شبهوا بيكاسو بأسطورة ميداس الملك، الذي كان يضع يده على أي شيء فينقلب إلى ذهب، وكان الفنان بيكاسو بالفعل يحول لوحاته إلى أموال، ما جعله من أغنى فناني القرن الماضي، مستندا على شهرته وتمرسه. وكان بابلو بيكاسو رائد التكعيبية يدرك هذا، ويروى عنه تلك القصة الطريفة التي تقول إنه كان ذات مرة على شاطئ البحر، وجاءه طفل صغير يقول له: «قالت لي أمي أن ترسم لي». فرسم بيكاسو على ظهره، وقال له ضاحكا «لن تحممك أمك بعد الآن».

بيكاسو الفنان الأكثر شهرة في العالم تعرض أعماله في أبوظبي حاليا، ولغاية الرابع من سبتمبر القادم تحت عنوان «روائع من متحف بيكاسو الوطني في باريس». والحدث يعد استثنائيا، كونه يضم 186 لوحة ومنحوتة ومخطوطة، منها 40 مخطوطة ورسم يدوي يتم الكشف عنها للمرة الأولى، وتستضيفها أبوظبي حصرا، بتنظيم من شركتي أبوظبي للتطوير السياحي، و«مبادلة»، علما بأن هذه المحطة هي الثانية والوحيدة في المنطقة العربية، ضمن جولة المعرض العالمية المقررة في تسع دول، بعد أن كانت قد انطلقت من متحف الملكة صوفيا في مدريد.

يدخل الزائر إلى عالم بيكاسو منذ اللحظات الأولى لعبور بوابة المعرض، حيث يعرض فيلم وثائقي يصور بيكاسو خلال عمله الفني، أو في مشاهد أخرى ترصد حياته، ومن ثم تبدأ الرحلة مع أعماله، بدءا من بورتريه شخصي للفنان رسمه ما بين عامي 1901 و1906، وتتوالى العناوين: رجل بشارب، امرأة بيدين معقودتين، وهي عبارة عن دراسة قبل رسم لوحته الشهيرة، «انسات أفينيون». ولم تقتصر المعروضات على اللوحات الفنية، التي رسمها بالزيت أو الفحم أو المائي، أو المخطوطات بالحبر الصيني، بل تعدتها إلى منحوتات مختلفة الأحجام حيث وصلت إلى منحوتات عملاقة أحيانا مثل: امرأة مع عربة طفل، وتمثال نصفي لامرأة، وغيرها.

وعند متابعة تاريخ الأعمال واللوحات، نجد أنها تختزل تاريخ بيكاسو الفني، ومراحله المختلفة، التي قالت عنها مديرة متحف بيكاسو في باريس آن بالداساري أن المجموعة: «تطرح قراءة جديدة ومبتكرة لأعمال بيكاسو، حيث يقدم المعرض إطلالة شاملة على مسيرته وأبحاثه، وتطور إدراكه الفني، ويوفر المعرض تجربة غير مسبوقة. حيث يتألف من مجموعة أعمال حرص بيكاسو على الاحتفاظ بها لنفسه، ليس لارتباطها به فحسب، بل لأهميتها كمفاتيح رئيسية لتطور رؤيته الفنية، ويتحتم النظر إلى أعماله انطلاقا من هذا المفهوم. كما يكشف المعرض مراحل محددة في حياة بيكاسو بدءا من المرحلة الزرقاء وصولا إلى الأبحاث الأولية للوحة «آنسات أفينيون».

وتضم المرحلة الثانية العديد من الأعمال التكعيبية والكلاسيكية الجديدة، بينما تتألف المرحلة الثالثة من تماثيل سريالية وأبرز لوحات المرحلة التكعيبية، منها أعمال تبرز تأثره بالحرب الأهلية الاسبانية والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، أما المرحلة الأخيرة فتعكس إحساسا واضحا بالسعادة». وهنا لا بد من استحضار ما كان يردده بيكاسو دائما كما روى عنه ريتشارد دسون: «إن عملي هو يومياتي إن أردت فهم عملي ينبغي عليك فهم ما يجري في حياتي».

إيقاع المرأة

كان بيكاسو يقول: «المرأة إما سيدة أو جارية» وظهرت المرأة كثيرا في أعماله بدءا من زوجته الأولى أولغا راقصة البالية الروسية، التي تزوجها وأنجب منها طفله الأول، إلى نساء كثيرات أخريات، وبقيت المرأة هي الجانب الآخر من شخصيته التي لم يكتشفها إلا الأشخاص الذين كانوا على تماس حقيقي معه.

ومنهم «فراسواز جيلو» التي عاشت معه قرابة عشر سنوات، لخصتها في كتاب (حياتي مع بيكاسو)، وفيه تحكي قصتهما معاً بذكاء وصراحة. فهي أول من أمعن في الكشف عن شخصية بيكاسو بوجهيها الفني والإنساني، فهو عبقري متقلب المزاج، وملول، فصيح اللسان، شديد القلق، وهو رجل لم يتوقف عن محاربة الزمن والأعراف التقليدية، ولم يتوقف عن الإبداع، وقد وجدت في شخصية «كالتون ليك»، الصحفي الأميركي المتتبع لحياة بيكاسو وآثاره، خير معين على مشاركتها في نشر الكتاب.

و بعد فترة من نشر الكتاب اتصل بيكاسو بجيلو ليهنئها عليه، فقالت له: لكني نشرته من زمان، فقال «ولكنك كسبت القضية»، إذ كان بيكاسو قد رفع عليها قضية عند نشرها الكتاب لكنه خسرها باعتبار أن كل شيء في الكتاب كان مدروسا قانونيا وهو ما حرصت جيلو على التأكد منه قبل نشرها للكتاب.

أعماله بالأرقام

إذا كانت لوحات بيكاسو تباع في حياته بأرقام خيالية، فكيف هو الحال عند وفاته، فالجهات التي تضع اليوم أعمال بيكاسو على منتجاتها، يجب أن تطلب ترخيصا لصناعات استهلاكية بتقليد رسومه والأمثلة كثيرة، مثل معمل أميركي لصناعة الستائر الذي قدم للحصول على تفويض لزخرفة الستائر بلوحات بيكاسو، وشركة أخرى لتصنيع الطاولات في استراليا، وغيرها.

وحتى الآن لم يتم قبول الطلبات، بينما حصلت الصين على رخصة لإطلاق ماركة «كسارا - بيكاسو» على سيارات بيع منها حتى الآن مليون ونصف المليون سيارة في العالم، ويخول لفندق في لاس فيغاس باستخدام لوحات شهيرة لبيكاسو منها (المرأة الجالسة) لقاء مبالغ ضخمة لم يتم الكشف عنها.

و بيعت لوحته «دورا مار والقطة» بمبلغ 95 مليون دولار، وكادت لوحته الشهيرة «الحلم» أن تباع بمبلغ 140 مليون دولار لولا تعرض اللوحة لثقب صغير أدى إلى التريث على الرغم من ترميمها وإعادتها إلى ما كانت عليه. كما بيع رسم تخطيطي لبيكاسو يصور عشيقته مضطجعة وعارية، بأكثر من نصف مليون دولار، وهو ثلاثة أضعاف المبلغ المخمن خلال مزاد أقيم في العاصمة الفرنسية، ومن قبل قامت صاحبة الرسم ببيع عشرين عملا فنيا، كان قد أعطاها إياها.

رائد التكعيبية

ـ ولد بابلو رويز المعروف باسم بيكاسو في 25 أكتوبر عام 1881 في مالقة في اسبانيا لأب كان يعمل مدرسا للرسم، وتوفي في 8 إبريل عام 1973 في موجان بفرنسا.

ـ يعتبر بيكاسو فنانا تشكيليا ونقاشا ونحاتا، أقام أول معرض له في السادسة عشرة من عمره واستقر في باريس منذ العام 1904 لتشكل أعماله فيما بعد علامة فارقة في تاريخ الفن المعاصر.

ـ تعرض أعماله في ثلاثة متاحف رئيسية وهي: نزلي سالي في باريس، والآخر في برشلونة، ومتحف اللوفر أكبر متحف في العالم.

ـ كان بيكاسو يستخدم يده اليسرى في الرسم.

اللوحات الأكثر سرقة في العالم

تعد لوحات بيكاسو المسروقة الموزعة في العالم الأكثر بين الفنانين، ويقال إن عددها قد بلغت 449 لوحة، وآخرها لوحتان شهيرتان وهما «مايا مع دمية»، وبورتريه لجاكلين تقدر قيمتهما بـ 66 مليون دولار أميركي، سرقهما لصوص محترفون من منزل ديانا ويدماير، حفيدة بيكاسو التي تقطن في حي راق في باريس، وتمكنت الشرطة من استرداد اللوحتين في أوغست 2007.

الجورنيكا

الجورنيكا هي اللوحة التي اعتمد فيها بيكاسو الأسلوب الكلاسيكي الجديد، ويقول عنها النقاد أنها مرحلة العودة إلى الأصل، وتعتبر الجورنيكا أشهر عمل فني لبيكاسو، التي يصور فيها بشاعة الحرب ووحشيتها، وظلت هذه اللوحة معلقة في متحف الفن الحديث في نيويورك لسنوات عدة، ثم نقلت إلى اسبانيا لتستقر في متحف رينا صوفيا في مدريد بمناسبة افتتاحه.

سرقة بيكاسو في البرازيل

قال مسؤولون ان لصوصا مسلحين سرقوا لوحتين للفنان الإسباني الراحل بابلو بيكاسو وعملين آخرين لفنانين برازيليين خلال عملية سطو على متحف بيناكوتيكا في ساو باولو في ثاني سرقة فنية كبيرة بالمدينة البرازيلية في ستة شهور. واقتحم اللصوص الثلاثة المتحف في وضح النهار وهددوا الحراس.

وقالت أمانة الثقافة في الولاية ان اللصوص تمكنوا من الفرار بلوحة بيكاسو التي ترجع إلى عام 1963 «الرسام والعارضة» ولوحة «المينوطور..السكير والنساء» التي تعود إلى 1933. كما سرقوا لوحة «الزوجان» التي رسمها الفنان البرازيلي لاسار سيجال (1891-1957) ولوحة «نساء في نافذة» التي رسمها البرازيلي ايميليانو دي كافالكانتي (1897-1976).

وكانت هذه الأعمال الفنية التي تملكها مؤسسة جوزيه وباولينا نيميروفسكي وتقدر قيمتها الإجمالية بحوالي مليون ريال برازيلي (613 ألف دولار) معروضة في ملحق بيناكوتيكا ستيشن بالمتحف. وهذه هي ثاني سرقة لأعمال بيكاسو الذي عاش بين عامي 1881 و1973 في ساو باولو في الأشهر الستة الماضية.

وفي ديسمبر سرقت لوحته «صورة سوزان بلوخ» من متحف ساو باولو للفنون ومعها لوحة الفنان البرازيلي كانديدو بورتيناري «عامل القهوة» وتصل قيمتهما مجتمعتين إلى 55 مليون دولار. وفتح اللصوص الباب الرئيسي للمتحف بالقوة برافعة هيدروليكية واستخدموا عتلة لتحطيم باب زجاجي. ولم يكن بالمتحف نظام انذار ولم تكن أي من اللوحتين مؤمنا عليها. وأعادت الشرطة اللوحتين وألقت القبض على اثنين مشتبه بهما بعد بضعة أسابيع من الواقعة.

أغلى لوحة في العالم

بيعت لوحة «الصبي والغليون» لبيكاسو بمبلغ «104» ملايين دولار، لتصبح الأغلى في العالم، وتصور اللوحة التي يرجع تاريخها للعالم 1905 صبيا يبلغ من العمر 24 عاما يمسك في يده اليسرى مزمارا وعلى رأسه أكليل من الورود. و اشترى اللوحة شخص مجهول لم يكشف عن هويته من صالة سوذبي للمزادات في نيويورك.

سيرة بيكاسو سينمائيا

يعد فيلم المخرج «جيمس آيفري» (1996 ـ SURVIVING PICASSO) واحدا من الأفلام السينمائية عن سيرة الفنان «بابلو بيكاسو» إلى جوار أفلام أخرى، كان أبرزها فلم المخرج الفرنسي «الآن رينيه» عام 1950 والذي كان بعنوان «غورنيكا» أشهر لوحات الفنان. يقدم آيفري رؤية بانورامية متعددة الخطوط في ملحمة عن الحب والحياة عاشها «بيكاسو».

من الزاوية هذه يبدو التناول موفقاً سينمائياً، واختيار الفترة الزمنية المُوجِزة لعشر سنوات من حياة «بيكاسو» يمكن عده مغرياً وجذاباً لإعادة النظر في حياة هذا الفنان وفنه. في عودة للوراء بحثا عن «بيكاسو» اختار «جيمس آيفري ««فرانسواز جيلو» أكثر عاشقات «بيكاسو» تأثيرا عليه وهي الوحيدة التي استطاعت النجاة سالمة العقل من مصير الانتحار أو الجنون الذي اقتسمه باقي الأبناء والزوجات.

فدونت مذكراتها كاملة في كتابها (حياتي مع بيكاسو) الذي اقتُبِست عنه قصة الفيلم. وأشيع عنها عدم تعاونها مع الفيلم ونبذها فكرة إخراج فيلم عن حياة «بيكاسو «إلا أن ذلك لم يُثن المخرج «إيفري» عن الاستمرار في مشروعه الذي رصد له ميزانية تُقَدر ب(16 مليون دولار) فاختار «باريس» مكانا لتصوير معظم مشاهد فيلمه السينمائي.

عبير يونس