المسرح هو الفضاء الأرحب للحوار وتلاقح الثقافات، ففيه بُعاد صوغ التفاصيل اليومية والهموم الخاصة والعامة، والأسئلة الراهنة أو تلك العالقة منذ مئات السنين، فيه يُعاد صوغ الحياة بأساليب فنية، وكان من الطبيعي أن يحتل هذا الفن العريق مساحة لائقة في سياق الفعاليات التي احتضنتها دمشق بوصفها عاصمة الثقافة العربية لهذا العام.

إن كان على مستوى العروض المحلية التي أعلنت أمانة الاحتفالية عن إنتاجها ومازالت قيد الإنجاز، أو كان على مستوى استضافة العديد من الفرق العربية والأجنبية التي قدمت تشكيلة منوعة من مختلف فنون الأداء المسرحي الكلاسيكي والحديث، بدءاً من ملكة الغناء العربي فيروز ومسرحية «صح النوم»، مرورا بباليه «بحيرة البجع» فالأوبرا وكوميديا ديلارتي والعروض الجوالة، وصولا إلى فرقة الجعايبي وعرض «خمسون» ومن ثمة عرض المخرج الإنجليزي الشهير بيتر بروك «المفتش الكبير».

تهامة الجندي: فقط خلال الشهر المنصرم وبداية الشهر الحالي كان عشاق المسرح على موعد مع مالا يقل عن خمسة عروض متعددة الجنسية فقد استضافت الأمانة العامة لاحتفالية دمشق الفنان الكويتي سليمان البسام الذي أعد وأخرج نص «ريتشارد الثالث» لوليم شكسبير بناء على طلب فرقة شكسبير الملكية ومن إنتاجها، وهي إحدى أعرق فرق ومؤسسات المسرح في العالم.

وفي هذا العرض قّدم المخرج قراءة عربية للنص الشكسبيري الشهير، تراءت فيها أسئلة التاريخ والسياسة وأصداء زمننا الحاضر الذي يضج بالصخب والعنف، ذلك عبر لغة مسرحية انفتحت على مفهوم الصورة وتوظيف التقنيات الحديثة والموسيقى في المسرح، أما شخصيات العرض فقد قامت بها نخبة من الفنانين العرب والإنجليز منهم: السوري فايز قزق، الكويتي جاسم النبهان، العراقي مناضل داوود، السورية أمل عمران، اللبنانية كارول عبود، الانكليزي نايجل باريت.

تراجيديا إغريقية

المخرج الفرنسي جان كريستوف ساييس قدم تراجيديا «أندروماك» عن نص يوريبيدس، وأداء نخبة من الممثلين السوريين والفرنسيين منهم: حلا عمران، لويز عبد الكريم، كوزيت حداد، تييري بوسك، ماتيو جينيه، غايل هيرو، فاليري لانغ، ودانييل مارتين، والعرض عاد بنا إلى القرن الخامس قبل الميلاد حين انتصر الإغريق على الطرواديين.

واقتادوا أرملة هيكتور الأميرة أندروماك لتصبح أمة لدى الحاكم نيوبتوليمس، وتنجب له طفلا يدعى مولوتوس من المفترض أن يغدو وريث العرش في المستقبل لأن زوجته هيرميوني عاقر، لكن الزوجة تحيك مؤامرة لقتل غريمتها وولدها، وتكاد المؤامرة أن تنجح لولا تدخل آلهة البحر في نهاية المطاف لإنقاذ أندروماك ومولوتوس وتأسيس ذرية مختلطة لسلالة أمراء مولوسيا.

وركز المخرج جل اهتمامه على اللغة والأداء التمثيلي، وارتأى أن يتحدث الطرواديون باللغة العربية، بينما يتكلم الإغريق الفرنسية، وكان على الممثلة حلا عمران التي لعبت دور أندروماك ـ الموضوع المتنازع عليه ـ أن تتكلم باللغتين حسب جنسية الشخصية المقابلة لها. والجدير ذكره أن هذا العرض هو من إنتاج مشترك مابين احتفالية دمشق والمركز الثقافي الفرنسي ومحافظة الرون ومهرجان أثينا ومهرجان برشلونة الإغريقي وبدعم من كولتورفرانس.

مسرح الرقص المعاصر

تعتبر فرقة «فولكفانغ دانس ستوديو» الألمانية التي استضافتها احتفالية دمشق بالتعاون مع معهد غوته واحدة من أشهر فرق الرقص المعاصر في أوربا، وهي تابعة لأكاديمية فولكفانغ في مدينة آيسن بألمانية، وتتألف من عشرة راقصين بإدارة مصممة الرقص هنريتا هورن، وقد قدمت الفرقة في أمسية واحدة عرضين مستقلين فصل بينهما استراحة قصيرة، العرض الأول جاء تحت عنوان «سولو«وهو عبارة عن مونودراما راقصة قامت بها المصممة هورن، تلاه العرض الجماعي «أفتاوشر» الذي اتخذ من العلاقة ما بين الرجل والمرأة موضوعا له.

في «سولو«وعلى مدار خمس وعشرين دقيقة تابع الحضور امرأة تحارب عالمها الصغير المكوّن من كرسي وطاولة، محاول الانعتاق، لكنها في كل مرة كانت تعود إليه، وهذا الصراع، بين الإحساس بالعزلة والقنوط والرغبة في التواصل مع الآخرين، عبّرت عنه الفنانة هورن بجملة من المفاتيح الحركية المكررة التي نفذّتها تارة على وقع الصمت وتارة على إيقاعات الموسيقى.

وجاء عرض «أفتاوشر» مليئا بالصخب والتداعيات التي ارتسم على مداها السلوك الإنساني اتجاه النصف الآخر، الحبيب أو شريك الحياة، فخشبة المسرح الخالية من الأغراض والديكورات ما عدا عشرة كراسي ازدحمت بحركة الراقصين وصوت الخشاخيش والموسيقى التي عكست بإيقاعاتها المختلفة مناطق عدة من العالم، الراقصون متقابلون أنثى وذكر، وصوت الخشخشة يُنذر بالغواية.

ثم تنساب المشاعر المختلفة بدءا من الرغبة والحب، مرورا بالغيرة والتنافس، انتهاء بالمشاجرات والفراق، حالات متناقضة من التجاذب والصدام أطلقها في الأفق عناق الحركة الرشيقة بالإيقاعات المتصاعدة وتشكيل الإضاءة، ليغدو المشهد وكأنه لوحة فنية.

وجاء عرض مسرحية المفتش الكبير باللغة الإنكليزية مع ترجمة فورية، ولم تتجاوز مدته الخمسين دقيقة، وقد حكى قصة المفتش الكبير التي رواها إيفان لأخيه أليوشا في رواية «الأخوة كارامازوف» للكاتب الروسي فيودور دوستوفسكي، والحكاية عادت بنا إلى القرون الوسطى ومحاكم التفتيش التي ذهب ضحيتها كل من عصا الكنيسة بتهمة الهرطقة والإلحاد. وطرح عرض مسرحية المفتش الكبير تصورا حول مفهوم الحرية والانعتاق من كل الغوايات والسلطات والاهتداء إلى درب الحق عبر صوت الضمير ونداء القلب.

والغريب انه في هذا السياق العميق للنص وطروحاته ارتأى بيتر بروك أن يخرجه بأسلوب المسرح الفقير وبأبسط الوسائل مختزلا اللعبة المسرحية إلى عنصريها الأساسيين الممثل والمتفرج، فالإنارة عامة والفضاء خال من الديكورات والأغراض والممثلين باستثناء شخصيتين: شخصية المسيح التي لم تبد حراكا طوال العرض، والشخصية المحورية.

وهي مركبة تجمع في الآن ذاته ما بين شخصية الراوي وشخص المفتش الكبير، قام بها شريك المخرج الفنان الإنكليزي القدير بروس ميرز، وبصوت الواعظ الرصين كان يقف قبالة جمهوره، يحكي لهم قصص الاستبداد، يخاطب عقولهم وقلوبهم، يلقي عليهم بأسئلته الساخنة دون تكلف أو انفعال.

وقد يكون أكسب «المفتش الكبير» لمسة السحر، وجعل منه العرض الأفضل والأجرأ من بين كل العروض التي شهدتها دمشق هذا العام، ليس فقط لأنه حمل توقيع أهم المسرحيين الغربيين، بل لأنه أيضا أثار العديد من الأسئلة الشائكة حول أدوات الاستعباد والعسف والتكفير، وهي أسئلة راهنة تعاني منها المنطقة العربية بشكل خاص.

كوميديا ديلارتي

أيضا وبالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي استضافت الأمانة العامة فرقة «القصيدة الهارمونية» وهي فرقة إيطالية أسسها فانسان ديمستر عام 1998، وتعتبر إحدى أهم الفرق المسرحية الموسيقية المختصة بأرشفة الأعمال الباروكية، وقد اختارت منذ بداياتها التركيز على موسيقى القرنين السابع عشر والثامن عشر عبر بحث عميق في أصول الأداء الصوتي والآلي، في عروض تجمع بين موسيقى الحجرة وبين الأعمال المشهدية الضخمة.

وقدمت الفرقة عرض «كرنفال الباروك» وهو ينتمي إلى الكوميديا الديلارتية التي لا تهدف إلى بناء الأحداث، بقدر ما تهدف إلى تفجير الطاقة الخلاقة للشعائر والرموز الكرنفالية المرتبطة بالأعياد الإيطالية الشعبية، بحيوية دافقة تنبثق من مجاميع المغنين والبهلوانات ولاعبي الخفة والعازفين والمؤدين الذين عكسوا المظاهر الاحتفالية الخاصة بهذه الأعياد، عبر تصوير ولائم القصور العامرة وساحة القرية وأعمال البيع والشراء وأشكال الفرجة وطقوس الفرح التي كانت سائدة في ذلك الزمن.

المفتش الكبير

المفاجأة الأهم التي حملتها احتفالية دمشق لجمهور المسرح جاءت مع استضافتها لعرض «المفتش الكبير» للمخرج الإنكليزي الشهير بيتر بروك، فهذا المسرحي المولود في لندن 1925 يعتبر أحد ألمع المسرحيين الأوروبيين، فقد تميزت تجربته بالبحث الجاد والتنوع، حيث انشغل في أربعينات وخمسينات القرن العشرين بنصوص ويليام شكسبير والمسرح الحديث.

وبعد انتقاله إلى باريس في السبعينات أسس المركز العالمي للأبحاث المسرحية عام 1971، كما أسس فرقة مسرحية تضم ممثلين متعددي الجنسيات عام 1974، قدم من خلالها عدة عروض مسرحية جمعت ما بين الإخراج والبحث المسرحي، نهل بعضها من الثقافات غير الأوروبية مثل «منطق الطير» عن فريد الدين العطار، وال«مهابهارتا» عن الملحمة الهندية الشهيرة.

وتابع في بعضها الآخر قراءاته المتميزة لعيون الأدب المسرحي الغربي بدءا من ألفريد جاري وأنطون تشيخوف وصولاً إلى صمويل بيكت وكارول تشرشل، هذا إلى جانب عدة كتب نشرها حول المسرح بين الأعوام 1968و2002 منها: «النقطة المتحولة» و«انسوا شكسبير».