يصنف كتاب «الإرهاب.. الظاهرة وأبعادها النفسية» للدكتور ماجد موريس إبراهيم أول مرجع علمي متخصص يرصد العلاقة بين الإرهاب والأبعاد النفسية بكافة أبعادها المختلفة ويؤكد أن النظرة السريعة إلى تاريخ الإرهاب في العالم تطلعنا على موقف تناقضي مشكل ألا وهو ارتباط العنف في العديد من صوره بالتراث الديني السائد في عصر ما أو مكان بعينه.

معتبرا انه موقف يدعو للدهشة والسخرية أن نجد العنف السياسي منذ فجر التاريخ متجملاً بالرتوش الدينية مكتسياً بردائه. تعمَد الأشوريون قبل الميلاد بخمسة آلاف سنة قبل المعارك الحربية أن يرددوا الملاحم التي ألفها كهنة سومر القدماء والذين كانوا يتنافس الملوك على ولاء الشعب لهم. كانت النذور والكهانات من أشكال الإقناع وكان الدعم الروحي والنفسي للمقاتلين يستمد من الدين الذي كان في نفس الوقت يدعم الأمل في النصر. في الحروب اليونانية أيضاً لعب الدين دوراً هاماً يذكر أنه في الصراع المرير بين الفرس والإغريق انتصر الأثينيون في معركة ماراثون 460 ق.م دون عون من الاسبرطيين الذين كانوا منشغلين بإحياء احتفالاتهم الدينية.

كما أن الدين حاز أهمية كبرى في حروب اليونان حتى أن البشائر والنذور والخوارق التي أخذت شكل الظواهر الطبيعية كالعواصف الرعدية والبروق وخسوف القمر كانت تستخدم بوصفها علامات من الآلهة يعرف معناها الكهنة والعرافون الذين احتلوا في المجتمع مكان الوساطة بين الآلهة والناس. للإرهاب أيضاً جذوره الفلسفية والفكرية حيث يلخص الوضع الذي ساد فرنسا في تلك الأيام قولا ورد على لسان أحد رؤساء المقاطعات في المؤتمر الوطني بباريس (لقد حان وقت ترهيب المتآمرين. أيها المشرعون ضعوا الإرهاب على جدول أعمالكم).

إذا انتقلنا عبر صفحات التاريخ التي سجلت أحوال روسيا القيصرية نجد سلسلة من الأعمال الفوضوية الإرهابية قد عمت البلاد في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي ذات الفترة التي زادت فيها أعمال القمع والتنكيل من قبل القيصر.

على الرغم من أن هذه الثورة الشعبية هي التي مكنت لينين ورفاقه من الإطاحة بالحكم القيصري إلا أن لينين رأى أن هذا الفوران الشعبي غير المنظم هو نوع من الفوضوية، واعتبرها لينين أيضاً أنها كانت مرحلة مؤقتة إذ إنه كان يخشى أن يمتد الرفض الفوضوي ضد كل أشكال السلطة فيصوب سهامه نحوه شخصياً باعتباره رمز الشكل الجديد للسلطة.

يرى المؤلف أن الإرهاب هو شكل من العنف السياسي غير الأخلاقي وغير المبرر ولكن هذه الرؤية تلزمنا بتحديد المرجعية الأخلاقية وتلزمنا أيضاً بتقييم المبرر الظاهر أو حتى الباطن للفعل الإرهابي إذ إن الإرهاب ينطوي على مواجهة بين نقيضين، كل نقيض يجد في الصراع المحتدم وجهاً يبرر موقفه ويضفي الشرعية على تصرفاته.

ما يعتبره الشعب (حرب تحرير) يعتبره المحتل (حركة إرهابية)، وما تعتبره الجماعات المتطرفة عنفاً سلطوياً تمارسه الحكومة تعتبره أجهزة الحكم واجباً وطنياً تكلفها به جموع الشعب من أجل الحفاظ على استقرار الوطن وسلامته، وما يعتبره رجال الدين والمحافظون من المفكرين دعماً لثوابت المجتمع يعتبره بعض المبدعين إحباطاً ووأداً للفكر الحر الابتكاري. الإرهاب ظاهرة صراعية متشابكة العناصر تتنوع أدواتها ولكنها تتمحور في كل أوجهها حول محور الخوف من آخر وتخويفه.

ويعرف ماجد موريس الإرهاب كما يلي: أن ترهب الآخر يعني أن تزرع في نفسه الخوف منك، والخوف نوع من العواطف التي يخبرها الإنسان كما يخبرها الحيوان. تخيف الحيوانات بعضها بعضاً عن طريق الاعتداء الذي يصل إلى حد الفتك بالآخر والتهامه ولكننا في مملكة الحيوان لم نر أبداً أساليب الفتك عن بعد أو أساليب الفتك الجماعي، ولم نعهد حيواناً ينشب مخالبه في حيوان آخر من أجل أن يبث الرعب والخوف في حيوان ثالث بريء لا ذنب له.

إن البشرة الملساء للإنسان وحرمان الطبيعة إياه من المخالب والشعر الكثيف والأنياب الحادة والقرون البارزة، بصره المحدود وعضلاته الواهنة نسبياً، كل هذا التكوين جاء متناسباً مع ما حظي به الإنسان من عقل مفكر متطور واسع الجيلة حاد الذكاء. مكن هذا العقل الإنسان من الاستمرار وسط بيئة طبيعية يشعر فيها فطرياً بالاغتراب حتى وإن لم يكن هذا الشعور معلناً.

اخترع الإنسان الأسلحة كي يدافع عن نفسه ولكي يقتل أعداءه سواء كان هذا العدو حيواناً مفترساً أو غريماً يطمع في الأرض أو العرض أو مصدر المياه. فيما تصوب هذه الأسلحة نحو الآخرين، إنها لا تستهدف أجسادهم فقط ولكنها تستهدف أيضاً عقولهم وتبث الخوف والرعب في دخيلة نفوسهم أو تيقظ ما كان مستوراً في النفوس من خوف ورهبة.

ويؤكد المؤلف أن الإرهاب لا ينتسب إلى دولة دون أخرى ولا يمكننا أن ننعت به ديناً دون آخر. لا ينتمي الإرهاب لطبقة اجتماعية اقتصادية معينة ولا لاتجاه فكري أو سياسي، ماركسي يساري أو فاشي يميني. الإرهاب ليس حكراً على العسكريين ولا هو وصمة للمدنيين الغوغاء..

لهذا كان البحث في موضوع الإرهاب مغرياً بالبحث عن مكامن الخوف وهويته ودفاعاً إلى رحلة نسبر فيها أغوار النفس الإنسانية. في هذا الارتباط التبادلي المشترك بين الإرهاب؟؟ الخوف نقتفي آثار حلقاته المتتالية.. أولى حلقات الخوف هي حلقة الخوف من الاتصال ؟؟ الانفصال التي تكمن وراء الحوار بين الوليد وأمه، خوف من الانفصال والعزلة وخوف من الاتصال والاحتواء وهو نفس الخوف الذي يفصح عن نفسه في حلقة أخرى من حلقات الخوف وهي حلقة الخوف من الاستقلالية ؟؟ الاعتمادية.

وتختتم سلسلة حلقات الخوف بذلك الخوف المضمر المعلن ألا وهو الخوف من الموت.. الذي هو في نفس الوقت خوف من الوحدة والعزلة والرحيل والمجهول. ولا يغيب عن ذهننا أن الموت هو الهم الأساسي الذي يغذي كل أشكال الخوف السابقة.

اليهود والارهاب

بدأ الإرهاب بظهور اليهود في التاريخ وتعتبر الجماعة اليهودية المعروفة باسم «السيكارين» أول منظمة إرهابية في العالم. ويرجع بنا تاريخ الإرهاب في العصور المسيحية إلى القرن الحادي عشر الميلادي الذي شهد بدء الإعداد للحملات الصليبية ومظاهر أخرى للتعنت الديني في المجتمع الأوروبي.

ويرجع تاريخ ارتباط الإرهاب ببعض الجماعات الإسلامية إلى تلك الفترة التي شهدت خروج فرق الخوارج والقرامطة والحشاشين وغيرهم ممن استحلوا سفك الدماء في غير ما حلل الله. وتتوالى الحلقات في تاريخ حروب المغول والتتار والعثمانيين.

خالد عزب

الكتاب: الإرهاب.. الظاهرة وأبعادها النفسية

تأليف: د. ماجد موريس إبراهيم

الناشر: دار الفارابي دمشق 2008

الصفحة : 509 صفحات

القطع: الكبير