«الكومنولث العائم» كتاب يقدّم فيه مؤلفه كريستوفر هارفي صورة جديدة عن المجتمع الصناعي البريطاني في المنطقة الواقعة على شاطئ المحيط الأطلسي. ومن الملفت للانتباه منذ البداية هو أن كريستوفر هارفي لا ينظر إلى المحيط الأطلسي على أنه «حاجز» أمام التواصل، بل على العكس يراه «صلة وصل».
إنه يعبر عن ذلك القول أنه «محيط» و«بحر داخلي». وبهذه الصفة استطاع أن يخلق نوعا من «الكومنولث العائم» الذي يربط بين العديد من المدن-المرافئ مع امتداد هذه الرابطة إلى المناطق الداخلية. على خلفية مثل هذا الترابط، بل والتداخل، قامت علاقة أيضا بين الشواطئ البريطانية والشواطئ الأسترالية، وكذلك مع «العالم الجديد» في القارة الأميركية. لكن التركيز في هذا الكتاب يخص العلاقة بين المدن الشاطئية الأطلسية ومركز القرار «اللندني».
ويربط المؤلف في تحليلاته بين الدور الذي لعبته المدن البريطانية الواقعة على الشاطئ الأطلسي في التأسيس لنمط من الثقافة أكثر انفتاحا على العالم الخارجي. وهذا ما كان قد جرى التعبير عنه، ولو جزئيا، في صياغة السياسة الإمبريالية. بالتالي يبدو أن لهذه المدن-المرافئ خصوصياتها داخل المجتمع الانكليزي نفسه الذي ساهمت كثيرا في دعمه أثناء الامتحانات الصعبة.
على المستوى التقني يؤكد المؤلف على أن اختراع الآلة التجارية وبناء شبكات الخطوط الحديدية كان مثلما هو الأمر في البلدان الأوروبية الأخرى التي شهدت ثمرات الثورة الصناعية الكبرى، له دور كبير في الازدهار الاقتصادي. ووجد التقدم التكنولوجي روافده في مؤسسات التمويل الدولي وفي تقدم وسائل الاتصالات في حقبة «الاتصالات السلكية».
ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات المساهمة الكبرى التي قدّمتها تلك المدن المرفئية الأطلسية المتطورة صناعيا منذ أواسط القرن التاسع عشر في دعم قدرة بريطانيا على المقاومة أثناء الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وذلك بفضل ما كانت تمتلكه من ورشات بحرية ومن بنى اقتصادية قويّة أمّنت قدرا هاما من الموارد المطلوبة من أجل دعم المجهود الحربي.
ويسوق المؤلف في هذا الإطار العديد من الشهادات التي تسير في هذا الاتجاه مع تقديم الإحصائيات المأخوذة من مراكز وهيئات مختصة. ولم يكن تقدّم هذه المدن الأطلسية مقتصرا على الجانب المادي، ولكن المؤلف يؤكد أيضا على البعد الثقافي الذي تنشّط هو الآخر على خلفية الازدهار المادي.
التفتّح الثقافي الذي عرفته تلك المدن، برز كما يرى المؤلف، من خلال مشربين أساسيين هما النقد الاجتماعي والحداثة الأدبية. أما الأمثلة الأكثر شهرة فيجدها في الكاتب والمؤرخ الأيرلندي توماس كارليل، وفي العالم الاسكتلندي المجدد في ميدان التخطيط العمراني باتريك جيدس وفي الشاعر والمؤرخ جون بوكان الذي عمل كعميل استخبارات أثناء الحرب العالمية الأولى وأصبح فيما بعد نائبا في البرلمان البريطاني ، ووجدها قبل الجميع بالكاتب والشاعر الكبير جيمس جويس وغيرهم. وهو يبحث لدى الجميع عما يبرر انتماءهم «الإقليمي».
وكانت المنطقة المعنية التي تشكل ما تتم تسميته سابقا بـ «بريطانيا الغربية»، بمكونيها الرئيسيين الأيرلندي الاسكتلندي، قد عرفت منذ القرن التاسع عشر ازدهار جامعاتها وفنونها الجميلة ووجود عدد كبير من المثقفين.
هذا ما يؤكد عليه المؤلف إلى جانب تأكيده على «التعقيد الاجتماعي» الكبير وعلى واقع صعوبة التحديد الدقيق «جغرافيا وحضاريا» لما يدعم مقولة «الاستقلال الذاتي» لهذه المنطقة. لكن مسألة «الخصوصيات» فيعيدها بالأحرى إلى التطور الاجتماعي والتاريخي.
المشهد العام للمنطقة خلال الفترة المدروسة 1860-1930 يدل على حالة من التفتح الثقافي والازدهار الاقتصادي والتجاري والتجديد التكنولوجي. وهذا كله بالتناظر مع نشوء العديد من الحركات السياسية المتطرفة. باختصار يقدم المؤلف لتلك المنطقة صورة «عالم يتغيّر». وما يتم التأكيد عليه في هذا السياق هو أن ذلك «الكومنولث العائم» كان منذئذ لا يخضع بشكل كامل، أو «على الأقل لا يخضع بسهولة» ل«النواة» المركزية البريطانية المتمثلة في العاصمة لندن.
وفي مثل ذلك السياق بدا أنه من الطبيعي بروز حركات ذات نزعة قومية كان أكثرها شهرة وحتى فترة قريبة من الزمن، تلك التي نمت وترعرعت في ايرلندا الشمالية وكانت وراء مواجهات مسلّحة على خلفية طائفية بين البروتستانت والكاثوليك. ولا يتردد المؤلف في اعتبار أن النزعات القومية التي اكتست أحيانا رداءً طائفيا، كانت دائما وراء حالة الانقسام التي عرفتها «المملكة المتحدة».
ويرى أيضا أن فهم النزاعات العنيفة التي استمرت حتى فترة قريبة يتطلب بالضرورة العودة إلى الوراء لاستقراء «جذورها الدفينة». ومن خلال المزج بين الأحداث والتواريخ والحركات الاجتماعية والسياسية والمسارات الثقافية وسير الأدباء والمفكرين، يخلص المؤلف إلى القول بوجود نوعين من السياسة. النوع الأول يخص «السياسة العليا» التي يقوم بصياغتها رجال الدولة وكبار الموظفين، والثاني يخص «السياسة الدنيا » من صنع ممثلي المجتمع المدني وأصحاب الحرف والحكومات المحلية.
هذان «النوعان» من السياسة يؤثر كل منهما في الآخر، سلبا أو إيجابا، فيما يخص الوصول إلى رؤية «منسجمة»، إلى هذا الحد أو ذاك، للعالم ولكن دائما في إطار التأكيد على مبدأ «التعددية». وفي المحصلة كتاب عن العلاقة بين «المركز» والمحيط خلال المسيرة الحديثة للتاريخ البريطاني ما بين 1860 و1930.
تاريخ الأفكار
يمثل كتاب «الكومنولث العائم» في أحد وجوهه نوعا من التأريخ السياسي، ولكن أيضا الاجتماعي والثقافي، للمنطقة التي ينتمي المؤلف لها من حيث الولادة ومن حيث المسيرة الحياتية أيضا. هكذا يزخر الكتاب بأسماء أدباء معروفين وآخرين أقل شهرة. وفي كل الحالات يبدو هناك نوع من «التقاطع» بين سيرة هؤلاء وبين السياق الاجتماعي والثقافي الذي ينتمون إليه. وبهذا المعنى يشكل الكتاب «تأريخا» للأفكار في المنطقة المدروسة وليس فقط مجرد تأريخ للأحداث والوقائع والحركات السياسية.
المؤلف في سطور
يعمل كريستوفر هارفي أستاذا للدراسات البريطانية في جامعة توبنغن الألمانية. وهو أيضا أستاذ للعلوم السياسية في جامعة «بلاد الغال» وفي جامعة ستريتكليد بغلاسكو. وهو اعتبارا من شهر مايو 2007 عضو في البرلمان الاسكتلندي.
قدّم مجموعة من الأعمال حول اسكتلنده والنزعة القومية، وقد لاقى هذا الكتاب نجاحا كبيرا إذ عرف في عام 2004 طبعه للمرّة الرابعة. ومن كتبه «تاريخ اسكتلنده منذ عام 1914» الذي شكّل المجلّد الثامن من «تاريخ اسكتلنده الحديث» وله كتاب عن «تاريخ بترول بحر الشمال»، الخ. يساهم أيضا بالكتابة في أهم الصحف والدوريات الانجليزية والعالمية.
الكتاب: الكومنولث العائم السياسات والثقافات والتكنولوجياعلى الشاطئ الأطلسي لبريطانيا
تأليف: كريستوفر هارفي
الناشر: جامعة اكسفورد لندن 2007
الصفحات: 284 صفحة
القطع:المتوسط
A floating commonwealth
: politics, culture and technology on Britain?s
Atlantic coast
Christ op her Harvie Oxford-London 2007
P.284

