنة مفهوم السلعة و«النمطية الموحّدة» التي تريد الولايات المتحدة فرضها على العالم كله باسم «العولمة الليبرالية»، والتأكيد على ضرورة احترام الهويات الوطنية لشعوب أميركا اللاتينية.
ويتمثل أحد الأسئلة الرئيسية التي يطرحها البعض في هذا الكتاب بمعرفة عما إذا كانت أميركا اللاتينية هي في طريقها نحو تحقيق نوع من التكامل الإقليمي؟ ويرى الباحث الألماني توماس فريتخر، الأخصائي بمسائل التكامل الإقليمي في أميركا اللاتينية، أن هذه المنطقة من العالم تشهد تحولات كبيرة على صعيد التكامل، كما يبدو من خلال العديد من المبادرات التي ترمي إلى تعزيز تعاون الشعوب في مواجهة مشاريع «المناطق الحرة» ذات المضمون الليبرالي.
المؤلف في سطور
كتاب «البركان الأميركي ؟ اللاتيني» شارك في تأليفه عشرون باحثا ومتخصصا في المنطقة وفي العالم. وأشرف عليه فرانك غيديشو، الحاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية وأستاذ الحضارات في أميركا اللاتينية بجامعة غرونوبل الفرنسية.
الكتاب: البركان الأميركي اللاتيني، اليسار والحركات الاجتماعية والليبرالية الجديدة في أميركا اللاتينية
تأليف: جماعي بإشراف فرانك غيديشو وآخرون
الناشر: تيكستويل باريس 2008
الصفحات: 448 صفحة
القطع: المتوسط
Le volcan latino-americain
Franck Gaudichaud
Textuel - Paris - 2008
P.448
