يؤكد مايكل باكمان مؤلف كتاب «الصدمة الآسيوية القادمة» أن مستقبل القارة الآسيوية عامة، والصين والهند بشكل خاص، سيغير الكثير من المعادلات العالمية القائمة اليوم ولا يتردد في وصف «التحولات» الجارية على أنها شبيهة بـ «هزة أرضية» حقيقية.
السبب الأساسي في ذلك يعيده المؤلف إلى «الفترة القصيرة جدا زمنيا» التي يتم فيها التغيير. وذلك خلافا لقاعدة ذهبية تقول أنه لا ينبغي تغيير أية منطقة في العالم بسرعة كبيرة. فهذا مغاير لمفهوم «التدرّج» المطلوب في البناء الصلب. وبكل الحالات يبقى «التغيير»، حسبما يقدمه المؤلف، محفوفا بالمخاطر إلى جانب ما يمكن أن يقدمه من فرص. وهذا ما يتم دعمه في التحليلات المقدمة بالأرقام. يقول انه في فترة عشر سنوات قادمة ستصل قيمة الأموال الخاضعة للإدارة الصينية 5. 1 تريليون دولار، وسيبلغ عدد السائحين الصينيين في مختلف بلدان العالم ما يزيد عن 100 مليون سائح سنويا. وتشير التوقعات إلى أن جزيرة سنغافورة ستصبح خلال السنوات القادمة إحدى الوجهات الأساسية لرؤوس الأموال الصينية «السرية» إلى هذا الحد أو ذاك.
ومن المستجدات التي ستعرفها الصين يحدد المؤلف عدة قطاعات «جديدة»، لم تكن بين »صادرات« البلاد المألوفة. ويشكل قطاع العلاج والاستشفاء على الطريقة الصينية، بواسطة الإبر وغيرها، أحد القطاعات التي سيكون للصين تواجد كبير بها في مختلف المناطق الآسيوية ولكن أيضا في منطقة الشرق الأوسط وأميركا الجنوبية. بنفس الوقت يؤكد المؤلف على أن البلدين الآسيويين الصاعدين، أي الصين والهند، سوف يعانيان من شح في الكوادر المؤهلة بميدان إدارة الأعمال وبما يتناسب مع التوسع الحاصل.
أما في منظور فترة أبعد يحدده المؤلف بعشرين سنة قادمة، فإن أهم المتغيرات يراها في واقع أن مليار شخص سيتواجدون في المدن الآسيوية، مما سوف يجعل المجتمعات المعنية ذات طابع مديني وليس ريفيا، كما هو الحال بالنسبة لمعظمها اليوم. وتغيير آخر يلوح في أفق العقدين القادمين وهو أن الصين سوف تكون في طليعة البلدان المصدّرة للأسلحة إلى جميع أنحاء العالم. وعلى صعيد آخر ينبئ المنظور القادم على أن «الأسرة الآسيوية» سوف تزداد تقلّصا وهشاشة مع بروز ظواهر «جديدة» خاصة بتفشي الطلاق. هذا كله إلى جانب نضوب كبير في بعض السلع الغذائية الأساسية.
وتشير التحليلات المقدّمة إلى أن عدد سكان اليابان سوف يتضاءل بحوالي 20 مليون نسمة في ال25 سنة المقبلة، بينما على الصعيد الديموغرافي أيضا سيتزايد عدد الرجال في الهند والصين ب250 مليون نسمة أكثر من النساء، أي أن هذه الظاهري التي بدأت بعض ملامحها اليوم سوف تزداد وتتفاقم. ومتغيرات أخرى ليس أقلها أن نصف مجموع المفاعلات النووية في العالم سيكون في القارة الآسيوية.
وسيكون أكبر عدد من الناطقين باللغة الانجليزية هو في الصين وليس في البلدان الناطقة أصلا بهذه اللغة. الوجه الآخر لهذا «الصعود» الآسيوية سوف يقابله نقص كبير في مادة أولية إستراتيجية هي المياه، الأمر الذي سوف يترتب عليه بالضرورة زيادة كبيرة في أسعار العديد من السلع الاستهلاكية الأساسية. تجدر الإشارة إلى أن مناقشة المؤلف للمسألة الديموغرافية في آسيا تتميز بقدر كبير من الوضوح والتوثيق.
في المحصلة العامة تتمّ التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب على أساس عدة فترات قادمة، على أن مركز الثقل الاجتماعي ـ الاقتصادي للعالم سوف ينتقل نحو آسيا، وخاصة إلى الصين والهند. لكن بمساعدة ودعم «لاعبين آخرين» في المنطقة الآسيوية المحيطة بهما. بالمقابل بالنسبة لهؤلاء اللاعبين قد يتم قريبا «طرد» اندونيسيا من منظمة «الاوبيك» وسيتضاءل عدد سكان سنغافورة كثيرا بينما من المتوقع أن يعاد توحيد شطري كوريا، الجنوبي والشمالي، في دولة واحدة.
وإذا كان المؤلف «يشيد» بالنوعية الممتازة لبعض مدارس تسيير الأعمال والإدارة في آسيا، فإنه يؤكد بالمقابل على قلّة عددها. وإذا كان يشير إلى الصعود الكبير في بعض قطاعات الصناعة والخدمات فإنه يبقى متشائما فيما يتعلق باستمرار وجود أعداد كبيرة من الفقراء في كل من الصين والهند، وهذا ما يرى به مصدرا للتشكيك في استمرارية حالة الاستقرار السياسي.
وبالتالي تلوح في الأفق ظاهرة تطور سياسي مزدوج. فمن جهة قد تنحو حكومات أغلبية البلدان الآسيوية نحو زيادة نزعتها الاستبدادية، ومن جهة أخرى سوف تتعاظم نسبة الطبقات الوسطى في المجتمعات مع مطالبتها بزيادة هامش الحريّات. «الصدمة الآسيوية القادمة» هو في نهاية المطاف كتاب مهم لأولئك الذين قد يريدون صياغة إستراتيجيات حول مستقبل الأعمال والتبادل التجاري في آسيا ومعها. هذا إلى جانب إظهار المخاطر والفرص بنفس الوقت. بكلمة واحدة إن هذا الكتاب يمثل «دراسة للسوق الآسيوية»على المدى الطويل، وعلى مدى 27 فصلا تتميّز أنها «قصيرة ومكثّفة».
أبرز كتبة
من بين كتبه: «كبير في آسيا» ويعرض المؤلف فيه 30 إستراتيجية للنجاح في الأعمال بآسيا و«قانون المنظومة الصينية» و«صاحب المبادرة الآسيوية» الذي يشرح فيه كيف أن المعرفة بالأعمال الآسيوية مرتبطة ب«الحكمة الشعبية» و«ما تحت المعرفة»، وهذا كتاب عن آسيا أيضا وذلك عبر دراسة حالات وحكايات تبيّن شدة مراس الآسيويين في عالم الأعمال.
المؤلف في سطور
مايكل باكمان، مؤلف وباحث ذو شهرة عالمية. أخصائي بالقارة الآسيوية حيث عمل وأقام لفترات طويلة. سبق له وقدّم كتابا تصدّر قائمة الكتب الأكثر انتشارا في بريطانيا تحت عنوان «الكسوف الآسيوي» وعرض فيه «الجانب الأسود» للأعمال والنشاطات الاقتصادية في آسيا. كان «الايكونوميست» قد اعتبرته أحد الكتب الـ 16 ـ غير الروائية ـ الأكثر أهمية في سنة صدوره.
يساهم المؤلف أيضا بالكتابة في العديد من الصحف والمجلات العالمية الشهيرة مثل «الهيرالد تريبيون» و«وول ستريت»لآسيوية و«المجلة الاقتصادية للشرق الأقصى» وواشنطن بوست ونيوزويك وغيرها.
الكتاب: الصدمة الآسيوية القادمة
تأليف: مايكل باكمان
الناشر: بلغراف مكميلان لندن 2007
الصفحات: 200 صفحة
القطع: المتوسط
Asia future shock
Michael Backmann
Palgrave MacMillan London 2007
P.200

