إنه مناخ متوتر بطبيعة الحال، مناخ شخص عاش تجارب داخلية مرعبة ووصل إلى حافة الهاوية وكاد أن يسقط فيها.لقد عاش مرحلة العدمية والخواء الداخلي، أوقل مرَّ بها كمعظم الشعراء الكبار.

ولكنه تجاوزها عن طريق الإبداع الذي يكاد يخلق الأشياء من عدم. وهنا ندخل في الدائرة المغلقة التي تربط بين الإبداع والحياة. لكن لنستمع إليه هو شخصياً يتحدث عن نفسه بدلاً من أن نتحدث عنه أو باسمه. يقول في رسالة إلى أحد أصدقائه متحدثاً عن ديوانه «أزهار الشر» مباشرة بعد صدوره: «هل ينبغي أن أقول لك، أنت الذي خفي عليه الأمر مثل الآخرين، أني وضعت في هذا الكتاب الشنيع كل قلبي، وحناني، وديني (منكَّراً)، وحقدي؟ إنه لصحيح أني صرحت بعكس ذلك تماماً لكي أموّه الأمور على الناس وحلفت بأغلظ الأيمان بأنه كتاب في الفن الخالص، والتقليد المضحك، والشعوذة، والتهريج...».

لماذا كل هذا التمويه على الناس؟ لأنه كان يخشى أن يكتشفوا حقيقة أمره. كان يعرف أنه تجاوز الحدود في التمرد والرفض، في تعرية الواقع والوجود، في السير ضد التيار.. إذا ما تطلعنا ملياً في البنية الداخلية «لأزهار الشر» وجدنا أنه مؤلف من ستة أقسام أساسية، ولكن متفاوتة كثيراً من حيث الأهمية والطول. فالقسم الأول والأكبر يحمل العنوان التالي: «سأم ومثال أعلى». وهو يضم خمسة وثمانين قصيدة. ويمكن أن نكتشف فيه الحياة الحميمية للشاعر: أي حياته الشخصية والداخلية. ينبغي أن نعلم أن ديوان «أزهار الشر» كله ما هو إلا عبارة عن اعترافات يبثّ من خلالها بودلير آلامه ومعاناته وصراعاته مع ذاته والعالم من حوله.

ولكن عنوان «السأم والمثال الأعلى» ينبغي أن نعكسه في الواقع. فالحركة العامة لهذه القصائد نازلة وليست صاعدة: بمعنى أنها تبتدئ بالمثال الأعلى والتحليق في السماوات العلا والجو الملائكي وتنتهي بالسأم والضجر وهزيمة الإنسان أمام الحياة والزمن. فالإنسان مدحور في نهاية المطاف بحسب التصور البودليري. الإنسان محبط أبدياً، ولا خلاص... أما القسم الثاني من الديوان الشهير فيتخذ العنوان التالي: «مشاهد باريسية» أو لوحات باريسية. وفيها يخرج الشاعر من نفسه وتناقضاته الداخلية لكي يستريح قليلاً.

وعندئذ يصور لنا بعض مشاهد الحياة الباريسية. وبالتالي فهذه القصائد (86-103) تشبه اللوحات الفنية. وهنا يبدو بودلير معجباً بباريس أحياناً، وكارهاً لها أحياناً أخرى (تماماً كموقفه من المرأة). إنه يصور باريس في الليل، وباريس في النهار.

ويمكن تصنيف هذه القصائد بحسب الفصول. فالشاعر يشرد في المدينة أو يتسكع طيلة الفصل الجميل. ثم ينغلق على نفسه في السقيفة طيلة الشتاء لكي يكتب قصائده. وهذه القصائد عبارة عن لوحات يركز فيها على تصوير الناس الهامشيين أو المنبوذين من أمثاله. فهناك قصيدة تتحدث عن الشحاذة الفقيرة، أو العمياء، أو قصيدة تتحدث عن المرأة العجوز الوحيدة الجالسة في الحديقة العامة والتي لا يقترب منها أحد، وهناك قصائد تتحدث عن المتسكعين والصعاليك، الخ...

وأما القسم الثالث فمكرس للتحدث عن «الخمر والسكر». وهو مؤلف من خمس قصائد (104-108). وفيه يحاول الشاعر أن يهرب من نفسه أو الواقع المعاش الذي لا يحتمل عن طريق احتساء الخمرة المعتقة بكميات لا يستهان بها. ولكن لا يبدو أن الخمر كانت تحدث في داخله ذلك الإحساس المعروف بالانتقال إلى عالم خارق للعادة.

كما أنها لم تكن تجعله يشعر بالانحطاط، أو انهيار القوى، أو تأنيب الضمير كما يحصل لبعضهم. وإنما كانت تجعله يشعر بالنشوة والحماسة فيتوهم أنه أصبح أكثر قوة. وهذا القسم هو الأكثر مرحاً وابتهاجاً في الديوان كله. ومن عناوين القصائد نذكر: مساء، روح الخمرة ترقص في القوارير، خمرة القاتل. وهذه القصيدة الأخيرة كان أصدقاؤه يطالبونه بإنشادها كلما التقوا به نظراً لما تثيره من السخرية والابتهاج. كانوا ينقلبون على قفاهم من الضحك عندما يبتدئ بقراءتها. تقول القصيدة في مطلعها:

امرأتي ماتت، أنا حر!

أستطيع أن أشرب على كيفي

عندما كنت أعود بدون فلس في جيبي

كانت زعقاتها تمزق أعصابي

أنا سعيد كملك

الهواء نقي، والسماء رائعة

عشنا صيفاً مشابهاً

عندما كنت مغرماً بها! الخ...

وأما القسم الرابع من «أزهار الشر» فيدعى بالضبط أزهار الشر. (من القصيدة 109-117). ويسوده مناخ سادي دموي. نذكر من بين عناوين القصائد: نافورة الدم، نساء مدانات، شهيدة، الخ... ولكن سادية بودلير لا يمكن فصلها عن مازوشيته. فهو سادي مازوشي في آن معا. كل علل الأرض موجودة فيه. وأكبر دليل على ذلك قصيدته المشهورة: جلاّد نفسه.

فالصفة الأساسية لبودلير هي أنه كان يجلد نفسه باستمرار، وليس بحاجة لأحد لكي يجلده أو يعذبه، فهو يعذب نفسه بنفسه..كان يشعر بالخطيئة والذنب إلى أبعد الحدود ولأسباب شخصية حميمة لا أستطيع أن أتوقف عندها هنا.

وأما الجزء الخامس من الديوان فيحمل عنوان: تمرد (118-120). وفيه يعلن تمرده على العقائد المسيحية وانتماءه إلى حزب الشيطان ويصرخ قائلاً: آه، أيها الشيطان ارحم عذابي! !... ويبدو أن معركته مع نفسه انتهت بهزيمته وإنهاكه إلى درجة أنه اضطر إلى طلب المعونة من الشيطان لا من الله، فهو من حزب الشيطان لأنه يعتبر نفسه مدانا من الأزل والى الأبد.انه من صنف الشعراء الملعونين المدانين.

وأما القسم السادس والأخير فيحمل عنوان: الموت. وهو يبدو كختام للديوان ولمسار بودلير وغير بودلير في هذه الحياة. (القصائد من 121-126). وآخر قصيدة في الديوان كله تحمل عنوان: رحلة. وهي تبدو كتلخيص للديوان كله ولتجربة بودلير في مراحلها الأساسية. في الواقع إن رحلة الشاعر في هذه الحياة انتقلت من الحلم بالمثال الأعلى الرائع، بالسماء اللازوردية، بالسحابات البيضاء، بالأثير والهواء، بالأعالي والقمم، إلى الحضيض والهاوية، ثم الموت أخيراً.

وبحسب المنظور البودليري فإنه يستحيل على الإنسان أن يفلت من شرطه المحتوم مهما حاول ومهما فعل. فالإنسان مدان في نهاية المطاف بإلقاء سلاحه، بالتمدد على الأرض، بالنوم الأبدي... والزمن ينهش حياة الإنسان يوماً بعد يوم، بل وساعة بعد ساعة دون أن يشعر. في كل ثانية ينقص عمرك تدريجيا وتنحدر خطوة إضافية نحو الموت. الزمن هو العدو الأول:

تذكّر بأن الزمن هو لاعب شره

والذي يربح في كل مرة بدون أن يغش! إنه قانون:

النهار يقصر، والليل يتطاول، تذكّر!

والهاوية دائماً عطشانة، والساعة تفرغ..

وأخيراً لا بد من أن نطرح هذا السؤال: ما هي الرؤية العامة التي نستخلصها من ديوان «أزهار الشر»؟ إنها رؤية تراجيدية بدون شك. فالحياة مأساوية، والمأساة تغلّف الحياة من أولها إلى آخرها. لا ريب في أن هناك لحظات سعادة تفصل بين البداية والنهاية، ولكنها ومضات قصيرة وعابرة. أما الذي ينتصر في نهاية المطاف فهو الموت، والفجيعة، والسأم، والتفسخ، والانحلال... فالإنسان مدان بالخطيئة الأصلية التي ارتكبها أجداده في قديم الأزمان. من هذه الناحية فان بودلير مسيحي بدون شك.

ولكنه مسيحي بدون غفران، وبلا أي أمل في الخلاص..وبالتالي فهو يأخذ من المسيحية نصفها السلبي ويرفض نصفها الآخر، الايجابي. في عام 1854 عندما كان عمره لا يتجاوز الثلاثين عاما إلا قليلاً كتب لأمه رسالة يقول فيها: «باختصار أعتقد أن حياتي مدانة منذ البداية، وأنها ستظل مدانة إلى الأبد»... سوف نرى فيما بعد أن رامبو كان يشعر بنفس الشيء ويقول في ديوانه الشهير فصل في الجحيم: أنا مدان منذ الأزل وإلى الأبد.. لماذا يشعر هؤلاء المبدعون الكبار بأنهم مدانون أو ملعونون إلى مثل هذا الحد؟

لماذا ألف فيرلين كتابه: الشعراء الملاعين أو الملعونين المدانين؟ هل لأن الحياة تأخذ بيد ما تعطيه باليد الأخرى؟ أم لأن العبقرية ثمنها غال ولا تعطي نفسها مجاناً؟ كلا الحلين وارد، بل وهما متطابقان. والحضارة الحقيقية كما يراها بودلير لا تتمثل في مواقد الغاز، والآلات البخارية، وسواهما من المخترعات الصناعية الحديثة التي كانت قد ابتدأت تظهر آنذاك.

وإنما هي تكمن في تقليص آثار الخطيئة الأصلية: أي في تقليص إحساسنا بالخطيئة والذنب. هنا يكمن تشاؤم بودلير الشديد، بل ورجعيته كما يقول البعض. فقد كان يسير عكس التيار العام لعصره والذي جسده فيكتور هيغو مثلاً: أي تيار التفاؤل بمستقبل الإنسان، والثقة بقدراته على التطور والتحسن نحو الأفضل بفضل تقدم العلم والفلسفة والتنوير. وهذه هي العقيدة التي سادت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

لكي نفهم شخصية بودلير أو نفسيته يكفي أن نقرأ العبارات التالية: «معنوياً وجسدياً كنت دائماً أشعر بأني على حافة الهاوية. ولا أقصد بذلك فقط هاوية النعاس والنوم، وإنما أيضاً هاوية الممارسة، والحلم، والذكرى، والرغبة، والأسى، والندم، والجمال، والعدد، الخ... لقد غذَّيت الهستيريا التي تسكن في داخلي بنوع من الاستمتاع الشديد والرعب...».

هكذا نجد أن بودلير سبق كافكا وسيوران بزمن طويل إلى العوالم السفلية التحتية التي قد لا يخرج منها من نزل إليها. وربما كان أول من ربط بين الحداثة الأدبية والقلق الوجودي الذي لا حل له إلا بالموت أو بالإبداع الخارق الذي يتحدى الموت. الإبداع هو المعادل الموضوعي للقلق الأقصى. قصيدة واحدة لبودلير تستطيع أن تمتص قلق العالم وربما تهدئه..

وربما يكون قد سبق كيركيغارد إلى التعبير عن قلق الوجود .. يقول في قصائده النثرية الصغيرة: «أنا أكثر البشر وحدة وآخرهم. أنا محروم من الحب والصداقة. وبهذا المعنى فأنا أدنى مرتبة من الحيوانات الدنيا. ولكني أنا أيضاً الوحيد الذي خلق لكي يفهم الجمال الخالد ويستشعره! آه، يا آلهة الجمال، أشفقي على حزني وجنوني!». هكذا نجد أن بودلير يتأرجح دائماً بين حركتين: حركة عالية وحركة نازلة، حركة صاعدة نحو الجمال والسماوات العلا، وحركة هابطة نحو الجحيم والهاوية التي تفغر فاها، ولا قرار.

لطالما حلق بودلير في قصائد صنعت مجد الشعر الفرنسي ثم هبط فجأة إلى القاع، إلى جحيم الواقع الأرضي. انه شخص حدي، راديكالي: اما فوق واما تحت ولا حل وسطا. ولكن للأسف فإن الحركة الثانية، أي التي تشد إلى تحت، هي التي كانت تنتصر لديه في معظم الأحيان. وهذا ما يجعله نهباً للمشاعر السوداوية، بل والحالات الهستيرية.

بعدئذ تجيء القصائد العبقرية.. فلولا هذه الهستيريا الشخصية لما كان بودلير قد أصبح الشاعر الحاسم الذي نعرفه.. هكذا نلاحظ أن المناخ الشعري لشارل بودلير يتمثل فيما يلي: جو مكتئب تسيطر عليه الظلمات، جو محاط بجدران غير مرئية لسجن غير مرئي، سماء واطئة تشبه غطاء القدر أو الطنجرة وتكاد تطبق عليك، وتحتها تختلط أو تضطرب بشكل أعمى التصورات المرعبة للحياة الداخلية للشاعر... إن الشاعر محاط بالرعب من كل الجهات، وقدمه تقف على حافة الهاوية، بل وتكاد تنزلق في أي لحظة...

يقول:

أحسد مصير الحيوانات الأكثر رداءة

لأنها تستطيع أن تغطس في نعاس غبيّ

في الوقت الذي تنحلّ فيه بكرة

خيوط الزمن ببطء...

نعم ما أسعد الحيوانات! إنها تسرح وتمرح في المراعي هانئة، غافلة، غير عابئة بما يحيط بها. وحتى لو حصلت كارثة كبرى أو زلزال فإنها لا تشعر بشيء ولا تحمل أي همّ. أما الشاعر فإنه يحمل هموم الأرض كلها على ظهره بسبب وبدون سبب. هذا الإحساس بالهمّ، هذا الإحساس القاتل بالخطيئة والذنب هو الذي يكاد يسحق بودلير تحت وطأته. ولا أحد يعرف سبب هذا الإحساس ولا من أين أتاه..

ولذلك فإن سأمه أو ضجره من الحياة يتخذ الأشكال التالية: مواكب شيطانية من الذكريات، والأسى، والتشنُّجات، والقلق، والكوابيس، والغضب، والعصاب النفسي. فكل لحظة من الوجود تسقط في الهاوية أو في فراغ العدم. وتأنيب الضمير ينهش في أحشاء بودلير من الداخل كما السرطان.. يقول من أبيات رائعة ومخيفة:

من يستطيع أن يقضي على ذلك الندم القديم، الطويل، ذلك الندم الذي يحيا، يختلج، يتلوى، يتغذَّى من أحشائنا كما تتغذى الدودة من الميت،

أو الأسروع* من شجر السنديان؟...

من يستطيع أن يقضي على الندم العنيد؟...

إن عالم بودلير هو عالم كافكا أو هيتشكوك قبل الأوان. فالوضع البشري محكوم بالقلق، والملل، والمصائب غير المتوقعة، وضربات الزمان. ولا يمكن بأي شكل أن تعطي ثقتك لهذا العالم المغدور والغدار. يقول أيضاً من أبيات شديدة الدلالة والإيحاء:

العالم، رتيب وصغير، اليوم، بالأمس، غدا.

دائماً يرينا في مرآته صورتنا:

واحة من الرعب في صحراء من الضجر!..

هذا هو الوجود البشري بحسب تصور شارل بودلير: واحة من الرعب في صحراء من الضجر... ليس غريباً اذن أن يكون سارتر قد قال عنه بأنه لم يعش الحياة التي يستحقها. فهذا الشاعر الحساس جداً والذي يتألم بسرعة لمصير أي فقير مهزوم اومهمش كان يستحق حياة أخرى أكثر سعادة وطمأنينة.

ولكن القدر شاء أن يصدمه منذ نعومة أظفاره عندما تزوجت أمه وأغلقت الباب في وجهه لكي تختلي بزوجها... منذ تلك اللحظة أصيب شارل الصغير بجرح عميق لم يندمل ولم يقم منه طيلة حياته كلها. منذ تلك اللحظة ابتدأ السقوط من الجنة، جنة الطفولة الأولى والسنوات الوردية. بعدئذ ضاع بودلير، وأصبحت الأشياء سيان بالنسبة له. لم يعد يهمه فرح أو حزن، فشل أو نجاح. لم يعد هناك من شيء له معنى. ولم يعد هناك من عزاء إلا الكأس أو القصيدة.. فالشعر هو العزاء الوحيد في عالم خائب لا عزاء فيه.

التقليد المضحك

«هل ينبغي أن أقول لك، أنت الذي خفي عليه الأمر مثل الآخرين، أني وضعت في هذا الكتاب الشنيع كل قلبي، وحناني، وديني (منكَّراً)، وحقدي؟ إنه لصحيح أني صرحت بعكس ذلك تماماً لكي أموّه الأمور على الناس وحلفت بأغلظ الأيمان بأنه كتاب في الفن الخالص، والتقليد المضحك، والشعوذة، والتهريج...».

مقتطف من رسالة كتبها بودلير إلى صديقه عن «أزهار الشر»

بودلير في سطور

ولد شارل - بيير بودلير في 9 ابريل من عام 1821 في باريس في الرقم 13 من شارع هوتفوي، وهو ثمرة زواج غير متكافئ كان له - فيما بعد - كبير الأثر في حياة الشاعر وشخصيته وسلوكه، فقد كان والده فرانسو بودلير أكبر من والدته كارولين أرشمبو - ديفايس بما لا يقل عن 34 عاماً.

كان فرانسوا سعيداً كلّ السعادة بولادة ابنه شارل، بل أخذ يهتمّ به اهتماماً خاصّاً، فيخرج معه، وهو ابن خمس سنوات، إلى حدائق لوكسمبرغ يشاهدان التماثيل، وكان الوالد يقصّ عليه القصص العجيبة لكلّ تمثال على حدة، كما كان يقف عند الصور التي تزدان بها الجدران ليتأمل ألوانها ودلالاتها.

لكنّ اللغز الذي كان يشغله في المنزل صلة تلك المرأة الصبيّة التي هي أمّه بذلك الشيخ الطاعن في السّن الذي هو أبوه، ولم يطل هذا اللغز طويلاً إذ توفي والده فجأة في اليوم العاشر من شهرفبراير سنة 1827، وهو لم يبلغ السادسة من عمره، فحزن شارل على والده حزناً عميقاً، وانصرف إلى أمه التي حاولت أن تحتضنه أكثر من ذي قبل وأن تعوّضه عن فقدان الأب، فتعلّق بها تعلّقاً شديداً.

لكنَّ الفاجعة الثانية التي وقعت على رأس الطفل الصغير أنّ والدته تزوجت بعد مرور عام على وفاة والده من الضابط الرائد جاك أوبيك فلم يتقبّل الطفل هذا الأمر طوال حياته، وقد ساقه هذا الإحساس العميق بالمرارة والحزن والخيبة والاغتراب والفقد إلى أن دمّر حياته تدميراً كاملاً، وهو الذي قال فيما بعد: «عندما تنجب المرأة طفلاً مثلي لا تتزوج مرّة أخرى أبداً».

رفض الطفل بودلير أن يحلّ هذا الرجل الضابط الغريب محلّ أبيه وأن يختطف منه أمّه، ولكنّه مغلوب على أمره، فذاق مرارة مركّبة، ثمّ أدخله زوج أمّه إلى المعهد الملكي في ليون للدراسة، وكان ذلك في عام 1833 فابتعد عن أمه، وأخذ يلمع في دروسه، وبدأت ملامح شخصيته تتجلّى في الاقتراب من التصوّف مرّة ومن المجون مرّة أخرى، ولكنّه قد بدا عليه اهتمامه بالأدب اهتماماً كبيراً.

فانصرف إلى قراءة الشعر، وصرّح لأسرته -بعد إنهاء دراسته في المعهد سنة 1839 -بأنّه سيكرّس نفسه للشعر والأدب، فأثار حفيظة الجنرال أوبيك الذي لم يكن راضياً عن سلوك الشاب المراهق، وهذا ما كان ينتظره بودلير، فاحتكّ بالحياة الأدبية في باريس، وانصرف إلى كلِّ ما هو شاذ، ليغضب أمه وزوجها اللذين ظهرت عليهما بعض ملامح التدين.

وأقام علاقة بمومس يهودية شابة تدعى سارة ولقبِّها بلوشيت ( جُِّكومُُّّم -الحولاء) فنقلت إليه عدوى مرض الزهري الذي صاحبه طوال حياته، ثم قام الفتى برحلة إلى الشرق باتجاه كلكوتا على متن سفينة شراعية في عام 1841، ثم عاد بودلير من رحلته إلى الشرق في شباط 1842 بعد تسعة شهور من الغياب عن فرنسا.

عاد يحمل الحقد على زوج أمه الذي أبعده عنها والخوف منه، وكان الجنرال أوبيك قد فقد الأمل في إصلاح الفتى، فلما بلغ سنّ الرشد في نيسان سنة 1842 استلم قيمة ميراثه، وانصرف بعيداً عن زوج أمه ليعيش حياة اللذة والاستمتاع في الحيّ اللاتيني في باريس وكانت الأعوام التالية 1845 و1846 و1847 مجالاً لإنتاج عدد من القصائد الهامة.

وبداية لظهوره في ساحات الأدب والنقد وانجذاباً مفاجئاً للمسائل السياسية، ثمّ اتجه في عام 1848 إلى ترجمة بعض أعمال الأديب الأميركي إدغار آلان بو، وظلّت جان ديفال المرأة الأكثر جاذبية في عيني الشاعر، وقد ذاق بين أحضانها متعةً شريرة، وكان -مع تعلّقه بها -يدرك وضاعتها وبلادة عقلها ومقاذر نفسها وخياناتها، ولكنّه كان يدرك في قرارة نفسه أنّه بحاجة إليها ولا يستطيع أن يتخلّى عنها.

لما ملّ بودلير حياة اللذة السوداء مع جان ديفال أخذ يبحث عن الحبّ الرومانسي العذري فالتقى الآنسة ماري دوبرين، وهي ممثلة ناشئة جميلة تُعيل والديها، ثمّ التقى في الوقت ذاته مدام ساباتيه، وهي صاحبة صالون أدبي، وهي امرأة ذات جمال خارق، فنظم فيها عدداً من قصائد الحبّ العذري وأرسلها إليها دون توقيع، لكنّها ظلّت تنظر إليه بصفته مريضاً أكثر منه حبيباً.

وجد بودلير في عام 1857 ضالته في شخص بوليه مالاسيس الذي تكفّل بنشر (أزهار الشرّ). وتوفي زوج أمه الجنرال أوبيك في 28 ابريل من العام نفسه، ولكنّ ديوانه يُصادر لما فيه من جرأة على الأخلاق، ويتابع نشر أعمال إدغار آلان بو وبعض المقالات النقدية.

ثم أصبحت حالته الصحية، منذ بداية عام 1862 سيئة جداً، وسافر إلى بلجيكا في عام 1864 فأخفق في رحلته أدبيّاً وماديّاً، وفيما هو يزور إحدى الكنائس الأثرية في نامور خرّ صريعاً في صحنها، وأُصيب بالفالج، ثمّ نُقل إلى باريس وهو غير قادر على الحركة والنطق، ثم مات في 31 أغسطس من عام 1867 .

خيبة الطفل

الفاجعة التي وقعت على رأس الطفل الصغير أنّ والدته تزوجت بعد مرور عام على وفاة والده من الضابط الرائد جاك أوبيك فلم يتقبّل الطفل هذا الأمر طوال حياته، وقد ساقه هذا الإحساس العميق بالمرارة والحزن والخيبة والاغتراب والفقد إلى أن دمّر حياته تدميراً كاملاً، وهو الذي قال فيما بعد: «عندما تنجب المرأة طفلاً مثلي لا تتزوج مرّة أخرى أبداً».

هاشم صالح